من واحنا خمس سنين بقلم اماني سيد

لمحة نيوز

كانت واقفة على باب الأوضة وسمعت آخر جملة.
قالت بصدمة
حكاية قديمة إزاي يا بابا؟ أنا شفت نظراتهم هو في حاجة أنت مخبيها عني؟
سكت المكان.
عبد العزيز عرف إن اللحظة اللي كان بيهرب منها سنين وصلت.
وفي اليوم التالي، حصل شيء محدش كان متوقعه
رن جرس باب بيتنا.
فتحت ماما الباب، ولما شافته واقف قدامها اتجمدت للحظة.
كان عبد العزيز.
لكن المرة دي مكنش داخل بغرور ولا بصوت عالي.
كان واقف ووشه مليان ندم، وقال بصوت مكسور
ممكن أتكلم مع ولادي؟
ماما بصت له طويلاً، ثم قالت
ولادي كبروا يا عبد العزيز والسؤال مش هل هم عايزين يسمعوك السؤال هل أنت مستعد تسمعهم أنت؟
في اللحظة دي، خرج أخويا من الداخل.
وقف قدامه، وبعد سنوات طويلة لأول مرة بقى الأب والابن وش لوش
لكن قبل ما يبدأ الكلام، ظهرت رسالة على هاتف عبد العزيز قلبت كل شيءفي اليوم التالي، رجع عبد العزيز ومعاه بنته.
كانت البنت ساكتة طول الطريق، ملامحها مليانة حيرة. طول عمرها كانت شايفة أبوها رجل طيب ضحى عشانها، وفجأة اكتشفت إن في جزء كبير من حياته محدش قاله لها.
دخلوا البيت، وماما كانت قاعدة بهدوء، ماسكة كوب الشاي في إيدها.
أول ما البنت شافتها، وقفت لحظة كأنها بتحاول تتخيل الست اللي قدامها دي عاشت إيه.
قالت بصوت منخفض
أنا مش جاية ألوم حضرتك أنا جاية أفهم.
ماما بصتلها وقالت
اسألي اللي عايزاه يا بنتي.
سكتت البنت شوية، وبعدين قالت
هو بابا كان بيحكيلي إن حياته قبلنا كانت صعبة وإنه اضطر يبدأ من جديد. لكن محدش قالي إن كان عنده بيت وأولاد.
نظرت ماما لعبد العزيز، ثم قالت
اللي حصل حصل يا بنتي. أنا مش جاية أكرهك في أبوكي، ولا آخد منك حاجة. أنتِ
مالكيش ذنب في قرارات الكبار.
الكلمة دي هزت البنت.
لأنها كانت متوقعة غضب متوقعة اتهامات لكنها لقت ست مجروحة ولسه عندها رحمة.
قالت
طب هو ليه عمل كده؟
سكتت ماما.
لكن أخويا رد
عشان كان فاكر إن الهروب أسهل من المواجهة.
عبد العزيز نزل رأسه.
قال
أنا كنت ضعيف وكنت مغرور. صدقت إني لما أسيب كل حاجة ورايا هرتاح.
ردت البنت
بس أنت سيبت ناس بتحبوك.
الكلمة دي كانت أقسى من أي لوم.
عبد العزيز لم يجد ما يقوله.
في الأيام اللي بعدها، بدأ يحاول يصلح اللي اتكسر لكنه اكتشف إن أصعب شيء مش إنه يرجع بيتًا، أصعب شيء إنه يرجع ثقة راحت من زمان.
كان يتصل بأولاده، يطمن على ماما، ويحاول يكون موجود في تفاصيل صغيرة كان غايب عنها سنين.
لكن أخويا كان حاطط حدود واضحة.
قال له
أنا مش مانعك تقرب بس متفتكرش إننا هنصحى يوم وننسى.
وفي وسط كل ده، حصل موقف غريب
في يوم كانت ماما راجعة من مشوار، لقت ظرف صغير محطوط قدام باب البيت.
فتحته، ولقت جواه ورقة مكتوب فيها
أنا عرفت الحقيقة كاملة ومحتاجة أعتذر.
لكن المفاجأة كانت إن التوقيع لم يكن باسم عبد العزيز
كان باسم شخص آخر من الماضي.
شخص ماما لم تتوقع أبدًا أن يظهر من جديدمسكت ماما الورقة بإيد بتترعش، وقلبها بدأ يدق بسرعة.
مين الشخص اللي ممكن يكون من الماضي ويرجع بعد كل السنين دي؟
قلبت الورقة مرة تانية، تدور على أي علامة أي كلمة تفهمها مين صاحب الرسالة.
وفي آخر السطر كان الاسم واضحًا
عمك محمود.
وقفت ماما مكانها.
عم محمود أخو عبد العزيز.
الشخص الوحيد اللي كان يعرف تفاصيل اللي حصل وقتها، والشخص اللي اختفى من حياتهم بعد سفره بفترة قصيرة.
