ابويا عزم
المحتويات
آخر الصالة كان فيه سلم طالع للدور التاني.
لكن قبل ما نتحرك...
سيف وقف فجأة.
استنوا.
كلنا بصيناله.
انحنى على الأرض، وشاور على آثار أحذية واضحة فوق التراب.
وقال بصوت منخفض
إحنا مش أول ناس تدخل هنا الليلة.
وفي نفس اللحظة...
سمعنا صوت باب بيتقفل بقوة في الدور العلوي...
ثم خطوات سريعة بدأت تجري فوق رؤوسنا كلنا رفعنا راسنا في نفس اللحظة.
الخطوات كانت سريعة... كأن صاحبها عارف المكان كويس.
الرجل المسن همس
مستحيل... محدش كان معاه مفتاح.
سيف أشار لنا نفضل مكاننا.
محدش يطلع ورايا.
لكن قبل ما يتحرك، اتسمع صوت ارتطام قوي في آخر الطرقة، وبعده ساد صمت غريب.
أنا مقدرتش أستحمل.
ممكن يكون حد اتصاب.
سيف بصلي بحزم.
أنتِ خليكِ هنا.
ورغم كلامه، أول ما طلع أول درجة على السلم، طلعت وراه.
لف ناحيتي بضيق، لكنه ماقالش حاجة.
الدور التاني كان مغطى بطبقة تراب سميكة، إلا ممر واحد واضح إن حد مشي فيه من دقائق.
وصلنا لباب أوضة كان مفتوح سنة بسيطة.
سيف زقه بإيده.
الباب صرّ صرّة طويلة وهو بيتفتح.
الأوضة كانت فاضية...
إلا من مكتب خشب قديم.
وفوق المكتب كان فيه جهاز تسجيل كاسيت، شغال.
صوت خشن خرج منه
لو حد بيسمع الرسالة دي... يبقى أنا وصلت متأخر.
أنا اتجمدت.
الصوت كان مألوف بشكل غريب، لكن مقدرتش أحدده.
التسجيل كمل
الملف اللي الكل بيدور عليه مش هنا... اللي هنا مجرد نسخة.
سيف قرب بسرعة من الجهاز.
لكن قبل ما يوقفه، كمل الصوت
ولو منة هي اللي وصلت لحد هنا... فأنا آسف.
قلبي دق بعنف.
هو... هو يعرف اسمي؟
سيف ما ردش.
كان مركز مع كل كلمة.
التسجيل قال
متثقيش في أي حد بسهولة... حتى اللي واقف جنبك ممكن يكون مخبي جزء من الحقيقة.
الجملة دي خلتني أبص تلقائيًا لسيف.
ولأول مرة...
لاحظت إنه قبض على إيده بقوة، كأنه كان متوقع يسمع الكلام ده.
بعدها بدقيقة، التسجيل وقف.
وساد صمت ثقيل.
الرجل المسن بدأ يفتش المكتب.
فتح أول درج...
فاضي.
التاني...
فاضي.
أما الدرج الأخير، فكان مقفول بقفل
طلع المفتاح النحاسي اللي معايا.
جربناه...
لكن ما دخلش.
سيف عقد حاجبيه.
يبقى فيه مفتاح تاني.
في اللحظة دي، لفت نظري إطار صورة مقلوب على المكتب.
رفعته.
مكانش فيه صورة.
كان مستخبي وراه مفتاح صغير ملزوق بشريط قديم.
ناولته لسيف.
ابتسم لأول مرة من ساعة دخلنا الفيلا.
واضح إنك بتلاحظي التفاصيل.
حط المفتاح في الدرج.
لفه...
واتفتح.
كلنا قربنا نبص.
لكن بدل ما نلاقي أوراق أو فلوس...
لقينا ظرف واحد فقط.
مكتوب عليه بخط واضح
يُفتح بحضور منة... ورأفت المنشاوي فقط.
بصيت لسيف باستغراب.
يعني لازم أبويا يكون هنا؟
وقبل ما يرد...
رن هاتفه.
رد بسرعة.
