أخت جوزي بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز

ساكت، وعينيه في الأرض.
أم العريس حولت نظرها ليه وقالت بحزم الكلام ده صحيح؟
أحمد بلع ريقه...
ولأول مرة بقى مضطر يختار بين السكوت... أو الحقيقة.
وكل الموجودين كانوا مستنيين إجابته...أحمد فضل ساكت كام ثانية...
الثواني دي كانوا أطول من سنين بالنسبة لي.
بعدها رفع عينه بالعافية، وقال بصوت واطي
أيوه... سمر مراتي.
أول ما الكلمة خرجت من بقه، الصالة كلها سكتت.
أم العريس بصت لمنة بذهول وقالت
يعني من أول ما دخلنا البيت وإحنا قاعدين معاكم... وإنتوا سايبين مرات ابنكم تخدمنا، ولما سألنا عنها قلتي إنها الشغالة؟!
منة اتوترت وقالت بسرعة
أصل... أصل شكلها كان...
قاطعتها أمها وهي بتزعق
اسكتي!
لكن أم العريس رفعت إيديها وقالت
لا... خليها تكمل. شكلها كان إيه؟
منة بلعت ريقها ومعرفتش تنطق.
أنا كنت واقفة في مكاني، لا بزعيق ولا بعيط.
كل اللي عملته إني قلت بهدوء
شكلي كان كده... لأني من الساعة خمسة الفجر في المطبخ. لو كنت طلعت أغير هدومي، كان زماني قاعدة معاكم دلوقتي.
بصت أم العريس لحماتي وقالت
وده كان قرار مين؟
حماتي حاولت تضحك وقالت
يا جماعة حصل سوء تفاهم...
قلت بهدوء
مفيش سوء تفاهم. أنا طلبت أطلع أغير هدومي، واترفض. واتقالي بالحرف إنتِ وجودك مالوش لزوم وسطنا.
الكلمات نزلت على المكان كله كأنها حجر.
أبو العريس اتغير وشه، وبص لابنه.
أما الشاب اللي كان جاي يخطب منة، فكان ساكت من أول القعدة، لكن المرة دي اتكلم لأول مرة.
قال بهدوء
أنا عندي سؤال.
الجميع بصله.
قال وهو بيبص لمنة
لو دي مرات أخوكي... وعاملتوها بالشكل ده قدامنا... أمال لو واحدة غريبة عنكم هتعملوا فيها إيه؟
منة معرفتش ترد.
حماتي حاولت تغير الموضوع بسرعة وقالت
يلا يا جماعة ناكل، والأكل هيبرد.
لكن الشاب قال
لا... خلينا نكمل الكلام الأول.
وبص ناحيتي وقال
مدام سمر... ممكن أسألك سؤال؟
هزيت راسي بالموافقة.
قال
من إمتى وإنتِ عايشة بالطريقة دي؟
أخذت نفسًا عميقًا...
وعرفت إن الإجابة دي، لو قلتها، هتفتح باب عمرهم ما كانوا مستعدين يتفتح...أخدت نفسًا طويلًا، وبصيت حواليّا.
كل العيون كانت عليا.
قلت بهدوء
من أول يوم دخلت البيت ده.
اتسعت عيون أم العريس.
سألتني يعني إيه؟
قلت يعني من أول يوم جواز، وأنا اللي بصحى أول واحدة وأنام آخر واحدة. بطبخ، وأنضف، وأغسل، وأخدم البيت كله. عمري ما اشتكيت، وكنت فاكرة إن ده طبيعي... وإن التقدير هييجي يوم.
بصيت لأحمد وأنا بكمل
لكن النهارده فهمت إن اللي بيقبل
الإهانة مرة... بيتعرض لها كل مرة.
أحمد قرب مني خطوة وقال بصوت كله ندم
سمر... أنا غلطان.
لكنني رفعت إيدي بهدوء وقلت
بعد إذنك... سيبني أكمل.
رجع مكانه وهو مكسور.
أم العريس بصت لحماتي وقالت بجدية
أنا داخلة بيتكم من ساعة، وكل شوية أسمع كلمة احترام وأصول... لكن اللي شوفته بعيني غير كده خالص.
حماتي حاولت تدافع عن نفسها
والله يا مدام حضرتك فاهمة الموضوع غلط...
لكن فجأة...
جالها صوت من آخر الصالة.
كانت جارة البيت، اللي كانت داخلة تسلم على الضيوف بعد ما الباب كان مفتوح.
قالت بعفوية ومن غير ما تعرف إيه اللي حاصل
ألف مبروك يا أم أحمد... والله سمر دي تستاهل تمثال. عمرنا ما شفناها قاعدة، دي شايلة البيت كله على كتفها من سنين.
أول ما قالت الجملة دي...
وش حماتي اصفر.
والجارة كملت وهي بتضحك
أنا حتى كنت بقول لبناتي اتعلموا من سمر، دي بتخدم الكل ومحدش بيساعدها.
ساد صمت ثقيل.
