من واحنا خمس سنين بقلم اماني سيد
شخص من العائلة لم يتوقع أحد أن يدخل في القصة أكمل لك الجزء التالي لما تطلب نظرت ماما للرقم طويلًا، وكأنها تحاول تتذكر صاحبه.
قال أخويا
مين بعت الرسالة يا أمي؟
ناولته الموبايل، فقرأ الاسم غير الموجود.
رقم مجهول
عبد العزيز قرب خطوة، ولما شاف الرسالة تغيرت ملامحه.
قال بقلق
لا مستحيل.
الكل بص له.
قال محمود
واضح إن في حد تاني قرر يتكلم بعد السنين دي.
ماما رفعت عينيها لعبد العزيز وقالت
أنت تعرف مين؟
ظل ساكتًا ثواني طويلة، ثم قال
أيوه أعتقد أعرف.
أخويا انفعل
إحنا تعبنا من كلمة أعتقد دي. كل مرة في حاجة مستخبية! كل مرة نكتشف جزء جديد!
عبد العزيز هز رأسه بحزن
معاك حق.
ثم جلس وقال
الرسالة دي غالبًا من شخص كان موجود وقتها شخص شاف كل اللي حصل.
سألت ماما
مين؟
قبل أن يرد، رن هاتف عبد العزيز.
نظر للشاشة، وارتبك.
كان نفس الرقم.
فتح المكالمة، ووضعها على السماعة.
جاء صوت رجل كبير في السن
عبد العزيز عارف إن الوقت اتأخر، وعارف إنك ممكن تكرهني بس لازم الحقيقة تظهر.
ساد الصمت.
سأل عبد العزيز
إنت مين؟
جاء الرد
أنا حسام
تجمد محمود مكانه.
ماما لاحظت التغير في وجهه.
قالت
حسام مين؟
محمود نزل عينه وقال
حسام كان صاحب عبد العزيز زمان كان أقرب واحد ليه.
ثم جاء صوت حسام من الهاتف
أنا كنت شاهد على اليوم اللي خرج فيه عبد العزيز من البيت وكنت أعرف إنه كان بيخبي عنكم سبب مهم.
أخويا قرب من الهاتف وقال
إحنا عايزين نعرف كل حاجة.
سكت حسام لحظة، ثم قال
الحقيقة إن عبد العزيز ماكانش بس هارب من مشكلة بينه وبين أمكم كان هارب من قرار هو أخده، وندم عليه بعدها بسنين.
ماما شعرت بقلبها يضيق.
قالت
أي قرار؟
جاء صوت حسام منخفضًا
القرار اللي كان ممكن يغير مصير العيلة كلها.
نظر الجميع لعبد العزيز.
كان واضحًا أن هناك شيئًا لم يقله أبدًا
شيئًا أخفاه حتى عن أقرب الناس إليه.
ثم قال حسام
لازم نتقابل لأن الكلام ده مينفعش يتقال في التليفون.
وأغلق المكالمة.
ظلوا جميعًا صامتين.
لكن هذه المرة لم يكن الصمت بسبب الألم فقط.
كان بسبب انتظار الحقيقة التي تأخرت سنوات طويلة في اليوم التالي، اتفقوا يقابلوا حسام في مكان هادي بعيد عن الزحمة.
طول الطريق، ماما كانت ساكتة. لم تكن خائفة من الحقيقة، لكنها كانت متعبة من كثرة المفاجآت.
قالت بهدوء
أنا عشت سنين وأنا فاكرة إن الحكاية انتهت يوم ما مشي لكن واضح إن في صفحات أنا معرفتهاش.
أخويا مسك إيدها وقال
المهم إننا دلوقتي مع بعض يا أمي.
وصلوا المكان، وكان حسام قاعد مستنيهم.
رجل كبير في السن، ملامحه تحمل
أول ما شاف عبد العزيز، قام وقف وقال
أنا عارف إنك مش عايز تشوفني.
رد عبد العزيز
أنا مش فاهم ليه استنيت كل السنين دي.
حسام نظر لماما وقال
لأن كل مرة كنت بقرر أتكلم كنت بخاف أخرب أكتر.
قال أخويا
إحنا مش أطفال. قول اللي عندك.
تنهد حسام وقال
قبل ما عبد العزيز يسيب البيت، كان بيمر بفترة صعبة. كان شايف نفسه فشل، وكان بيقارن نفسه بالناس حواليه. بدل ما يواجه إحساسه، بدأ يلوم كل اللي حواليه.
ماما هزت رأسها
وده أنا كنت حاسة بيه كان كل يوم يقلل مني.
قال حسام
لكن في يوم الخلاف الأخير حصل شيء غير كل المرات.
سأل عبد العزيز بقلق
حسام
قاطعه
لازم أقول.
ثم نظر لماما
في اليوم ده، عبد العزيز كان ناوي يرجع البيت بعد ما خرج. كان واقف بعيد عن البيت، وكان عايز يدخل ويعتذر.
اتسعت عينا ماما.
كان ناوي يرجع؟
هز حسام رأسه
أيوه لكنه سمع كلام من شخص خلاه يغير قراره.