استمع لثوانٍ، ثم قال بلهجة اتغيرت تمامًا
إيه؟!... رأفت خرج من البيت؟... واختفى؟
أغلق الهاتف ببطء...
ثم التفت نحوي وقال
واضح إن أبوكي عرف إحنا فين... وقرر يسبقنا للمرة التانية الكلمة الأخيرة نزلت عليا زي التلج.
سبقنا؟
سيف هز راسه.
العربية اللي كانت مراقبة بيتكم شافته خارج من الباب الخلفي من عشر دقايق. ركب تاكسي، وبعدها اختفى.
الرجل المسن ضرب كفه في بعض.
يبقى عرف إن الظرف موجود هنا.
أنا مسكت الظرف بإيدي.
كان قديم، لكن مقفول بالشمع الأحمر.
بصيت لسيف.
نستناه؟
قبل ما يرد...
سمعنا صوت موتور عربية وقف قدام الفيلا.
كلنا جرينا للبلكونة.
لكن العربية اللي وقفت ماكانتش تاكسي.
كانت عربية فاخرة سوداء.
ونزل منها أبويا.
لكن...
مكانش لوحده.
كان معاه راجل طويل، لابس بدلة رمادي، ووشه مخفي بنضارة سودا.
أول ما شافوا الفيلا، الراجل قال حاجة لأبويا، فهز راسه بعصبية.
سيف رجع بسرعة لجوه.
مينفعش يشوفونا.
استخبينا بعيد عن الشبابيك.
وبعد ثواني...
اتفتح باب الفيلا من تحت.
صوت خطواتهم بدأ يقرب.
كل خطوة كانت بتقرب من الأوضة اللي إحنا فيها.
أنا همست
هنعمل إيه؟
سيف بص حواليه بسرعة.
ولاحظ باب صغير ورا المكتبة.
دفعه.
طلع سلم ضيق بينزل لتجويف قديم داخل الحيطة.
قال بصوت واطي
انزلوا.
أنا والرجل المسن نزلنا.
أما سيف فضل واقف عند
قلت بخوف
هتيجي.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
لازم أخليهم يفتكروا إن الأوضة فاضية.
وقبل ما ألحق أرد...
سمعنا صوت باب الأوضة بيتفتح بعنف.
وصوت أبويا وهو بيقول
فتشوا كل حتة... الظرف لازم يكون هنا.
وقلبي وقف تقريبًا...
لأن الراجل اللي معاه رد بجملة خلت سيف نفسه يتجمد
لو منة وصلت للظرف قبلنا... يبقى الخطة كلها انتهت سيف ضغط بإيده على الحائط، وأشار لنا من غير صوت إننا مانتحركش.
التجويف اللي كنا مستخبيين فيه كان ضيق جدًا، وكل اللي كنا سامعينه هو أصواتهم فوق راسنا.
أبويا قال بعصبية
دوروا كويس... مستحيل يكون خرج من الأوضة.
الراجل اللي معاه رد بهدوء
أنا مش قلقان من الظرف... أنا قلقان من اللي هيقرأه.
بعدها ساد صمت لثواني.
وفجأة...
سمعنا صوت فتح الدرج.
ثم صوت أبويا وهو بيشهق.
إزاي؟!
الراجل سأله
فيه إيه؟
أبويا قال بانفعال
الظرف اختفى!
أنا بصيت لسيف باستغراب.
إحنا كنا لسه ماسكينه من دقيقة!
لكن سيف ما اتفاجئش.
بالعكس...
ابتسم ابتسامة خفيفة جدًا.
همس
كنت متوقع.
أنا همست بسرعة
إزاي؟
قال من غير ما يبصلي
اللي كان في الدرج مش هو الظرف الحقيقي.
اتسعت عيني.
يعني إيه؟
كان طُعم... علشان نعرف مين هييجي يدور عليه.
في نفس اللحظة، سمعنا الراجل الغريب بيقول لأبويا
يبقى سيف سبقنا.
أبويا ضرب المكتب بغضب.
أنا قلتلك من الأول إنه مش هيسكت!
الراجل رد ببرود
لسه قدامنا فرصة.
وبعدين قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي
البنت نفسها أهم من أي ورقة.
