امى ضربت مراتى بالقلم

لمحة نيوز


بيوجع أكتر من أي شتيمة.
حماتي قامت وحطت قدامنا ظرف أبيض.
وقالت اتفضل.
فتحته.
لقيت تقرير من مستشفى.
مكتوب فيه إن منى دخلت الطوارئ بعد ما خرجت من عندي بيومين.
التشخيص
التهاب شديد بالثدي نتيجة احتقان وانسداد القنوات اللبنية، مع ارتفاع حاد في الحرارة.
وفي آخر التقرير توصية بالراحة التامة ومنع أي ضغط نفسي.
إيدي كانت بتترعش.
بصيت لأمي.
قلت إنتي قولتي ده وجع نفاس عادي.
أمي ارتبكت لأول مرة.
وقالت الدكاترة دول بيكبروا أي حاجة.
منى ابتسمت ابتسامة صغيرة... لكنها كانت موجعة.
وقالت عارف يا أحمد إيه أكتر حاجة وجعتني؟
قلت بصوت مكسور إيه؟
قالت مش القلم.
ولا الشوربة.
ولا حتى الوجع.
سكتت لحظة...
ثم قالت
اللي وجعني إن بنتي كانت أول درس تتعلمه في الدنيا... إن أمها اتضربت قدام أبوها... وأبوها طلب منها تسكت.
الكلمة دي نزلت عليا كأنها جبل.
ولأول مرة...
بصيت لأمي، ولقيت نفسي مش قادر أبرر أي حاجة.
لكن اللي حصل بعدها بثواني...
خلاني أحس إن المصيبة الحقيقية لسه ما بدأتش.
لأن جرس الباب رن...
وحماتي أول ما فتحت...
دخل راجل كبير في السن، شيك جدًا، شايل ملف أزرق مليان أوراق.
أول ما شاف منى قال باحترام
جاهزة يا أستاذة؟ المعاد في المحكمة قرب... والمحامي مستني.
وقبل ما أنطق بأي حرف...
بصتلي منى وقالت بكل هدوء
كنت مستنياك أسبوع كامل تيجي تعتذر... لكن واضح إنك جيت متأخر اتسمرت مكاني.
الكلمة الأخيرة فضلت ترن في ودني
جيت متأخر.
بصيت للراجل اللي دخل، وقلبي وقع.
قلت بسرعة محكمة إيه؟
الراجل بصلي بهدوء وقال أنا مستشار أسري، والمحامي طلب مني أحضر الجلسة الأولانية للصلح.
حسيت إن رجلي مش شيلاني.
صرخت يعني منى رفعت قضية؟
حماتي ردت بمنتهى البرود القانون ادّى فرصة للصلح قبل أي خطوة، وهي وافقت تحضر... لكن مش عشان ترجع، عشان تسمع.
لفيت ناحيتها.
منى... إنتِ هتعملي كده بجد؟
قالت أنا لحد آخر لحظة كنت مستنياك.
كل يوم كنت بقول يمكن ييجي لوحده... يمكن يحاسب نفسه... يمكن يقول أنا غلطت.
لكن كل مرة كان التليفون يرن...
سكتت لحظة.
وأسمع صوت طنط فاطمة الأول.
بصيت لأمي.
فعلاً...
كل مرة كنت أكلمها، أمي كانت تقول افتح السبيكر.
ولو قلت هكلمها لوحدنا، تزعل وتقول بقى أسرار بينك وبين مراتك؟
ومكنتش واخد بالي إن ده كان بيدمر أي فرصة بينا.
منى كملت ولا مرة سألتني... خدك عامل إيه.
ولا مرة سألتني... وجع صدرك خف؟
ولا مرة قلتلي... سامحيني.
الكلمات كانت بتخبط فيا واحدة واحدة.
وأمي قاطعتها بعصبية هو خلاص ابني بقى مجرم؟ ده أنا اللي ربيته

وكبرته!
منى بصتلها باحترام وقالت وده سبب إني ساكتة لحد النهارده.