سأل أخويا
مين الشخص ده؟
ساد الصمت.
عبد العزيز نزل رأسه.
قال حسام
شخص كان بيقنعه طول الوقت إن الرجوع ضعف، وإنه لازم يبدأ حياة جديدة.
ماما سألت
مين؟
نظر حسام لعبد العزيز.
ثم قال
الشخص ده كان حد قريب جدًا منه من العيلة.
تبادل الجميع النظرات.
فجأة، رن هاتف حسام.
نظر للشاشة، وظهرت على وجهه علامات الصدمة.
قال
ده هو.
سأله عبد العزيز
مين؟
رفع حسام الهاتف أمامهم.
كان المتصل شخصًا لم يتوقع أحد أن يسمع اسمه مرة أخرى.
وقال حسام بصوت منخفض
الشخص اللي تسبب في إنك تسيب بيتك عايز يقابلك دلوقتي.
وفي اللحظة دي، فهم الجميع إن القصة لم تكن بين زوج وزوجة فقط
كان هناك طرف آخر ظل مختبئًا طوال هذه السنوات نظر عبد العزيز للهاتف، وملامحه اتغيرت تمامًا.
قال بصوت منخفض
مش ممكن هو لسه موجود؟
سأل أخويا بحدة
مين؟ قولنا مين!
لكن عبد العزيز فضل ساكت.
محمود، أخوه، كان واقف بعيد ووشه مليان غضب.
قال
كفاية سكوت يا عبد العزيز الولاد دول عاشوا عمر كامل وهم فاكرين إن أمهم السبب، وإنك أنت الضحية. لازم يعرفوا الحقيقة كاملة.
ماما بصت له وقالت
أنا مش عايزة أسمع كلام يوجعني أكتر أنا عايزة أعرف بس ليه اتسابوا؟
حسام حط الهاتف على الطاولة وقال
الشخص اللي هنتقابله دلوقتي كان أقرب واحد لعبد العزيز وقتها وكان عارف نقطة ضعفه.
بعد دقائق، دخل رجل كبير في السن.
أول ما شافه عبد العزيز، وقف مكانه.
قال بصوت مخنوق
أنت؟
الرجل بص للأرض وقال
أيوه أنا.
أخويا قرب منه وقال
حضرتك مين؟
رد الرجل
أنا سامي ابن عم عبد العزيز.
ساد الصمت.
ماما حاولت تفتكر الاسم.
قالت
سامي؟
هز رأسه
أيوه يا فوزية أنا
عبد العزيز انفعل
إنت مش من حقك تيجي بعد كل السنين دي!
رد سامي بهدوء
يمكن بس أنا تعبت من حمل السر.
سألته ماما
أي سر؟
أخذ سامي نفسًا طويلًا وقال
السبب الحقيقي إن عبد العزيز خرج من البيت ماكانش لأنه كرهكم كان لأنه كان فاكر إنه بيهرب من الفشل.
نظر لعبد العزيز.
لكن أنا غلطت لما شجعته على الهروب بدل ما أقوله يواجه.
تجمد الجميع.
قال أخويا
يعني أنت كنت السبب؟
خفض سامي عينه
أنا كنت جزء من السبب لكن القرار كان قراره هو.
الكلمة دي وقعت على عبد العزيز بقوة.
لأنه لأول مرة لم يجد شخصًا يلومه أو يدافع عنه.
فقط الحقيقة.
قالت ماما
طب وليه رجعتوا دلوقتي؟ بعد ما كبرنا؟ بعد ما خلاص بقينا مش محتاجين حد؟
نظر سامي إليها وقال
لأن عبد العزيز شاف حاجة غيرت كل تفكيره
سألته
إيه هي؟
فتح سامي هاتفه، وأخرج صورة قديمة.
كانت صورة لهم جميعًا منذ سنوات ماما، وعبد العزيز، والأولاد وهم أطفال.
ثم قال
الصورة دي كانت معاه طول السنين اللي فاتت.
نظر الجميع لعبد العزيز.
لأول مرة يظهر عليه الندم الحقيقي.
وقال بصوت مكسور
أنا ما نسيتكمش يوم واحد أنا بس كنت جبان.
لكن قبل أن ينتهي الكلام، وصل خبر جديد قلب الجلسة كلها
خبر عن فوزية وبنتها جعل الجميع يعيد التفكير في كل شيء نظر عبد العزيز للجميع بقلق وقال
إيه اللي حصل لفوزية وبنتها؟
تردد سامي لحظة، ثم قال
بعد ما بنتها عرفت الحقيقة حصل خلاف كبير بينهم. مش لأنها كرهتكم، لكن لأنها حسّت إن حياتها كلها كانت مبنية على جزء ناقص من الحكاية.
ماما تنهدت وقالت
البنت مالهاش ذنب هي كمان ضحية.
الجملة دي خلت عبد العزيز يرفع عينه لماما باستغراب.
رغم كل اللي حصل كانت لسه بتفكر في غيرها.
قال أخويا
أمي طول عمرها كده حتى وهي موجوعة مبتعرفش تظلم حد.