ومن ملامح أهل العريس، كان واضح إن الصورة بدأت تكتمل قدامهم...
لكن منة، بدل ما تعتذر...
عملت حاجة محدش كان متوقعها، خلت الجو كله ينقلب في لحظة منة وقفت فجأة، وشدت الكرسي بعصبية لدرجة إنه عمل صوت عالي.
كل الناس بصتلها.
قالت وهي بتحاول تبان قوية
أيوه... قلت إنها شغالة. يعني خلاص هنفضل نحاكم بعض على كلمة؟!
أمها همست لها
اسكتي يا بنت.
لكن منة كملت بعناد
أنا كنت خايفة الناس تاخد عننا فكرة وحشة. شكلها كان متبهدل، هدومها كلها بقع، وشعرها بايظ... أعمل إيه يعني؟!
أم العريس ردت عليها بهدوء، لكن نبرتها كانت حادة
بدل ما تخجلي من مرات أخوكي... كان الأولى تخجلي إنها هي اللي عملت كل ده لوحدها.
منة سكتت.
الشاب اللي كان جاي يخطبها بص لها وقال
أسألك سؤال؟
هزت رأسها.
قال
لو بعد الجواز أخويا تعب، وأنا جيت أزورك ولقيتك لابسة هدوم البيت ووشك مرهق من خدمة بيتك... هينفع أقول للناس إنك الخدامة؟
منة اتجمدت.
ومعرفتش ترد.
في اللحظة دي...
أحمد أخيرًا اتكلم.
وقف قدام الكل، وبص لي وقال
أنا غلطت لما سكت.
ثم لف ناحية أهل العريس وقال
وأعتذر قدامكم كلكم... اللي اتقال على مراتي كذب.
أول مرة أسمع كلمة مراتي منه قدام الناس بالفخر اللي كنت مستنياه من سنين.
لكن...
الكلمة دي جات متأخرة.
بصيت له وقلت بهدوء
الاعتذار بعد السكوت عن الظلم بيريح ضمير صاحبه... لكنه مش بيمسح وجع اللي اتظلم.
الكلام وقع على أحمد كأنه صفعة.
وأهل العريس كانوا ساكتين تمامًا.
وفجأة...
أبو العريس قال جملة غيرت اتجاه القعدة
كلها
قبل ما نكمل أي كلام في موضوع الجواز... أنا عايز أقعد مع ابني خمس دقايق لوحدنا.
وقام هو وابنه وأم العريس ناحية البلكونة...
وسابوا البيت كله في حالة ترقب، وكل واحد بقى خايف من القرار اللي هيخرجوا بيه الباب اتقفل عليهم في البلكونة...
والصالة بقت ساكتة بشكل يخوف.
منة كانت ماشية رايحة جاية وهي بتعض على ضوافرها، وحماتي كل شوية تبص ناحية البلكونة وترجع تبصلي بنظرات كلها غضب، كأنها شايفاني السبب.
أما أحمد...
فكان واقف مكانه، مش قادر يرفع عينه في وشي.
بعد حوالي عشر دقايق...
باب البلكونة اتفتح.
دخل أبو العريس الأول، ووشه مفيهوش أي ابتسامة.
وراه مراته، ثم ابنه.
كل الموجودين وقفوا.
حماتي قالت وهي بتحاول تبتسم
خير يا جماعة؟ إن شاء الله كله تمام؟
أبو العريس قال بهدوء
تمام... لكن قبل أي حاجة، عندي طلب.
قالت حماتي بسرعة
اتفضل.
لف ناحيتي أنا.
وقال
يا مدام سمر... ممكن تقعدي معانا؟
استغربت، لكن قعدت.
قال
أنا راجل عندي ستين سنة، وشفت بيوت كتير... لكن عمري ما شوفت واحدة تتشال منها كرامتها بالشكل ده، وتفضل محافظة على احترامها.
بصيت في الأرض من الكسوف.
فكمل
إحنا ما نعرفكيش، لكن اللي شوفناه النهارده يكفينا نحكم على أخلاقك.
بعدها لف ناحية أحمد وقال
حافظ على مراتك... لأن الست اللي تستحمل كل ده، لو خسرتها مش هتلاقي زيها.
أحمد هز رأسه وهو مكسور.
لكن المفاجأة...
إن أبو العريس ما بصش لمنة بعدها.
بص لحماتي مباشرة وقال
أما بالنسبة للجوازة...
أول ما قال الكلمة دي، منة وقفت، وابتسمت وهي فاكرة إنه هيحدد ميعاد كتب الكتاب.
لكن الراجل كمل بنبرة هادئة
إحنا مش بناخد قرار وإحنا متضايقين... هنرجع البيت، ونفكر كويس، وبعدها نرد عليكم.
الابتسامة اختفت من وش منة.
حماتي حاولت تمنعه
يا جماعة دي مجرد مشكلة عائلية بسيطة.
ابتسم أبو العريس ابتسامة خفيفة وقال
اللي حصل النهارده بالنسبة لحضرتك مشكلة بسيطة... لكن بالنسبة لينا كشف طريقة معاملة أهل البيت لبعض.
