امى ضربت مراتى بالقلم

لمحة نيوز


إن الطريق لسه طويل
الجرح لما يخف... بيفضل له أثر.
وأنا ممكن أسامح... لكن عمري ما هنسى.
وساعتها فهمت إن البيوت مش بتهدها المشاكل...
اللي بيهدمها إن واحد من أهلها يسكت وقت ما كان لازم يتكلم عدى يومين.
كنت بروح كل يوم بعد الشغل أقعد ساعة مع منى وبنتنا في بيت حماتي.
ولا مرة ضغطت عليها ترجع.
ولا مرة فتحت موضوع الصلح.
كنت بس أغير الحفاضة، أشيل البنت، وأساعدها في أي حاجة تحتاجها.
لأول مرة في حياتي...
حسيت يعني إيه أب بجد.
في تالت يوم، نفذت الشرط الأصعب.
ركبت العربية وروحت لأمي في البلد.
أول ما فتحتلي الباب، حضنتني.
وقالت وهي مبتسمة
عرفت إنك فوقت أخيرًا وسيبت دلع النسوان.
بصيت في الأرض.
قلت
يا أمي... أنا جاي أتكلم معاكي.
قعدنا.
ولأول مرة في حياتي...
أنا اللي بدأت الكلام.
قلت
إنتِ غلطتي لما ضربتي منى.
ابتسامتها اختفت.
إيه؟
كررت بهدوء
اللي حصل كان غلط.
قالت بعصبية
يعني مراتك غسلت دماغك.
قلت
لأ.
ضميري هو اللي صحي.
قامت من مكانها.
وقالت
أنا أمك.
قلت
وعمري ما هبطل أكون ابنك.
لكن ده ميخلكيش تمدي إيدك على مراتي.
قالت وهي بتخبط بإيدها على الترابيزة
يعني هتجبرني أعتذر؟
قلت
لا.
الاعتذار ما ينفعش بالإجبار.
لكن لو مش شايفة إنك غلطانة... يبقى منى مش هتعرف ترجع وهي مطمنة.
أمي فضلت ساكتة.
أول مرة أشوفها مش لاقية كلام.
خرجت من عندها وأنا قلبي واجعني.
حسيت إني خسرت أمي.
لكن كان لازم أعمل الصح ولو متأخر.
...
بعد أسبوع...
منى وافقت ترجع الشقة.
قبل ما تدخل، وقفت على الباب.
بصت حواليها.
وقالت
في حاجة ناقصة.
استغربت.
قالت
أوضة الضيوف.
قلت
مالها؟
قالت
دي كانت أوضة طنط.
هزيت رأسي.
قلت
من النهارده هتبقى أوضة ليان.
ابتسمت لأول مرة ابتسامة حقيقية.
دخلنا.
بدأنا ننضف الشقة سوا.
وأثناء ما كنا بنرتب الدولاب...
لقيت طبق الشوربة.
نفس الطبق.
كان محطوط في آخر الرف.
بصيت له.
ومنى كمان بصت له.
ولا واحد فينا اتكلم.
مديت إيدي.
وشلته.
ورميته في صندوق الكراتين القديمة.
قلت بهدوء
مش كل حاجة تتصلح.
في حاجات لازم تتشال من البيت... عشان نعرف نبدأ من جديد.
منى بصتلي...
لكن قبل ما ترد...
سمعنا جرس الباب.
بصيت في العين السحرية.
واتجمدت.
لأن اللي كانت واقفة برا...
أمي.
وشها كان باين عليه التعب.
وفي إيديها شنطة صغيرة...
والأغرب من ده كله...
إنها كانت واقفة لوحدها، ومن غير ما تخبط تاني، كانت باصة في الأرض... كأنها جاية تعمل حاجة عمرها ما عملتها قبل كده بصيت لمنى.
هي كمان كانت شايفة أمي من العين السحرية.
ولا اتكلمت.
ولا قالت افتح.
ولا قالت لأ.
قالت كلمة واحدة
القرار قرارك.
وقفت ثواني.
وبعدين فتحت الباب.


أمي دخلت بخطوات بطيئة، أول مرة أشوفها ماشية كأنها مترددة.
كانت شايلة شنطة قماش صغيرة.
