الغرفه 412

لمحة نيوز

كلها رسمية... وموقعة.
لكن ندى لم تصدق.
عادت مسرعة إلى الغرفة.
وأثناء بحثها، لاحظت شيئًا مكتوبًا على زجاج النافذة من الداخل، بخط باهت لا يظهر إلا مع انعكاس الضوء.
اقتربت أكثر.
كانت الجملة قصيرة...
لا تثقي بالمستشفى.
وفجأة، انطفأت أنوار الطابق بالكامل، وبدأت صفارات الإنذار تدوي في كل مكان، بينما سُمعت أصوات إطلاق نار من الطابق السفلي، لتدرك ندى أن ما يحدث لم يعد مجرد محاولة لإخفاء الحقيقة... بل بداية حرب لن يخرج منها الجميع أحياء انخفضت ندى أرضًا غريزيًا مع أول صوت لإطلاق النار.
تردد صدى الطلقات في الممرات، ثم انطفأت صفارات الإنذار فجأة، ليحل محلها صمت ثقيل.
بعد ثوانٍ، أضاءت إنارة الطوارئ الحمراء، فصار الطابق كله يغرق في ضوء خافت يزيد المكان رهبة.
سمعت صوت خطوات تقترب بسرعة.
اختبأت خلف عربة الأدوية، وقبضت على أنفاسها.
مر ثلاثة رجال مسلحين، يتحدثون بصوت منخفض.
قال الأول فتشوا كل أوضة... الباشا ما خرجش من المستشفى.
رد الثاني والبنت؟
لو لقيتوها، هاتوها عايشة.
شعرت ندى بقلبها يخفق بعنف.
إذًا هم يبحثون عنها أيضًا.
انتظرت حتى ابتعدوا، ثم تسللت نحو غرفة المراقبة.
كان الباب مفتوحًا، والموظف المسؤول فاقدًا للوعي على الأرض.
اقتربت من شاشات الكاميرات.
بدأت تراجع التسجيلات.
رأت أربعة رجال يدخلون غرفة آدم، لكن المفاجأة كانت أن الرجل الذي كان على السرير لم يكن آدم أصلًا.
كان شخصًا آخر يشبهه إلى حد كبير، موصولًا بالأجهزة بدلًا منه.
أما آدم الحقيقي، فقد ظهر في تسجيل أقدم، قبل ساعتين، وهو يُنقل على كرسي متحرك، ورأسه مغطى بغطاء طبي، يدفعه رجل يرتدي زي طبيب.
وقبل أن يختفي من الكاميرا، رفع آدم رأسه للحظة...
ونظر مباشرة نحو الكاميرا.
ثم حرّك شفتيه ببطء.
أوقفت ندى الصورة، وأعادت المقطع مرات عدة.
كانت الكلمة واضحة هذه المرة.
الميناء.
وقبل أن تتمكن من استيعاب معناها، ظهر انعكاس شخص خلفها على شاشة المراقبة.
استدارت بسرعة...
لتجد فوهة مسدس مصوبة إلى
رأسها.
قال الرجل ببرود
واضح إن فضولك أكبر من اللازم يا ندى...
ثم أشار بيده إلى حقيبتها.
دلوقتي... هتسلّميني وحدة التخزين بنفسك، ولا نضيّع وقتنا؟
وانتهى الموقف عند لحظة مشحونة، بينما لم يكن أمام ندى سوى ثوانٍ لتقرر هل تخاطر بالمواجهة، أم تحاول الهرب مرة أخرى؟تظاهرت ندى بالهدوء، ورفعت يديها ببطء.
قالت وهي تنظر إلى الرجل الفلاشة مش معايا.
ابتسم ابتسامة ساخرة.
واضح إنك لسه متعرفيش مع مين بتتكلمي.
اقترب خطوة، ومد يده ليفتش حقيبتها بنفسه.
في اللحظة التي انشغل فيها، دفعت ندى عربة الأجهزة بكل قوتها نحوه.
اصطدمت به، فسقط المسدس من يده وانطلق عيار ناري اخترق سقف الغرفة.
