كنت عازمه اهلى بقلم أمانى السيد
وسلمها فلاشة صغيرة.
استغربت وسألته دي إيه؟
قال افتحيها.
شغلتها على اللابتوب، ولقت فيديو قديم... نفس الفيديو اللي صورته حماتها.
لكن بعد ثوانٍ ظهر جزء عمرها ما شافته.
اتضح إن التصوير فضل شغال بعد ما خرجت من البيت، وسجل كلام حماتها مع واحدة من الجارات وهي بتقول
كنت عارفة إن بهجت موافق على العزومة... بس لازم أخوفها شوية عشان متفتكرش إنها صاحبة البيت.
الزوجة شهقت.
بهجت قال الفيديو ده لقيته بالصدفة على موبايل أمي قبل ما تموت، وكانت محتفظة بيه، ويمكن كانت ناوية تعترف بالحقيقة.
نزلت دموع الزوجة.
قال عشان كده أنا جمعت ولادنا النهارده.
دخل الأولاد، وكانوا شبابًا.
قال لهم اسمعوا كويس... البيت مش بيخربه الفقر، ولا الغربة... البيت بيخربه الظلم وسوء الظن.
ثم نظر لزوجته وقال وأمكم علمتني إن الصبر قوة، وإن الكرامة لازم تتصان.
اقترب الابن الكبير، وقبّل رأس أمه وقال إحنا فخورين بيكي يا أمي.
ابتسمت وهي تبكي، وقالت أهم حاجة إنكم لما تكبروا، متسمحوش لحد يدخل بينكم وبين زوجاتكم أو أزواجكم، واسمعوا من الطرفين قبل ما تحكموا.
هز بهجت رأسه موافقًا وقال دي أغلى وصية هنسيبها ليكم.
وفي المساء، أخرجوا ألبوم الصور، وكانت أول صورة فيه هي صورة العزومة الجديدة التي جمعت العائلتين بعد الصلح.
ضحكوا وهم يتذكرون كيف تحولت أسوأ لحظة في حياتهم إلى درس ورثه الأبناء، فأصبحوا أكثر حكمة ورحمة في بيوتهم.
وهكذا انتهت الحكاية، لكن بقيت رسالتها لا تحكم من مقطع فيديو، ولا تسمع لطرف واحد، فالعدل يبدأ بسماع الحقيقة كاملة بعد وفاة الحماة بعامين، كانت الزوجة
وهي بتفتح درج الكومود، لقت ظرف مكتوب عليه بخط إيد حماتها
ما يتفتحش إلا بعد وفاتي.
قلبها دق بسرعة.
نادَت بهجت، وفتحوا الظرف سوا.
كان فيه جواب طويل، وأول سطر فيه
يا بنتي... لو إنتي بتقري الجواب ده، يبقى أنا خلاص بقيت عند رب كريم، ومفيش فايدة من الكِبر اللي عشت بيه سنين.
كملت وهي بتعيط
أنا ظلمتك... مش مرة، ولا اتنين. كنت فاكرة إن ابني هيتاخد مني، وإن أي حب هيدهولك هيكون على حسابي. الغيرة عمت عيني، وخسرت بيها راحتي وراحة ابني.
كان مع الجواب دفتر توفير.
بهجت فتحه واتصدم.
المبلغ كان كبير جدًا.
وفي آخر الجواب كتبت
الفلوس دي حصيلة دهبي اللي بعته قبل ما أموت. كنت عايزة أديهالك بإيدي، لكن استحييت بعد كل اللي عملته. اصرفيهم على تعليم ولادك، وادعيلي ربنا يسامحني.
الزوجة انهارت من البكاء.
وقالت كان نفسها تصلح كل حاجة قبل ما تمشي.
بهجت ضمها وقال وربنا يعلم إن نيتها وصلت.
نفذت وصيتها، وحطوا المبلغ في حساب تعليم أولادهم.
ولما كبر الأولاد واتخرجوا، كانوا كل سنة في ذكرى وفاة جدتهم يطلعوا صدقة جارية على روحها.
وكانت الزوجة أول واحدة تقول الله يرحمها ويغفر لها... الإنسان ممكن يغلط، لكن أجمل حاجة إنه يعترف بغلطه قبل ما يقابل ربنا.
وهكذا انتهت القصة، بعدما انتصر فيها التسامح على الكراهية، ولم يبقَ من الماضي إلا العبرة والدعاء بعد مرور عشر سنوات...
كان بهجت وزوجته قاعدين في بلكونة البيت وقت الغروب، يشربوا الشاي في هدوء، بعد رحلة طويلة مليانة تعب وفرح ودموع.
رن جرس الباب.
