بصى بقى ياعروسه
المحتويات
الباب، وقع منه ظرف أبيض.
العربية انطلقت واختفت وسط الزراعات.
حسن رجع وأخذ الظرف.
فتحه بسرعة.
كان فيه خريطة مرسومة بإيد والده، وعليها علامة حمراء تحت أرضية المخزن، وكلمة واحدة
الميزان.
عم سالم أول ما شاف الكلمة، شهق.
يا ساتر...
حسن بصله.
تعرف معناها؟
هز رأسه.
أبوك كان عامل ميزان حديد ضخم جوه المخزن زمان... محدش يعرف إنه من تحته فيه سرداب.
في اللحظة دي، كانت النار بدأت تهدى.
رجال الإطفاء كسروا السلسلة، لكن الباب ما اتحركش.
حسن طلع المفتاح، وركب فيه نص الميدالية.
ما حصلش حاجة.
فدوى بصت للميدالية وقالت
استنى...
قلبتها على الناحية التانية.
فجأة، النصين ركبوا في بعض وكأنهم قطعة واحدة.
حسن دخلها في القفل.
صدر صوت معدني قوي.
ثم انفتح الباب ببطء.
الكل دخل بحذر.
المخزن كان مليان تراب وأجولة غلال قديمة.
لكن حسن افتكر كلمة الميزان.
راح ناحية الميزان الحديد الكبير، وحاول يحركه.
ما اتحركش.
ساعده عم سالم والضابط.
وبعد مجهود، انزاح الميزان عدة سنتيمترات.
ظهر تحته باب حديدي صغير، عليه نفس النقش الموجود على المفتاح.
حسن فتح الباب...
ونزلت منهم رائحة هواء قديم.
كان فيه سلم حجري بينزل لتحت الأرض.
الضابط أشعل كشافه وقال
الكل يخلي باله.
نزلوا درجة وراء درجة، لحد ما وصلوا لغرفة واسعة.
وفي منتصف الغرفة...
صناديق خشبية مقفولة بالشمع الأحمر.
وعلى الحائط المقابل، خزنة فولاذية ضخمة.
لكن قبل أن يقترب منها أحد، سمعوا صوت تصفيق بطيء يخرج من آخر الغرفة المظلمة...
ثم خرج رجل بخطوات هادئة، مبتسمًا، وقال
استنيتكم توصلوا لهنا... لأنكم وفرتوا عليَّ عناء البحث تجمد الجميع في أماكنهم.
سلط الضابط الكشاف ناحية الصوت.
ظهر رجل في أواخر الخمسينيات، أنيق رغم التراب اللي مالي المكان، وفي إيده مسدس كاتم للصوت.
أول ما شافته نورهان، صرخت
بابا!
حسن اتسعت عينه.
كمال عزت!
كمال ابتسم وهو بيقرب خطوة.
كبرت يا حسن... وبقيت شبه أبوك جدًا.
الضابط
ارمِ المسدس وارفع إيدك.
كمال ضحك باستهزاء.
قبل ما تقبضوا عليا، افتحوا الخزنة... هتعرفوا ليه حسين مات.
حسن قرب من الخزنة، وكانت فتحتها بنفس المفتاح النحاسي.
ركّب المفتاح، وأدار المقبض.
انفتح الباب ببطء...
لكن بدل ما يلاقي فلوس أو ذهب، لقى عشرات الملفات، وأشرطة تسجيل قديمة، وعقود أصلية مختومة.
وفوق الكل، صندوق خشبي صغير.
فتحه ببطء.
كان فيه ساعة يد والده، ورسالة مغلقة باسمه.
إيده كانت بترتعش وهو بيفتحها.
قرأ أول سطر، فتغيرت ملامحه
يا حسن... لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا غالبًا مش موجود.
دمعت عيناه، لكنه أكمل القراءة في صمت.
وفجأة...