استغلت اللحظة وركضت خارج غرفة المراقبة.
بدأت تركض في الممر الطويل، بينما كانت تسمع خطواته تلاحقها.
دخلت إلى غرفة العمليات القديمة وأغلقت الباب، ثم أسندت ظهرها إليه وهي تلهث.
لكنها لم تكن وحدها.
خرج صوت هادئ من زاوية الغرفة
كنت متأكد إنها هتيجي هنا.
شهقت وهي تلتفت.
كان رجل في الأربعين من عمره، يرتدي ملابس طبيب، لكن وجهه لم يكن مألوفًا.
رفع يديه ببطء وقال
متخافيش... أنا مش منهم.
حدقت فيه بشك.
مين حضرتك؟
أجاب اسمي ياسين... وكنت المسؤول عن علاج آدم من أول يوم.
تجمدت.
بس الدكتور المسؤول اسمه...
قاطعها اللي تعرفيه مجرد اسم على الورق... بعد أسبوع من إصابة آدم، سيطر رجاله على المستشفى، وكل الملفات اتغيرت.
أخرج بطاقة تعريف قديمة، ثم أضاف
آدم فاق من الغيبوبة من حوالي عشرة أيام.
اتسعت عينا ندى.
إيه؟!
كان بيتظاهر إنه لسه غايب عن الوعي، لأنه عرف إن أقرب الناس ليه باعوه.
ساد الصمت.
ثم أكمل ياسين
هو اللي طلب مني أراقبك.
شعرت ندى بالارتباك.
أنا؟ ليه؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
لأنه سمعك وإنتِ بتقرأي له كل ليلة... وقال إنك الوحيدة اللي كانت بتعامله كمريض، مش كوحش.
وقبل أن تسأله المزيد، دوى انفجار عنيف هز أرجاء المستشفى.
تناثر الزجاج، وانطفأت الأنوار من جديد.
التقط ياسين حقيبة ندى بسرعة، وأخرج
منها وحدة التخزين.
قال وهو ينظر إليها بجدية
الناس دي مش بتدور على الفلاشة علشان فيها فلوس... فيها أسماء ناس كبار جدًا، ولو خرجت للعلن، إمبراطورية كاملة هتقع.
وفي تلك اللحظة، جاء صوت إطلاق نار يقترب من باب الغرفة، بينما أمسك ياسين بيد ندى وقال
تعالي... فيه ممر سري تحت المستشفى محدش يعرفه غير آدم أمسك ياسين بيد ندى، وأزاح خزانة معدنية قديمة كانت ملتصقة بالحائط.
خلفها ظهر باب حديدي صغير، لا يكاد يُرى.
أدار مفتاحًا قديمًا كان معلقًا في سلسلة حول رقبته، فانفتح الباب ببطء، كاشفًا عن سلم ضيق ينزل إلى الأسفل.
قال بصوت منخفض
بسرعة... قبل ما يوصلوا.
نزلت ندى خلفه، وأغلق الباب من الداخل.
بعد دقائق من السير داخل ممر طويل تملؤه الرطوبة، وصلا إلى غرفة واسعة مليئة بصناديق قديمة وأجهزة مراقبة.
لكن ما لفت انتباه ندى لم يكن الأجهزة...
بل الرجل الجالس على كرسي في آخر الغرفة.
كان يرتدي ملابس سوداء بسيطة، وذراعه ملفوفة بضمادة، وعلى وجهه آثار جروح لم تلتئم بعد.
رفع رأسه ببطء.
كانت عيناه حادتين كما وصفته الصحف.
قال بصوت أجش
أخيرًا وصلتي.
توقفت ندى في مكانها.
آدم...
ابتسم ابتسامة خفيفة.
واضح إن تمثيل الغيبوبة نجح.
لم تستطع الرد.
كانت تنظر إليه غير مصدقة.
الرجل الذي ظن الجميع أنه بين الحياة والموت... كان يجلس أمامها ويتحدث.
اقترب منها ببطء.
أنا مدين لك بحياتي.
قالت بارتباك
أنا مش فاهمة حاجة.