حضرتك أم جوزي... وليكي احترامك.
لكن الاحترام غير إنك تمدي إيدك عليا.
الصالة كلها سكتت.
حتى أمي... لأول مرة ملقتش رد.
المستشار الأسري فتح الملف وقال قبل ما نمشي... في سؤال واحد.
بصلي مباشرة.
لو الزمن رجع بيك للحظة القلم... كنت هتتصرف إزاي؟
السؤال دخل في قلبي.
بصيت لمنى.
وبعدين بصيت لبنتي اللي نايمة.
وقلت بصوت مخنوق كنت همسك إيد أمي قبل ما تضرب.
ولو ضربت... كنت هعتذر لمراتي قدامها.
وكنت هاخد مراتي وأروح المستشفى فورًا.
أول مرة...
شفت دمعة تنزل من عين منى.
لكنها مسحتها بسرعة.
وقالت الإجابة دي... كان نفسي أسمعها من أسبوع.
المستشار قفل الملف.
وقال كويس... يبقى لسه في أمل.
وقبل ما أفرح...
منى قالت بهدوء
بس الأمل لوحده مش كفاية.
ثم قامت من مكانها، ومشت ناحية أوضة النوم، وبعد دقائق رجعت وهي ماسكة ظرفًا بنيًا سميكًا.
حطته قدامي على الترابيزة.
وقالت
افتحه.
فتحته...
وأول ورقة وقعت في إيدي خلت لون وشي يتغير تمامًا...
لأنها كانت تحمل شيئًا لم أكن أتوقعه أبدًا... ولم يكن له أي علاقة بالشوربة أو بالقلم إيدي كانت بتترعش وأنا بقلب أول ورقة.
افتكرت إنها هتبقى ورقة قضية.
أو إنذار.
لكن اللي شوفته كان مختلف.
كانت ورقة مكتوبة بخط إيد منى.
وفي أولها تاريخ... يوم ولادتها.
بصيت لها باستغراب.
قالت بهدوء
اقرأ.
بدأت أقرأ...
الساعة 430 الفجر... دخلت غرفة العمليات وأنا خايفة، لكن مطمنة إن أحمد بره مستنيني.
الساعة 8 الصبح... أول ما فوقت سألت عليه.
قالولي نزل يجيب طلبات لمامته.
وقفت عن القراءة.
حسيت بقلبي بيتقبض.
افتكرت فعلًا...
أمي كانت طالبة مني ألف حاجة يوم الولادة، وأنا كنت سايب منى أغلب الوقت مع أمها والممرضات.
كملت.
كنت بقول لنفسي معلش... أكيد مضغوط.
لحد ما رجع، حضن بنته... وخرج مع مامته يجيب الكوارع.
دموعي بدأت تنزل.
الورقة ما كانتش شكوى...
كانت مذكراتها.
كل اللي كانت حاسة بيه كتبته.
في آخر الصفحة لقيت سطر متعلم عليه بالقلم الأحمر.
أنا مش زعلانة إن حماتي مختلفة عني... أنا زعلانة إن جوزي اختار يسكت.
قلبت الصفحة التانية.
لقيت صورة.
أنا... واقف في المطبخ بضحك مع أمي وهي بتغرف الشوربة.
الصورة كانت من كاميرا الصالة.
وفي نفس توقيت الصورة...
منى كانت جوه الأوضة لوحدها، بتحاول تقوم من السرير وهي بتتألم بعد العملية.
حسيت إني مش قادر أبص لنفسي.
قلت بصوت مكسور
أنا... أنا كنت غبي.
منى هزت رأسها.
لأ.
الغلط بيتصلح.
لكن اللي كسرني إنك كنت
شايف كل حاجة... واخترت تبص الناحية التانية.
أمي قامت بعصبية.
يعني هنفضل نجلد في الواد؟ خلاص بقى.
حماتي ردت لأول مرة بانفعال
هو لحد دلوقتي محدش اعتذر لبنتي.
سكتت الشقة كلها.
بصيت لأمي.