حطتها على الأرض.
وبصت لمنى.
فضلت ساكتة.
الدقيقة عدت كأنها ساعة.
أنا كنت مستني أي حاجة...
عتاب...
خناق...
حتى كلمة قاسية.
لكن اللي حصل كان غير كده.
أمي مدت إيدها جوه الشنطة.
طلعت منها علبة صغيرة.
وقالت بصوت مبحوح
دي... السلسلة الدهب اللي أمك جابتهالك في الصباحية.
استغربت.
منى كمان استغربت.
أمي كملت
كنت واخداها وأنا ماشية... وأنا زعلانة.
قلت في نفسي... دي هتبقى عندي لحد ما تعرف قيمتي.
وسكتت.
ثم نزلت بعينيها للأرض.
بس طول الأسبوع... كل ما أبص لها... أحس إنها بتوجعني.
مدت العلبة لمنى.
اتفضلي.
منى أخدتها في هدوء.
من غير ما تفتحها.
أمي أخدت نفسًا طويلًا.
وقالت
أنا طول عمري فاكرة إن الشدة هي اللي بتربي.
وأمي كانت بتضربني.
وأمها كانت بتضربها.
وكنت فاكرة إن ده الطبيعي.
بصت لمنى.
وعينيها بدأت تدمع.
بس الظاهر... أنا كنت غلط.
أنا اتجمدت.
دي أول مرة في حياتي...
أسمع أمي تقول
أنا غلط.
منى فضلت ساكتة.
أمي قربت خطوة.
وقالت بصوت مهزوز
حقك عليا يا بنتي.
سامحيني.
الصالة كلها سكتت.
حتى أنا دموعي نزلت.
منى فضلت باصة لها كام ثانية.
وبعدين قالت بهدوء
أنا مسامحاكي.
أمي رفعت رأسها بسرعة.
لكن منى كملت
المسامحة حاجة...
والنسيان حاجة تانية.
هزت أمي رأسها.
وقالت
عارفة.
وأستحق.
بعدها حصل موقف صغير...
بس عمره ما هيغيب عن بالي.
أمي بصت ناحية ليان، وكانت نايمة في السرير الصغير.
قربت منها.
لكن قبل ما تشيلها...
وقفت.
وبصت لمنى.
وقالت
ممكن؟
منى ابتسمت ابتسامة خفيفة.
وقالت
اتفضلي.
أمي شالت حفيدتها.
وقعدت تعيط.
وتبوس في راسها.
وتقول
سامحيني يا رب... كنت هخرب بيت أبوكي بإيدي.
أنا وقتها حسيت إن الحمل اللي كان فوق صدري بدأ يخف.
مش لأن كل حاجة بقت تمام...
لكن لأن أول خطوة في العلاج كانت حصلت.
واللي اتكسر...
بدأ أخيرًا يترمم، حتى لو هياخد وقت طويل الأيام بدأت تعدي بهدوء.
مش بنفس الضحك القديم...
لكن من غير صريخ.
ومن غير خوف.
أمي بقت تيجي تزورنا مرة كل أسبوع، وبعد ما كانت تدخل من غير استئذان، بقت تتصل قبلها بيوم.
ولو منى قالت إنها تعبانة أو البنت نايمة...
كانت تقول
خلاص يا بنتي، أبقى أجيلكم وقت تاني.
كل مرة كنت أسمع الكلمة دي...
أعرف إن الإنسان مهما كبر، يقدر يتغير لو اقتنع إنه غلط.
أما منى...
فكانت بتحاول ترجع لطبيعتها واحدة واحدة.
ابتسامتها بقت تظهر.
رجعت تمسك كتاب قبل النوم.
وبقت تضحك مع ليان وهي بتلعب معاها.
لكن في حاجة كانت لسه ناقصة.
الثقة.
كانت بتتعامل معايا باحترام...
لكن بحذر.
وأنا كنت فاهم إنها
مش هترجع في يوم وليلة.
في يوم، رجعت من الشغل بدري.
دخلت البيت.
لقيت منى قاعدة في البلكونة، وليان نايمة جنبها.
قعدت قصادها.
قلت
ينفع أسألك سؤال؟
قالت
اتفضل.