أشار إلى وحدة التخزين في يد ياسين.
كل الحقيقة فيها... لكن الحقيقة أخطر مما تتخيلي.
جلس على الطاولة وأخذ نفسًا عميقًا.
الرصاص اللي دخل جسمي... ماكانش من عصابة منافسة.
سألته ندى
أمال من مين؟
نظر إليها مباشرة وقال
من أخويا.
ساد الصمت.
ثم أكمل
شقيقي الأكبر كان شريكي في كل حاجة. ولما قرر يسيطر على كل الإمبراطورية لوحده... حاول يقتلني.
أخرج صورة قديمة من جيبه.
كانت تجمعه برجل يشبهه كثيرًا.
اسمه سليم.
وقبل أن يواصل كلامه، انفتح باب الغرفة بعنف.
دخل أحد رجال آدم وهو يلهث.

باشا... سليم عرف مكاننا.
وقف آدم فورًا، واختفت ملامح الهدوء من وجهه.
أخذ مسدسه من فوق الطاولة، ثم نظر إلى ندى وقال
من اللحظة دي... مفيش رجوع بعد دقائق، بدأت أصوات إطلاق النار تقترب من المخبأ.
نظر آدم إلى رجاله وقال بحزم
محدش يضرب إلا لو اضطر. اللي يهمني دلوقتي إن ندى تخرج من هنا سالمة.
تعجبت ندى وقالت بعد كل اللي حصل... لسه بتفكر في نجاتي؟
ابتسم آدم ابتسامة هادئة لأول مرة.
إنتِ الوحيدة اللي عاملتيني كإنسان وأنا على سرير المرض، مش كزعيم عصابة.
اشتد الهجوم، وتمكن رجال سليم من اقتحام الممر المؤدي إلى المخبأ.
وقف الأخوان وجهًا لوجه.
قال سليم الإمبراطورية دي بقت بتاعتي.
رد آدم خد الفلوس... لكن الدم عمره ما يبني مُلك.
ضحك سليم ورفع سلاحه، لكن أحد رجاله، الذي كان يعمل معه منذ سنوات، خفض سلاحه فجأة وقال
كفاية... إحنا دخلنا الطريق ده عشان الفلوس، مش عشان نقتل بعض.
وخلال لحظات، انقلب عدد من رجاله عليه بعدما اكتشفوا أنه هو من دبّر محاولة اغتيال آدم وقتل عددًا من أفرادهم لإخفاء خيانته.
حاول سليم الهرب، لكنه أُلقي القبض عليه بعد مطاردة قصيرة، ووصلت قوات الأمن التي كانت تتابع القضية منذ أشهر، بعد أن سلّمت ندى ووحدة التخزين ما تحتويه من أدلة على جرائم وغسل أموال وفساد.
سقطت الشبكة بالكامل، وأُلقي القبض على كل المتورطين.
أما آدم، فوقف أمام المحققين وقال بهدوء
هتحاسب على كل جريمة عملتها... ومش ههرب.
كانت تلك الجملة صادمة للجميع.
فالرجل الذي عاش عمره يفرض قوته، اختار أخيرًا أن يواجه القانون بدلًا من الهروب.
بعد عامين...
أنهت ندى دراساتها العليا في التمريض، وأصبحت مسؤولة عن قسم الرعاية الحرجة
في المستشفى نفسه.
وفي أحد الأيام، مرّت أمام الغرفة 412.
توقفت للحظة، وابتسمت.
كانت الغرفة فارغة، لكن ذكرياتها لم تكن كذلك.
تذكرت الليلة التي أمسك فيها رجل غائب عن الوعي بمعصمها، وكيف غيّرت تلك اللحظة حياتها بالكامل.
أغلقت باب الغرفة بهدوء، وهمست
بعض الأبواب
لا تخفي المرضى... بل تخفي أسرارًا تغيّر مصير الجميع.
ثم مضت في طريقها، وقد تركت الماضي خلفها، لتبدأ حياة جديدة عنوانها الشجاعة، والحقيقة، والعدالة.

تم نسخ الرابط