فتح
قال حضرتك الأستاذ بهجت؟
أيوه... اتفضل.
دخل الشاب وهو متوتر، وقال يمكن حضرتك متعرفنيش... أنا ابن الجارة اللي كانت واقفة يوم المشكلة الكبيرة.
بهجت افتكرها فورًا.
قال الشاب قبل ما أمي تتوفى، سابتلي فلاشة وقالتلي وصلها لبهجت لما تشوف الوقت مناسب.
استغرب بهجت، وشغل الفلاشة.
كان فيها الفيديو كامل... من أول ما حماته طلعت من بيتها وهي بتقول للجارة هصور وأولع الدنيا بينهم، عشان يعرف إن أمه أهم واحدة في حياته.
والأصعب من كده... إن الجارة كانت بتحاول تمنعها.
قالتلها حرام عليكي... البنت محترمة، وابنك بيحبها.
لكن حماته أصرت.
قفل بهجت الفيديو، وتنهد.
زوجته بصتله وقالت خلاص يا بهجت... هي بين إيدين ربنا، وربنا أعدل من أي حد.
ابتسم وقال عندك حق.
قام، ومسح الفيديو من الفلاشة.
الشاب استغرب وقال حضرتك مش هتحتفظ بيه؟ ده دليل إنها كانت غلطانة.
ابتسم بهجت وقال الدليل ده كان ينفع وهي عايشة عشان تواجه غلطها... أما دلوقتي، فهي عند ربها، وإحنا مش عايزين نورث ولادنا كراهية.
أمسكت الزوجة بيده، وقالت أحسن حاجة عملتها.
خرج الشاب وهو متأثر، وقال لأول مرة أشوف حد يقدر يسامح بالشكل
ده.
رد بهجت التسامح مش معناه إننا نسينا الوجع... معناه إننا اخترنا منخليش الوجع يحكم باقي عمرنا.
وفي تلك الليلة، اجتمع الأبناء والأحفاد حول مائدة كبيرة، مليئة بنفس الأكلات التي كانت سببًا في أول أزمة.
ضحك الجميع، وقال بهجت وهو ينظر إلى زوجته سبحان الله... عزومة واحدة كادت تهد بيت، وبعد كل السنين بقت سبب إن العيلة
ضحكت زوجته وقالت الفرق إن النهارده... كل اللي قاعدين على السفرة قاعدين بالمحبة، مش بالخوف.
وانتهت السهرة بالدعاء، والضحكات، وصلة الرحم... لتبقى الحكاية درسًا بأن البيوت تُحفظ بالثقة، والاحترام، وحسن الظن، لا بالسيطرة وسوء الاتهام بعد خمسة عشر عامًا...
وقف بهجت في حديقة بيته، ينظر إلى أولاده بعدما كبروا، وكل واحد منهم بدأ يبني حياته.
اقتربت منه زوجته وقالت بابتسامة
سرحان في إيه؟
ابتسم وقال
في يوم واحد... يوم كنت ممكن أخسر فيه كل حاجة لو سمعت كلام الناس ومسمعتكيش.
وفي تلك اللحظة، دخل الابن الأكبر وقال
يا بابا... أنا هخطب النهارده، وعايز منك نصيحة واحدة أعيش بيها.
نظر إليه بهجت، ثم أمسك بيد زوجته وقال
أوعى تسمح لأي حد، مهما كان قريب منك، يدخل بينك وبين مراتك. لو حصل خلاف، اقفل باب بيتك واسمع منها قبل ما تسمع من الدنيا كلها. الثقة هي اللي بتبني البيوت، وسوء الظن هو أول مسمار في نعشها.
اغرورقت عينا الزوجة بالدموع، لأنها شعرت أن كل ما تحملته لم يضع هباءً.
وبعد أيام، اجتمعت العائلة كلها في عزومة كبيرة، على نفس المائدة التي بدأت منها الحكاية قبل سنوات.
جلس أهل الزوجة وأهل بهجت جنبًا إلى جنب، يضحكون ويتبادلون الأحاديث، ولم يعد أحد يتذكر الإهانة بقدر ما يتذكر الدرس الذي تعلمه منها.
رفع بهجت كوب الشاي وقال
الحمد لله... ربنا نجّى بيتنا يوم كنا على وشك نضيعه بإيدينا.
ابتسمت زوجته، وقالت
الحمد لله إن الحقيقة ظهرت، وإن الاحترام رجع بين الكل.
وانتهت السهرة بصورة عائلية جديدة، لكنها اختلفت عن كل الصور السابقة.
لم يكن فيها هاتف يصور ليفضح أحدًا، بل كانت صورة تجمع القلوب بعد أن تصافت.
تمت.