انا وجوزى منفصلين
اتعلمت فيها إن الكرامة مش عناد، وإن الصبر له حدود، وإن ربنا لما يقفل باب بعد تعب طويل، ممكن يفتح أبوابًا فيها سكينة ورحمة ماكنتش متخيلاها.
وأكتر درس خرجت بيه من التجربة كلها
الزواج مش مجرد عقد، لكنه مسؤولية ورحمة واحتواء. ولو غابت المعاني دي، فالحفاظ على الكرامة، ورعاية الأبناء، والسعي لحياة مستقرة، يفضلوا حق لكل إنسان بعد خمس سنين...
كنت قاعدة في حفل تخرج ابني من الجامعة، وأنا ببص له بفخر، وأفتكر كل ليلة سهر، وكل دمعة نزلت وأنا خايفة على مستقبله.
أبوه كان موجود هو كمان.
لما خلص الحفل، قرب مني وقال بهدوء
أنا كنت فاكر إن الطلاق هيضيع الأولاد... لكن واضح إن اللي حافظ عليهم هو إننا بطلنا خلافات.
ابتسمت وقلت
الأولاد بيحتاجوا أبو وأم يحترموا بعض، حتى لو مكملوش مع بعض.
هز رأسه موافقًا.
في اللحظة دي، ابني نادانا إحنا الاتنين عشان نتصور معاه.
وقفنا جنبه، وكل واحد فينا كان عارف إن الحياة مش دايمًا بتمشي زي ما كنا مخططين.
لكنها ممكن تمشي بشكل أفضل لما كل واحد يتحمل مسؤولية قراراته.
وأنا راجعة البيت، افتكرت اليوم اللي كنت خايفة فيه أطلب الطلاق، وخايفة من كلام الناس، ومن المستقبل.
اكتشفت إن أكتر حاجة كانت معطلاني... هي الخوف.
ولما الخوف راح، بدأت الحياة ترجع واحدة واحدة.
وقبل ما أنام، بنتي دخلت الأوضة وقالت
ماما... شكرًا إنك علمتينا إن الإنسان يقدر يبدأ من جديد مهما اتأخر.
، وقلت
طول ما ربنا كاتب لنا عمر، يبقى دايمًا فيه بداية جديدة.
وهنا انتهت الحكاية... حكاية ست اختارت كرامتها، وحافظت على احترام أولادها لأبوهم، وفي نفس الوقت ما تنازلتش عن حقها في حياة مستقرة وآمنة.
تمت عدّت سنة على جوازي.
مكنتش سنة خالية من التحديات، لكن كانت أول سنة أحس فيها إن البيت فيه هدوء، وإن كل مشكلة بتتحل بالكلام، مش بالصوت العالي أو التجاهل.
أولادي في البداية كانوا متحفظين، وده كان طبيعي.
لكن زوجي عمره ما حاول يفرض نفسه عليهم، ولا طلب منهم ينادوه بابا، وكان دايمًا يقول
أبوكم موجود، ومهما حصل هيفضل أبوكم. وأنا دوري أحترم ده، وأكون إنسان كويس في حياتكم.
الكلمة دي خلت الأولاد يرتاحوا له مع الوقت.
أما أبوهم، فبقى ملتزم يشوفهم باستمرار، وبدأ يعوض جزءًا من غيابه. العلاقة بينهم اتحسنت بالتدريج، وده كان في مصلحة الأولاد قبل أي حد.
وفي يوم، بعد ما رجعوا من عنده، ابني قال لي
ماما... إحنا بقينا مرتاحين. بقينا نحس إننا مش مجبورين نختار بينكم.
وقلت
وده اللي كنت بتمنى أوصله من أول يوم.
ابتسم وقال
إنتِ علمتينا إن الخلاف بين الكبار ما يخليش الأولاد يدفعوا التمن.
الكلمة لمست قلبي.
ليلتها، وأنا قاعدة في البلكونة، افتكرت نفسي من سنة، وأنا ببعت رسالة أطلب فيها الطلاق، وخايفة من المجهول.