ساد صمت ثقيل.
وأهل العريس اتحركوا ناحية الباب.
وقبل ما يخرجوا...
أم العريس رجعت خطوتين، وقربت مني، ومسكت إيدي قدام الكل.
وقالت بصوت كله احترام
ربنا يعوض صبرك خير.
وسابت إيدي ومشت.
أول ما الباب اتقفل...
لفت حماتي ناحيتي، وكانت ملامحها بتقول إن اللي جاي مش هيكون سهل أبدًا... ولمعت في عينيها نظرة غضب عمرها ما بصتلي بيها قبل كده أول ما صوت الباب اختفى...
حماتي انفجرت.
إنتِ ارتحتي كده؟! بوظتي مستقبل البنت!
كنتِ مستنية إيه؟
وقبل ما أرد...
منة صرخت وهي بتعيط
أكيد مش هيرجعوا! بسببها... بسببها!
وأشارت عليّا بإيديها.
أنا فضلت واقفة مكاني.
ولا كلمة.
أحمد أخيرًا اتكلم
كفاية.
حماتي بصتله باستغراب.
قال لأول مرة بصوت عالي
كفاية ظلم لسمر.
البيت كله سكت.
منة قالت بعصبية
إنت واقف في صفها؟
رد عليها
أنا متأخر... بس هقف في صف الحق.
حماتي قربت منه وقالت
يعني أمك بقت غلط؟
قال بهدوء
أمي، إنتِ غلطتي لما سمحتي لمراتي تتذل بالشكل ده.
كان أول مرة أحمد يعارض أمه قدامي.
حماتي قعدت على الكرسي وهي مصدومة.
أما أنا...
فلفيت ناحية المطبخ.
بدأت ألم الصحون بهدوء.
أحمد جري ورايا.
قال
سيبيهم... وأنا هغسلهم.
بصيتله باستغراب.
عمري ما شفته دخل المطبخ.
قلت
متتعبش نفسك.
قال وهو بياخد الطبق من إيدي
لا... أنا تعبتك سنين.
كنت لسه هرد...
وفجأة رن جرس الباب.
كلنا بصينا لبعض.
منة قالت بسرعة
أكيد أهل العريس نسوا حاجة.
أحمد راح فتح الباب...
لكن أول ما فتحه، اتغيرت ملامحه تمامًا.
وقف قدام الباب رجل كبير في السن، أنيق جدًا، ومعاه شنطة جلد سوداء.
قال بهدوء
مساء الخير... أنا كنت معدي مع أهل العريس، لكن فضلت مستنيهم تحت شوية.
أحمد استغرب.
حضرتك مين؟
الرجل ابتسم وقال
أنا عم العريس.
ثم بص ناحيتي مباشرة وقال
وجيت مخصوص... علشان أتكلم مع مدام سمر في موضوع مهم جدًا.
كل اللي في البيت بصوا لبعض في دهشة...
ومنة وشها شحب، لأنها كانت حاسة إن الراجل ده داخل يقول كلام هيقلب البيت كله، لكن محدش كان متوقع المفاجأة اللي كان جاي بيها أحمد فتح له الباب وقال باحترام
اتفضل يا فندم.
دخل الراجل بهدوء، وقعد على أقرب كرسي.
حماتي حاولت تبتسم وقالت
خير يا حاج؟ حصل حاجة؟
قال بهدوء
خير إن شاء الله.
وبص ناحيتي.
حضرتك سمر؟
هزيت راسي.
قال
أنا نزلت مع أخويا وأسرته النهارده، لكن فضلت تحت أخلص مكالمة شغل، ولما طلعت سمعت آخر الكلام... وسمعت الحقيقة.
الصالة سكتت.
كمل
وأخويا قبل ما يمشي قال لي ارجع بلغهم رسالة.
حماتي ابتسمت وهي فاكرة إنها رسالة اعتذار.
قالت
اتفضل.
قال الراجل
أخويا قال إحنا هنأجل أي كلام في الخطوبة، لأننا محتاجين نفكر كويس.
وش منة اصفر.
لكن الراجل رفع إيده وقال
وده مش سبب رجوعي.
كلهم بصوا له.
فتح شنطته الجلد، وطلع منها علبة حلويات كانت لسه مقفولة.
حطها على الترابيزة قدامي.
وقال
دي من مرات أخويا... قالت لازم أوصلها لسمر.
استغربت.
قال
وقالتلي أقول لها إحنا خرجنا من بيتكم وإحنا
زعلانين عليكِ... مش من الأكل ولا من اللي حصل.
حسيت دموعي هتنزل لأول مرة.
أما حماتي فبدأ القلق يظهر على وشها.
الراجل قام وقف وقال
وفي حاجة تانية.
التفت ناحية أحمد.
وقال بجدية
لو مراتك فضلت مستحملة، فده كرم منها... لكن متفتكرش إن السكوت عمره كان ضعف.
وبعدين
تم نسخ الرابط