الغرفه 412
المحتويات
أجابت.
لم تسمع سوى صوت رجل مسن يقول بهدوء
لو عايزة تعيشي... متروحيش الشغل بكرة.
ثم أُغلق الخط.
لم تنم ندى تلك الليلة.
ومع أول ضوء للصباح، كانت تقف أمام نافذة شقتها، لتتفاجأ بأن السيارة السوداء ما زالت متوقفة في المكان نفسه، وكأن من بداخلها ينتظر قرارها... هل ستعود إلى الغرفة 412، أم ستهرب قبل أن تعرف الحقيقة؟في الثامنة صباحًا، وقفت ندى أمام المرآة، وعيناها متعلقتان بالهاتف الذي ما زال يحمل أثر المكالمة الغامضة.
كانت تعرف أن العقل يقول لا تعودي.
لكن قلبها كان يخبرها أن الرجل الذي في الغرفة 412 حاول إنقاذها، لا تهديدها.
ارتدت معطفها الأبيض، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم خرجت.
...
ما إن وصلت إلى المستشفى حتى لاحظت شيئًا غير معتاد.
الحراس الذين اعتادت رؤيتهم أمام الغرفة اختفى اثنان منهم، وحل مكانهما رجال لم ترهم من قبل.
تقدمت بخطوات حذرة.
وقبل أن تدخل، أوقفها أحدهم.
ممنوع الدخول.
أخرجت بطاقتها وقالت أنا الممرضة المسؤولة.
وصل رجل خمسيني أنيق، وقال للحارس سيبها.
دخلت ندى، لكنها فوجئت بأن الغرفة قد تغيرت بالكامل.
أجهزة جديدة.
كاميرات إضافية.
وحتى الزهور التي كانت بجوار النافذة اختفت.
وكأن أحدهم فتش المكان بالكامل.
اقتربت من آدم، وهمست
أنا رجعت.
في اللحظة نفسها... تحرك إصبعه مرة أخرى.
لكن هذه المرة كان أبطأ.
أخذت ندى دفترًا صغيرًا، وقالت
لو سامعني... حرك إصبعك مرة للنعم، ومرتين للا.
تحرك إصبعه مرة واحدة.
شهقت ندى.
لم يكن الأمر صدفة.
قالت بسرعة
إنت فاهم كل اللي بيحصل حواليك؟
مرة واحدة.
في حد من رجالتك خانك؟
مرة واحدة.
الخاين موجود هنا في المستشفى؟
توقف الإصبع لثوانٍ...
ثم تحرك مرة واحدة.
شعرت ببرودة تسري في جسدها.
قبل أن تسأل السؤال التالي، انفتح الباب فجأة.
دخل الرجل الخمسيني نفسه، وبيده باقة ورد كبيرة.
ابتسم لندى وقال
اتفضلي خدي بريك... وأنا هاقعد مع آدم باشا شوية.
لم يعجبها الأمر.
طوال
فلماذا اليوم؟
خرجت ببطء... لكنها لم تبتعد.
وقفت خلف الباب، وتركته مواربًا.
بعد ثوانٍ، سمعت الرجل يقترب من السرير.
ثم قال بصوت اختفت منه الابتسامة
واضح إنك بدأت تفوق يا آدم... بس للأسف، مش هتلحق تتكلم.
ثم أخرج من جيبه حقنة صغيرة مليئة بسائل شفاف...
ومد يده نحو أنبوب المحلول المتصل بذراع آدم، بينما كانت ندى تراقب المشهد من خلف الباب، وقد أدركت أنها أمام محاولة قتل جديدة، وأن عليها أن تتصرف قبل أن يفوت الأوان شهقت ندى دون أن تشعر، لكنها وضعت يدها بسرعة على فمها حتى لا يصدر أي صوت.
كان الرجل يرفع الحقنة ببرود، وكأنه اعتاد فعل ذلك.
فتح منفذ المحلول، وأدخل الإبرة ببطء.
في اللحظة نفسها، دفعت ندى الباب بكل قوتها.
صرخت إنت بتعمل إيه؟!
ارتبك الرجل، فسقطت الحقنة من يده على الأرض.
استدار إليها بعينين ملأهما الغضب، لكنه سرعان ما تماسك وقال بابتسامة مصطنعة
ده دواء جديد... الدكتور هو اللي طلبه.
التقطت ندى الحقنة بسرعة.
نظرت إلى الملصق...
لم يكن عليها أي اسم.
ولا أي بيانات.
ولا حتى شعار شركة أدوية.
قالت بحزم مش هيتعلق أي دواء من غير أمر مكتوب من الطبيب.
اقترب منها خطوة، ثم همس
أنتِ شاطرة زيادة عن اللزوم... وده خطر.
وقبل أن يمد يده نحوها، دخل الطبيب المناوب ومعه اثنان من أفراد الأمن.
تراجع الرجل فورًا، وعاد إلى ابتسامته الهادئة.
قال للطبيب الممرضة فهمت الموضوع غلط.
أخذ الطبيب الحقنة من يد ندى، وظل يقلبها بين أصابعه، ثم عقد حاجبيه.
دي مش من صيدلية المستشفى.
ساد الصمت.
لأول مرة، ظهرت على وجه الرجل علامات التوتر.
قال بسرعة أكيد حصل تبديل.
لكن الطبيب لم يرد.
ضغط على زر الطوارئ الموجود بجوار السرير.
وخلال أقل من دقيقة امتلأت الغرفة بالأطباء والحراس.
وسط الفوضى، لاحظت ندى شيئًا غريبًا.
آدم...
كانت جفونه ترتجف.
ثم تحركت أصابعه مرة أخرى.