قلت
إيه أكتر حاجة وجعتك في اللي حصل؟
افتكرت إنها هتقول القلم.
أو كلام أمي.
لكنها هزت رأسها وقالت
عارف بعد ما شربت الشوربة غصب عني... إنت خرجت مع مامتك الصالة.
استغربت.
قالت
وأنا كنت لوحدي في الأوضة.
فضلت أبص على باب الأوضة حوالي عشر دقايق.
كنت مستنية تدخل.
كنت مستنية تقول حقك عليا.
أو حتى تمسح دموعي.
وسكتت.
لكن الباب ما اتفتحش.
حطيت وشي بين إيديا.
افتكرت اللحظة دي.
فعلاً...
كنت قاعد بره، أحاول أرضي أمي.
وسايب مراتي لوحدها.
قالت
من ساعتها... حسيت إني بقيت لوحدي.
مسكت إيدها.
ولأول مرة...
هي ما سحبتهاش.
قلت
أنا مش هقدر أمسح اللي حصل.
لكن أوعدك...
عمري ما هسيبك لوحدك تاني.
ابتسمت ابتسامة بسيطة.
وقالت
الأفعال... مش الوعود.
هزيت رأسي.
عندك حق.
وفي اللحظة دي...
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت عامل توصيل.
قال
حضرتك الأستاذ أحمد؟
قلت
أيوه.
اداني ظرف.
ماكانش عليه اسم المرسل.
فتحته.
كان فيه ورقة واحدة.
مكتوب فيها بخط إيد أعرفه كويس.
خط أبويا الله يرحمه.
وقفت مصدوم.
إزاي؟
أنا متأكد إن الخط ده خطه...
لأن الرسالة دي كانت مدفونة وسط أوراق قديمة عند أمي، وكانت هي محتفظة بيها سنين.
رفعت عيني لأمي، اللي كانت داخلة الشقة في نفس اللحظة...
ولما شافت الظرف في إيدي، اتغير لون وشها فجأة، وقالت بارتباك
مين... مين جابهولك؟
وعرفت من نظرتها...
إنها كانت مخبية عني سر بقاله سنين بصيت لأمي.
أول مرة أشوفها بالارتباك ده.
مسكت الظرف من إيدي بسرعة، وبعدين رجعته تاني كأنها فوقت لنفسها.
قالت بصوت مهزوز
اقرأ.
فتحت الورقة.
كانت مكتوبة بخط أبويا فعلًا.
لكنها ما كانتش رسالة ليا...
كانت رسالة لأمي.
بدأت أقرأ
يا فاطمة... لو ربنا سبقني، أوعي تخلي حبك لابننا يخليكي تملكي حياته. ربيه يبقى راجل، والراجل بيحمي بيته، ويبر أمه، لكن عمره ما يظلم مراته عشان يرضي حد.
وقفت عن القراءة.
بصيت لأمي.
كانت دموعها نازلة في صمت.
كملت
إوعي تخليه يحس إنه لازم يختار بينك وبين مراته. لو جه اليوم ده، يبقى إحنا فشلنا في تربيته.
إيدي كانت بتترعش.
حسيت إن أبويا، بعد كل السنين دي، بيكلمني أنا.
منى كانت قاعدة ساكتة.
ولا نطقت بحرف.
لما خلصت الرسالة، سألت أمي
ليه مخبيها عني كل السنين دي؟
قعدت على الكنبة، وقالت
لأني كل ما كنت أقرأها... كنت أحس إنه بيعاتبني.
فحطيتها في صندوق وقفلت عليه.
ولما حصل اللي حصل بيني وبين منى... افتكرت الرسالة.
بس استعرّت أديهالك بإيدي.
سكتت لحظة،
ثم كملت
روحت لبيت أبوكي القديم، وطلبت من جارنا الحاج سعيد يبعتها مع مندوب، عشان متراجعش في آخر لحظة.
بصيتلها طويل.
وقلت
يعني كنتِ عارفة إنك غلطانة... قبل ما تيجي تعتذري؟
هزت رأسها.
كنت عارفة.
لكن الاعتراف بالغلط... أصعب من الغلط نفسه.
منى قامت بهدوء.
قربت من أمي.
ومدت لها كوباية مية.