دخلت ماما البيت وهي ماسكة
الورقة، وأول ما شافها أخويا قال
في إيه يا أمي؟ مين محمود ده؟
قعدت على الكرسي وقالت بصوت هادي
ده أخو أبوكم كان موجود وقت ما حصلت المشاكل بيني وبين أبوكم.
عبد العزيز، اللي كان موجود وقتها، أول ما سمع الاسم اتغيرت ملامحه.
قال بسرعة
محمود رجع؟
بص له أخويا باستغراب
إنت تعرف هو عايز يقول إيه؟
سكت عبد العزيز.
والسكوت ده كان كفاية يخلي الشك يدخل قلوب الكل.
قالت ماما
واضح إن في حاجات لسه مخبيها يا عبد العزيز.
نزل رأسه، وكأنه كان عارف إن اليوم ده هييجي.
قال
في حاجات حصلت زمان أنا عمري ما قدرت أواجهها.
رد أخويا
إحنا مش أطفال يا بابا. طول عمرنا عايشين على نص الحقيقة. عايزين نعرف كل حاجة.
وقبل ما عبد العزيز يتكلم، رن جرس الباب.
الجميع سكت.
اتجه أخويا ناحية الباب وفتحه.
كان رجل كبير واقف أمامهم، شعره أبيض وملامحه تحمل تعب سنين.
قال بهدوء
السلام عليكم أنا محمود.
نظر لماما ثم لعبد العزيز.
وأضاف
أنا جيت عشان أصلح غلطة سكت عنها سنين طويلة.
ساد الصمت.
ثم قال محمود جملة واحدة جعلت الجميع يتجمد
عبد العزيز ما قالكوش الحقيقة كاملة عن اليوم اللي سابكم فيه.
شهقت ماما، ونظر أخويا لأبيه بصدمة.
أما عبد العزيز فبقي واقفًا مكانه، وكأنه كان يعلم أن السر الذي دفنه سنوات طويلة خرج أخيرًا للنور.
وقال محمود
الوقت جه تعرفوا ليه أخوكِم مشي وليه اختار يبعد.
لكن قبل أن يكمل، قاطعه عبد العزيز بصوت مرتجف
محمود كفاية.
رد محمود
لا مش كفاية. لأن ناس كتير دفعت تمن سكوتك.
ونظر ناحية ماما.
هي من حقها تعرف الحقيقة وقفت ماما مكانها، وعينيها انتقلت بين محمود وعبد العزيز.
قالت بصوت هادي رغم الوجع اللي باين
فيه
أنا استنيت سنين أعرف السبب بس مش عشان أرجع اللي فات. عايزة أعرف بس ليه اتساب أولادي وأنا لوحدي؟
محمود أخذ نفسًا عميقًا، وبص لعبد العزيز.
فاكر اليوم ده يا أخويا؟ اليوم اللي خرجت فيه من البيت وأنت غضبان؟
عبد العزيز قفل عينيه للحظة، كأنه رجع بالزمن.
قال محمود
وقتها كان في خلاف كبير بينكم، بس الموضوع ماكانش زي ما أنت حكيت للناس.
ماما عقدت حاجبيها
يعني إيه؟
تردد محمود، ثم قال
عبد العزيز وقتها كان فاكر إن الهروب هيحل كل حاجة لكنه كان متأثر بكلام ناس حواليه، وكان شايف إن حياته اتأخرت.
نظر أخويا لأبيه بغضب
يعني سبتنا عشان إحساسك إنك محتاج تبدأ من جديد؟
عبد العزيز لم يرد.
تابع محمود
أنا حاولت أرجعه كتير. قلت له فكر في ولادك، فكر في الست اللي وقفت جنبك. لكنه كان عنيد.
نزلت دمعة من عين ماما، لكنها مسحتها بسرعة.
قالت
أنا كنت فاكرة إني أنا السبب عشان قالي إني جاهلة.
محمود هز رأسه بحزن
لا يا أمهم دي كانت أسهل كلمة قالها عشان يبرر لنفسه.
سادت لحظة صمت.
الكلمة دي كانت مختلفة عن أي اعتذار سمعته ماما قبل كده.
لأنها لأول مرة عرفت إن المشكلة لم تكن في قيمتها بل في اختيار شخص آخر أن يهرب من مسؤولياته.
أخويا قرب من عبد العزيز وقال
طب ليه رجعت دلوقتي؟
رفع عبد العزيز عينه، وصوته كان مكسور
لأني شفتكم قدامي شفت أمكم واقفة قوية، وشفت إن السنين اللي كنت فاكرها هتمسح كل حاجة، خلتني أخسر أكتر.
ثم نظر لماما
أنا ندمت بس عارف إن الندم لوحده مش كفاية.
في نفس اللحظة، وصل صوت رسالة على هاتف ماما.
فتحتها باستغراب.
كانت رسالة من رقم غير مسجل.
مكتوب فيها
لو عايزة تعرفي آخر سبب خلى عبد العزيز
يمشي وقتها قابليني.
نظرت ماما للشاشة، وشعرت أن هناك جزءًا آخر من الحكاية لم يظهر بعد.
والأغرب أن الرقم لم يكن رقم محمود
كان رقم
تم نسخ الرابط