رفع سبابته بصعوبة،
جميع من في الغرفة التفتوا إليه في اللحظة نفسها.
أما الرجل، فتغير لون وجهه تمامًا.
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم حاول أن يخرج بهدوء.
لكن أحد الحراس أمسك بذراعه.
قال الحارس ببرود
استنى يا أستاذ... آدم باشا عمره ما كان بيشاور على حد من غير سبب.
ساد صمت ثقيل.
وفي تلك اللحظة...
للمرة الأولى منذ ستة أشهر...
تحركت شفتا آدم ببطء شديد، وكأنه يحارب الموت لينطق بكلمة واحدة فقط.
انحنى الجميع نحوه في توتر شديد...
بينما توقفت ندى عن التنفس، وهي تنتظر الكلمة التي قد تكشف اسم الخائن الحقيقي، وتغيّر مصير كل من يقف داخل الغرفة اقترب الطبيب حتى كاد يلامس وجه آدم، بينما انحنى الحراس في صمت تام.
خرج الصوت متقطعًا، بالكاد يُسمع
مش... هو...
ساد الصمت.
نظر الجميع إلى الرجل الذي كانوا يمسكون به، ثم عادوا ينظرون إلى آدم.
كرر بصعوبة أكبر
مش... هو... الكبير...
قطعت أجهزة المراقبة الصمت بصفير متسارع، وارتفع نبضه فجأة.
أمر الطبيب الجميع بالابتعاد، لكن ندى لاحظت أن آدم كان يحاول تحريك يده نحو الوسادة.
اقتربت بسرعة ورفعتها قليلًا.
وجدت أسفلها قطعة معدنية صغيرة بحجم العملة، مثبتة بشريط طبي.
نزعتها في هدوء وأخفتها داخل كم معطفها قبل أن ينتبه إليها أحد.
بعد دقائق، استقرت حالته من جديد.
لكن الكلمة التي قالها بقيت تتردد في عقلها
الكبير.
من هو؟
إذا لم يكن الرجل الذي حاول حقنه هو الرأس المدبر... فمن يكون؟
...
بعد انتهاء نوبتها، ذهبت إلى غرفة الاستراحة وأخرجت القطعة المعدنية.
لم تكن عملة.
كانت وحدة تخزين إلكترونية صغيرة جدًا.
ترددت للحظات، ثم وضعتها في حقيبتها.
في المساء، استعارت حاسوبًا محمولًا من صديقتها في السكن، وأوصلت وحدة التخزين به.
ظهرت نافذة واحدة فقط.
لا ملفات...
ولا صور...
ولا أسماء.
فقط رسالة قصيرة
إذا كنت ترى هذه الرسالة... فهذا يعني أنني فشلت.
شعرت ندى بقشعريرة.
ضغطت على الرسالة.
ظهرت
لكن قبل أن تتمكن من قراءة المزيد، انطفأت شاشة الحاسوب فجأة.
ثم انقطع التيار الكهربائي عن الشقة كلها.
ساد الظلام.
وبعد ثوانٍ...
سمعت صوت خطوات بطيئة في ممر العمارة.
ثم توقفت أمام باب شقتها مباشرة.
تبعها ثلاث طرقات هادئة...
طرق... طرق... طرق.
تجمدت ندى في مكانها، وهي تمسك وحدة التخزين بيد مرتعشة، بينما جاءها صوت رجل من خلف الباب يقول بهدوء
افتحي يا آنسة ندى... إحنا من شركة الكهرباء.
لكنها كانت متأكدة أن شركة الكهرباء لا تعمل في منتصف الليل... ولا يسبق وصولها انقطاع للكهرباء بهذه الطريقة حبست ندى أنفاسها، ولم تُصدر أي صوت.
عاد الرجل يطرق الباب، لكن هذه المرة بقوة أكبر.
يا آنسة ندى... افتحي، العطل عندك.
نظرت من العين السحرية.
كان يقف رجلان يرتديان زي عمال الكهرباء، لكن خلفهما، عند مدخل العمارة، كانت تقف السيارة السوداء نفسها.
لم تنتظر أكثر.
أغلقت أنوار الهاتف، ودخلت إلى غرفتها بهدوء، ثم فتحت النافذة المطلة على سلم الطوارئ الخلفي.
في اللحظة نفسها...
سمعت صوت كسر الباب.
ارتجفت، وأسرعت بالنزول على السلم الحديدي، بينما كان الرجال يقتحمون الشقة.
اختبأت خلف سيارة قديمة في الجراج، وسمعت أحدهم يصرخ
دوروا عليها... والفلاشة لازم ترجع.
تأكدت أن وحدة التخزين هي السبب.
...
بعد دقائق، خرجت من الجراج إلى الشارع الخلفي، وأوقفت سيارة أجرة.
قال السائق
على فين يا أستاذة؟
ترددت للحظة، ثم قالت
المستشفى.
نظر إليها باستغراب.
راجعة تاني؟
أومأت برأسها.
كانت تشعر أن المكان الوحيد الذي قد تجد فيه إجابة هو الغرفة 412.
...
وصلت بعد منتصف الليل.
استغرب الحارس وجودها، لكنها أخبرته أن حالة المريض ساءت وأن الطبيب استدعاها.
سمح لها بالدخول.
ما إن فتحت باب الغرفة حتى شعرت أن شيئًا ليس طبيعيًا.
السرير...
فارغ.
نزعت الأجهزة من
والملاءات مبعثرة.
ركضت إلى الممر.
فين المريض؟!
نظر إليها أحد الممرضين بذهول.
من حوالي عشر دقايق... جه أمر بنقله بطائرة إسعاف لمكان تاني.
مين اللي أصدر الأمر؟
هز رأسه.
الأوراق
متابعة القراءة