أمي أخدتها، وبصتلها بعين مليانة امتنان.
قالت منى
إحنا كلنا بنتعلم.
وأهم حاجة إن ليان تكبر في بيت عمرها ما تشوف فيه اللي أنا شوفته.
أمي مسحت دموعها بسرعة.
وقالت بحزم
أقسم بالله... لو شفت حد يرفع إيده عليها في يوم، أول واحدة هتقف قدامه هكون أنا.
ابتسمت منى لأول مرة وهي بتبص لأمي.
وقالت
يبقى إحنا بدأنا بداية جديدة.
في اللحظة دي، ليان صحيت من النوم، وبدأت تعيط.
أنا جريت أشيلها.
منى ضحكت وقالت
استنى... الحفاضة محتاجة تتغير الأول.
قلت وأنا باخدها منها
المرة دي... سيبيها عليا.
ضحكت هي...
وضحكت أمي.
وكان أول ضحك حقيقي يجمعنا في البيت من يوم الولادة.
لكن جوايا كان في يقين واحد
بعض الجروح تفضل آثارها موجودة، لكنها بتفكرنا كل يوم إن الاحترام داخل البيت مش مجاملة... ده الأساس اللي بيخلي أي أسرة تكمل مرت ست شهور.
البيت بقى أهدى.
مش لأنه مفيش مشاكل...
لكن لأن كل واحد فينا اتعلم يسمع قبل ما يحكم.
منى رجعت شغلها في الحضانة يومين في الأسبوع، وأنا بقيت أظبط مواعيد شغلي عشان أرجع بدري وأقعد مع ليان.
أما أمي...
فبقت كل ما تيجي، أول ما تدخل تقول وهي بتضحك
آجي في وقت مناسب ولا أرجع؟
ومنى ترد بابتسامة
اتفضلي يا طنط.
كانت العلاقة لسه فيها حذر...
لكن فيها احترام.
وده كان أهم من أي حاجة.
في يوم جمعة، كنا كلنا قاعدين على الغدا.
ليان كانت بدأت تحبي، وكل شوية تزحف ناحية أي حاجة تقع قدامها.
وفجأة، شدّت طبق الشوربة من على السفرة.
الطبق وقع على الأرض...
واتكسر.
كلنا بصينا لبعض.
ثانية واحدة...
ورجعت الذكرى.
نفس صوت الكسر...
ونفس ريحة الشوربة.
أنا اتوترت.
منى سكتت.
أما أمي...
فبصت للطبق المكسور، وبعدين بصت لمنى.
وقامت من مكانها.
أنا افتكرت إنها هتزعل.
لكنها جابت المقشة.
وبدأت تلم الزجاج وهي بتقول
سيبوا ليان تلعب... الطبق يتعوض.
منى كانت باصّة لها في صمت.
أمي رفعت رأسها وقالت بابتسامة
زمان كنت هزعق.
دلوقتي عرفت إن الطبق أرخص بكتير من خاطر البني آدم.
الجملة دي خلت منى تقوم من مكانها.
ومسكت المقشة من إيد أمي.
وقالت
سيبيها عليا.
أمي ابتسمت وقالت
لا... المرة دي دوري أنا.
وقفت أتفرج عليهم.
وحسيت إن ربنا أحيانًا بيبعت للإنسان فرصة تانية...
بس بعد ما يدفع تمن الأولى.
بالليل...
بعد ما أمي مشيت، كنت قاعد أنا
ومنى في البلكونة.
قلت لها
لو رجع بيكي الزمن... كنتِ هتتجوزيني؟
ضحكت.
وقالت
كنت هسألك سؤال الأول.
قلت
إيه هو؟
قالت
لو أمك ضربتني... هتعمل إيه؟
ابتسمت.
وقلت من غير ما أفكر
هوقفها.
وأعتذرلك.
ولو احتاج الأمر، آخدك ونمشي.
هزت رأسها.
وقالت
كده... كنت هوافق.
مسكت إيدي.
وقالت
إحنا الاتنين اتغيرنا.
وأتمنى ليان لما تكبر... متحتاجش تتعلم الدرس بالطريقة الصعبة اللي إحنا اتعلمناه بيها.
بصيت لبنتي وهي
 

تم نسخ الرابط