أنا بصيت لسيف.
هو كمان سمعها.
ملامحه اتغيرت تمامًا.
ولأول مرة من ساعة عرفته، شفت القلق في عينيه.
همس للرجل المسن
لازم نخرج من هنا حالًا.
لكن قبل ما نتحرك...
اتسمع صوت تكة خفيفة من آخر الممر اللي إحنا مستخبيين فيه.
لفينا كلنا في نفس اللحظة.
كان فيه باب خشبي صغير، ماكناش واخدين بالنا منه.
والباب...
بدأ يفتح ببطء من الناحية التانية.
وخرجت منه سيدة مسنة، شعرها أبيض بالكامل، لكنها كانت ماسكة عصاية بثبات.
أول ما شافتني...
وقفت
وبعدين قالت بصوت مرتعش
أخيرًا... رجعتي يا منة.
أنا اتجمدت.
حضرتك تعرفيني؟
ابتسمت وسط دموعها، وقالت
أعرفك... من يوم ما اتولدتي.
وقبل ما أسألها أي سؤال...
سمعنا صوت أبويا من فوق وهو بيصرخ
اقفلوا كل المخارج... منة لسه جوه الفيلا!قلبي بدأ يدق بعنف.
السيدة المسنة قربت مني بسرعة على غير المتوقع، ومسكت إيدي بقوة.
وقالت وهي بتبص في عيني
اسمعيني كويس... مفيش وقت.
سيف كان واقف عند مدخل الممر، بيراقب الأصوات اللي جاية من فوق.
اتكلمي بسرعة.
هزت رأسها، وأشارت للعصاية اللي في إيدها.
لفت المقبض بتاعها، وفجأة طلع منها أنبوب معدني رفيع.
هزته مرة واحدة...
فنزلت منه لفافة ورق صغيرة جدًا.
ناولتهالي.
احتفظي بيها... ومتفتحيهاش دلوقتي.
لسه هسألها إيه دي...
سمعنا صوت خطوات بتنزل السلم المؤدي للممر السري.
سيف همس
وصلوا.
الرجل المسن اتوتر.
مافيش غير مخرج واحد من هنا.
السيدة ابتسمت لأول مرة.
لأ... فيه مخرج تاني.
مشت لآخر الممر، وضغطت على طوبة مختلفة في الحائط.
ببطء...
اتحرك جزء من الجدار، وظهر ممر ضيق جدًا.
قالت
الممر ده يوصل للجنينة الخلفية.
سيف بص لها باستغراب.
حضرتك عرفتي عنه منين؟
ردت بهدوء
لأن الفيلا دي كانت بيتي... قبل ما تتباع.
أنا بصيتلها بدهشة.
لكن ماكانش عندي وقت أسأل.
صوت أبويا بقى أقرب.
فتشوا تحت... بسرعة!
دخلنا الممر واحد ورا التاني.
وقبل ما السيدة تقفل الباب السري، سمعت صوت الراجل اللي كان مع أبويا بيقول
استنى...
ساد صمت لثانية.
ثم قال
ريحة تراب متحرك... فيه حد دخل هنا من شوية.
السيدة دفعت الباب بكل قوتها.
وقفل.
كملنا المشي في الممر المظلم حوالي دقيقتين.
لحد ما وصلنا لباب حديد صغير.
فتحناه...
وخرجنا فعلًا للجنينة الخلفية.
لكن أول ما رفعنا راسنا...
لقينا عربية سوداء واقفة.
وجنبها ثلاثة رجال، كأنهم كانوا مستنيين حد يخرج من الباب ده بالتحديد.
أحدهم خلع نظارته الشمسية، وبص مباشرة لسيف، وقال بابتسامة
تأخرت يا سيف... كنا عارفين إنك هتختار المخرج السري.
سيف وقف قدامي مباشرة، كأنه بيحميني.
وقال بهدوء
واضح إنكم محضرين كويس.
الرجل ضحك.
مش إحنا... اللي بلغنا مكان الممر السري واحد من الناس اللي معاك.
أنا بصيت بسرعة على سيف... ثم على الرجل المسن...
متابعة القراءة