قال بصوت مرتجف
أبويا كتب أسماء كل اللي شاركوا في سرقة أموال الناس... ووثّق كل حاجة.
الضابط أخذ أحد الملفات بسرعة.
كل المستندات كانت مختومة، وبها تحويلات مالية وإيصالات وأسماء شهود.
قال الضابط بحزم
دي أدلة كافية لإعادة فتح القضية بالكامل.
كمال عزت اختفت ابتسامته لأول مرة.
بدأ يرجع للخلف ببطء.
لكن فدوى لاحظت حركة غريبة.
صرخت
خلي بالك!
كان كمال ضغط على زر صغير مخفي في الحائط.
وفجأة دوّى صوت ميكانيكي عنيف.
بدأ باب السرداب الحديدي يُغلق تلقائيًا من أعلى.
والغرفة كلها اهتزت، وبدأ التراب يتساقط من السقف.
كمال ضحك بصوت عالٍ وهو يجري ناحية ممر جانبي كان مخفيًا خلف أحد الأرفف.
وقال قبل أن يختفي
اللي هيخرج من هنا حي... يبقى قابلني!
واختفى داخل النفق المظلم، بينما كان باب السرداب الرئيسي يوشك على الإغلاق، والجميع محاصرون في الداخل اهتز السرداب بعنف، وتساقطت كتل من التراب والحجارة.
العساكر اندفعوا ناحية الباب الحديدي يحاولوا يمنعوه يقفل، لكن كان بينزل بقوة هيدروليكية، وكل ثانية كانت بتقربهم من الحبس.
الضابط صاح
سيبوا الباب... دوروا على مخرج تاني!
حسن مسك الرسالة والملفات بسرعة، وحطهم في شنطة جلد كانت جوه الخزنة.
وفدوى كانت بتساعد أم حسن، بينما نورهان واقفة منهارة.
وفجأة.
عم سالم بص ناحية الحيطة وقال
استنوا!
كان فيه هواء بارد داخل من شق صغير بين الطوب.
حسن قرب، وخبط بإيده على الحيطة.
طلع صوت أجوف.
فيه فراغ وراها!
العساكر استخدموا عتلة حديد، وبعد عدة ضربات، وقعت الحيطة.
ظهر ممر ضيق جدًا، بالكاد يكفي شخص يعدي.
في نفس اللحظة...
دووووم!
الباب الحديدي قفل بالكامل.
لو كانوا اتأخروا ثواني، كانوا اتحبسوا.
الكل دخل الممر بسرعة.
كان طويل ومظلم، لحد ما وصلوا لغرفة أصغر.
وفي آخرها سلم خشبي طالع لفوق.
طلع حسن الأول، ودفع الغطاء الخشبي اللي فوق رأسه.
الغطاء اتفتح...
ولقى نفسه وسط زريبة مواشي مهجورة، تبعد مئات الأمتار عن المخزن.
خرجوا واحدًا وراء الآخر.
الضابط اتصل فورًا بقوات الدعم، وأعطاهم مكان المزرعة.
لكن لما دخلوا الممر اللي هرب منه كمال...
كان فاضي.
ولا أي أثر له.
بس على الأرض كان فيه هاتف محمول مكسور.
الضابط أخذه، وقال
حتى لو اتكسر... المعمل ممكن يستخرج اللي عليه.
في تلك اللحظة، وصل أحد العساكر يجري وهو يلهث.
يا فندم... لقينا عربية كمال عزت على طريق الترعة.
الضابط سأله بسرعة
وهو؟
العسكري هز رأسه.
العربية فاضية... لكن لقينا آثار دم على الباب.
حسن بص ناحية الطريق البعيد.
كان حاسس إن النهاية لسه ماجتش، وإن كمال هيرجع يحاول يخفي الحقيقة مرة تانية.
وفي الوقت نفسه، قبض على يد فدوى، لأول مرة من غير تردد.
بصلها وقال بهدوء
من يوم دخلتي حياتي، وأنا كل يوم باكتشف إن ربنا عوضني بيكي.