سكت عبد العزيز، وكأن كل كلمة يسمعها كانت بتكشف له حجم الخسارة اللي عملها.
في نفس الليلة، رجع عبد العزيز لبيته القديم لأول مرة.
وقف قدام الباب طويلًا.
نفس الباب اللي خرج منه وهو غاضب منذ سنوات لكنه هذه المرة لم يكن يملك نفس القوة ولا نفس الغرور.
فتح الباب ببطء.
دخل، وبص للمكان.
كل ركن كان يحمل ذكرى.
الحيطة اللي كان عليها طول الأطفال، الكرسي اللي كانت ماما تقعد عليه وهي بتخيط هدوم الناس بالليل عشان تصرف عليهم
قعد على الكرسي وحط إيده على وشه.
همس لنفسه
أنا كنت فاكر إني بهرب من حياة صعبة طلعت بهرب من أغلى حاجة كانت عندي.
وفي اليوم التالي، طلب يقابل أولاده.
لما قعدوا معاه، قال
أنا مش جاي أطلب منكم تسامحوني بسرعة ولا أنكم تنسوا. أنا
سكت قليلًا ثم أكمل
أنا بس عايز فرصة أصلح اللي أقدر عليه.
أخويا نظر له وقال
إحنا مش محتاجين فلوس يا بابا إحنا كان ناقصنا وجودك.
نزلت الكلمات على عبد العزيز كأنها حكم.
وقبل أن يرد، دخلت ماما.
كانت ماسكة ظرف قديم.
قالت
أنا لقيت ده وأنا بنضف الدولاب.
نظر عبد العزيز للظرف، وتغير وجهه.
قال بصوت مرتجف
ده ده كان المفروض يفضل مقفول.
سألته ماما
ليه؟
فتح عبد العزيز عينيه بقلق.
لأن الظرف كان يحمل تاريخ اليوم الذي ترك فيه البيت.
ولأول مرة بعد كل هذه السنوات كان السر الحقيقي المكتوب بداخله على وشك الظهور فتحت ماما الظرف ببطء، وكل العيون كانت متعلقة بالورقة اللي بداخله.
كانت ورقة قديمة كتبها عبد العزيز لنفسه في يوم رحيله.
قرأها بصوت مرتجف
أنا مش ماشي لأني بطلت أحبهم أنا ماشي لأني حاسس إني فشلت ومش قادر أواجه. خايف أشوف نفسي في عيونهم ضعيف. بس يا رب ما أندمش.
سادت لحظة صمت طويلة.
ماما قفلت الورقة وقالت
كنت ضعيف فعلًا يا عبد العزيز بس ضعفك خلانا إحنا نشيل الحمل كله.
هز رأسه والدموع في عينه
عارف وعارف إن الاعتذار مش هيمسح السنين.
ردت
لا مش هيمسحها بس ممكن يخليك تبدأ تعوض اللي باقي.
كانت دي أول مرة يسمع فيها عبد العزيز كلمة فيها أمل بدل اللوم.
مرت الأيام، وبدأ يحاول يكون موجود في حياة أولاده من جديد. لم يكن الأمر سهلًا، ولم تختفِ الجروح في يوم وليلة، لكن الفرق هذه المرة أنه لم يهرب.
أما فوزية وبنتها، فقد فهموا الحقيقة كاملة. البنت زارت ماما وقالت لها
أنا آسفة على أي ألم سببه وجودي من غير ما أعرف.
ابتسمت ماما وقالت
أنتِ مش سبب وجعنا يا بنتي الإنسان هو اللي مسؤول عن قراراته.
ومع الوقت، أصبح اللقاء بين العائلتين أكثر هدوءًا. لم تعد هناك محاولات لإخفاء الماضي، لأن الحقيقة مهما كانت مؤلمة كانت أرحم من الأسرار.
أما عبد العزيز، فكان كلما نظر لأولاده تذكر السنوات التي ضاعت، لكنه كان يحاول أن يجعل السنوات القادمة مختلفة.
وفي يوم، قال لماما
أنا مش هطلب منك ترجعي زي زمان أنا بس عايز أفضل قريب وأصلح اللي أقدر عليه.
نظرت له وقالت
الرجوع مش بالكلام يا عبد العزيز الرجوع بالأفعال.
ابتسم وقال
هحاول.
ابتسمت لأول مرة منذ سنوات.
لم تعد ماما المرأة التي تركها خلفه وهي مكسورة أصبحت امرأة قوية صنعت أبناءها بيديها، وأثبتت أن قيمة الإنسان لا يحددها تعليم ولا مال، بل صبره وكرامته.
أما أولادها، فكانوا يعرفون أن أكبر انتصار لم يكن نجاحهم في الكليات أو حياتهم بل أنهم ردوا لأمهم جزءًا صغيرًا من العمر
وفي النهاية، لم تكن الحكاية عن أب عاد فقط
كانت عن أم لم تنكسر، وعن أولاد عرفوا قيمة من وقف بجانبهم، وعن حقيقة أن بعض الأخطاء يمكن إصلاحها لكن بعد أن يدفع أصحابها ثمنها يمكنني أيضًا كتابة نهاية أكثر درامية أو حزينة لو تحب.