مكنتش أعرف وقتها إن أصعب رسالة بعتها في حياتي... هتكون هي أول خطوة في طريق راحتي.
وعرفت
لكن معناها إن الإنسان يلاقي احترام، وأمان، وراحة نفس، ويشوف أولاده بيكبروا في بيئة مستقرة، بعيدًا عن الصراع.
وده كان أكبر انتصار بعد رحلة طويلة من الألم بعد عشر سنين...
كنت قاعدة في فرح بنتي، والناس كلها بتباركلها.
بصيت حواليّا، ولقيت أبوها واقف بعيد، شعره شابه، وملامحه اتغيرت كتير.
أول ما خلص الفرح، جه ناحيتي وقال
فاكرة آخر مرة اتكلمنا فيها؟
ابتسمت وقلت
أفتكرها... لأنها كانت بداية النهاية، وبداية حياة جديدة.
اتنهد وقال
أنا وقتها كنت فاكر إنك مستحيل تمشي، وإنك مهما زعلتي هتفضلي مكاني محفوظ. الغرور عمى عيني.
قلت بهدوء
كل واحد فينا اتعلم درس. المهم إن ولادنا وصلوا للي إحنا كنا بنحلم بيه.
قال وهو بيبص لبنتنا
الحمد لله... أهم حاجة إنهم طلعوا أسوياء.
مد إيده يصافحني.
صافحته باحترام.
مبقاش بينا حب، ولا كره.
بقى بينا تاريخ... وأولاد... واحترام متبادل.
وأنا خارجة من القاعة، افتكرت كل اللي عديت بيه، وابتسمت.
لأن الحياة علمتني إن أقسى اللحظات ممكن تكون هي السبب في أجمل البدايات.
وإن الإنسان لما يحافظ على كرامته، ربنا بيعوضه في الوقت المناسب، وبالطريقة اللي فيها الخير له.
وانتهت الحكاية... لكن فضل منها درس واحد
لا تؤجل قرارًا تعرف أنه الصحيح خوفًا من المجهول، فقد يكون المجهول أرحم كثيرًا من واقعٍ يستنزف عمرك كل يوم بعد شهور
كان أول مرة يبصلي من غير غرور، ومن غير كلمة تحدي.
القاضي سأله للمرة الأخيرة
هل هتوقع على الطلاق؟
فضل ساكت ثواني، وبعدين قال بصوت واطي
أيوه... هوقع.
مسك القلم، ووقّع.
في اللحظة دي، ماحسيتش بانتصار... ولا شماتة.
حسيت إن حملًا كبيرًا كان فوق قلبي واتشال.
خرجت من المحكمة، وأولادي كانوا مستنييني بره.
ابني قال
مبروك يا ماما... النهارده بدأنا حياتنا الجديدة.
ابتسمت، وقلت
لا يا حبيبي... إحنا بدأناها من يوم ما قررنا منخافش.
بعد سنة، ربنا رزقني بزوج صالح، احتواني أنا وأولادي، وكان يعاملهم بمحبة واحترام، من غير ما يحاول ياخد مكان أبوهم.
أما أبوهم، ففضل أب لأولاده، يشوفهم ويشاركهم مناسباتهم، لكنه كان كلما رأى استقرارهم، أدرك أن الأسرة لا يحفظها مجرد عقد زواج، وإنما يحفظها الحب، والرحمة، وتحمل المسؤولية.
وفي يوم، وهو بيوصل أولادنا بعد زيارة، وقف قبل ما يمشي وقال
سامحيني... أنا خسرت بيت كامل بإيدي.
ابتسمت في هدوء، وقلت
أنا مسامحاك... لأن التسامح راحة لقلبي. لكن بعض القرارات بيكون ثمنها كبير، ومفيش حد يقدر يرجع الزمن.
ركب عربيته ومشى.
فضلت أبص للطريق ثواني، وبعدين مسكت إيد أولادي ودخلنا البيت.
البيت اللي اتبنى المرة دي على الاحترام، والسكينة،
والرحمة... مش على الخوف أو الانتظار.
وقتها عرفت إن ربنا ما بيقفلش باب إلا ويفتح بابًا أوسع منه،
تمت.