احمر وش فدوى، وابتسمت وسط كل الفوضى.
لكن قبل ما حد ينطق...
رن هاتف الضابط.
رد، واستمع لثوانٍ، ثم تغيرت ملامحه.
أغلق الهاتف ببطء، ونظر إلى حسن وقال
لقينا شخصًا مصابًا بطلق ناري على شاطئ الترعة... ولسه حي.
توقف لحظة، ثم أكمل
والشخص ده... طلب يشوفك بالاسم حسن من غير ما يفكر قال
يلا.
ركب مع الضابط، وفدوى أصرت تروح معاه، وعم سالم وأم حسن فضلوا في البيت بعد ما اتكفل بيهم أحد الجيران.
بعد دقائق، وصلوا
سيارة إسعاف كانت واقفة، والمسعفون بيحاولوا يوقفوا النزيف.
أول ما قرب حسن، اتصدم.
المصاب كان... رفيق الشاذلي.
الراجل اللي كشف الحقيقة.
كان الطلق في كتفه، وأنفاسه طالعة بالعافية.
أول ما شاف حسن، ابتسم ابتسامة ضعيفة.
وقال
عرفت... إنه مش هيسيبني أعيش.
حسن مسك إيده.
مين؟ كمال؟
رفيق هز رأسه.
أيوه... حاول يخلص مني بعد ما خرجت من السرداب.
الضابط قرب منه وسجل كلامه.
رفيق قال بصعوبة
اسمعني كويس يا حسن... أنا غلطت زمان... وطمعي دمر ناس كتير... لكن أبوك كان أشرف واحد فينا.
دموع حسن نزلت لأول مرة.
أنا عايز أعرف... مين قتل أبويا؟
رفيق غمض عينيه لحظة، ثم قال
كمال... هو اللي ضربه.
سكت ثواني وهو بيكح دم.
لكن... ماكانش يقصد يقتله.
حسن عقد حاجبيه.
إزاي؟
الخناقة كبرت... أبوك رفض يوقّع على عقود مزورة... كمال زقه بقوة... رأسه خبطت في حافة المكتب الحديد.
نورهان، التي كانت تقف بعيدًا، انهارت تمامًا وهي تسمع الحقيقة.
رفيق أكمل
لما لقيناه مات... خاف كمال من السجن... فزور التقارير... وأنا ساعدته... وده أكبر ذنب في حياتي.
الضابط أغلق دفتره.
اعترافك اتسجل.
رفيق أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا.
ده مفتاح خزنة في البنك... باسم شركة قديمة.
ناول المفتاح لحسن.
فيها كل الفلوس اللي خبيناها... ونصيب الناس كامل... كنت مستني اليوم اللي أقدر أصلح فيه اللي عملته.
ثم نظر إلى فدوى.
خدي بالك منه... أبوك كان نفسه يشوف اليوم ده.
فدوى دموعها نزلت، وقالت
وعد.
في تلك اللحظة، ابتسم رفيق بهدوء، وأغمض عينيه، بينما أسرع المسعفون بنقله إلى سيارة الإسعاف، وما زال على قيد الحياة لكن حالته حرجة.
الضابط التفت إلى حسن وقال
دلوقتي عندنا اعتراف، ومستندات، وخزنة ممكن تثبت مكان الأموال... لكن كمال عزت ما زال هاربًا.
وفي الجهة الأخرى من الطريق...
كان رجل يقف داخل سيارة سوداء، يراقب كل ما يحدث من بعيد.
أخفى وجهه تحت قبعة، وأدار المحرك بهدوء.
وقبل
لسه اللعبة ما خلصتش...مرت ثلاثة أيام...
البلد كلها كانت بتتكلم عن القضية.
النيابة بدأت تستدعي أصحاب الأموال، والملفات اللي لقاها حسن قلبت الموازين.
متابعة القراءة