كنت مستني منها تقول أي كلمة.
حقك عليا.
سامحيني.
أي حاجة.
لكنها قالت وهي شايلة شنطتها
أنا عمري ما هعتذر على تربية.
الكلمة دي أنهت آخر أمل.
منى نزلت بعينيها للأرض.
وأنا لأول مرة...
وقفت قدام أمي وقلت
لأ يا أمي.
بصتلي بصدمة.
قلت
اللي حصل مش تربية.
اللي حصل إهانة.
ومهما كانت دي مراتي.
وش أمي احمر.
وقالت
يعني بتقف ضد أمك؟
قلت وأنا دموعي نازلة
أنا واقف مع الحق.
لأول مرة في حياتي...
أمي سابت البيت وهي زعلانة مني.
ولأول مرة في حياتي...
حسيت إن السكوت اللي سكتّه يوم القلم كان ثمنه أكبر بكتير من أي خلاف.
لكن وأنا لسه بحاول أتكلم مع منى...
رن تليفونها.
بصت في الشاشة، واتغير لون وشها فجأة.
ردت بسرعة.
فضلت ساكتة تسمع.
ثم قالت بقلق شديد
إزاي؟!... طب إحنا جايين حالًا.
قفلت المكالمة.
وشها كان شاحب.
قمت مفزوع وقلت
في إيه؟
بصتلي وقالت بصوت مرتعش
المستشفى اتصلت... فيه حاجة تخص بنتنا... ولازم نروح دلوقتي.
وتحركنا كلنا بسرعة...
من غير ما حد فينا يعرف إن اللي مستنينا هناك هيكون اختبار جديد... هيحدد إذا كان بيتنا لسه له فرصة يتجمع... أو هيتفرق للأبد خرجنا كلنا على المستشفى في صمت.
أنا كنت سايق، ومنى قاعدة ورا ماسكة بنتنا في حضنها، وحماتي جنبها.
ولا كلمة واحدة اتقالت طول الطريق.
أول ما وصلنا، جريت على الاستقبال.
قلت بلهفة إحنا أهل الطفلة ليان... اتصلوا بينا.
الممرضة بصت في الكمبيوتر، وبعدين قالت الدكتور مستنيكم.
قلبي وقع.
دخلنا المكتب.
الدكتور ابتسم أول ما شافنا وقال متقلقوش... الحمد لله الطفلة كويسة.
كلنا اتنفسنا.
قلت بانفعال أمال اتصلتوا بينا ليه؟
قال إحنا راجعنا ملف الولادة، ولاحظنا إن الأم خرجت من المستشفى وهي كانت محتاجة مراجعة بعد 48 ساعة بسبب بداية احتقان شديد، لكن المتابعة ما حصلتش.
بصيت لمنى.
قالت بهدوء أنا كنت تعبانة... ومقدرتش أنزل.
الدكتور كمل الحمد لله عدت على خير، لكن لازم نهتم بصحتها دلوقتي، لأن الأم لو تعبت مش هتعرف ترعى البيبي.
الكلام كان بسيط...
لكن حسيت إنه بيتقال ليا أنا.
خرجنا من عند الدكتور.
وقفت قدام منى في ممر المستشفى.
ولأول مرة من يوم الجواز...
وطيت راسي.
وقلت
أنا آسف.
آسف إني خذلتك.
وآسف إني مقدرتش أحميكي.
وآسف إنك اتوجعتي وأنا واقف.
منى فضلت ساكتة.
ثواني طويلة.
بعدين قالت
الاعتذار
محترم.
بس الثقة مش بترجع بكلمة.
هزيت راسي.
عارف.
وأنا مستعد أستنى مهما طال الوقت.
في اللحظة دي...
تليفوني رن.
لقيت أمي.
رديت.
أول ما سمعت صوتي قالت بعصبية
إنت فين؟
قلت في المستشفى.
قالت سيبك منهم وتعالى خدني أرجع البلد.
سكت شوية.
وبعدين قلت لأول مرة في حياتي
معلش يا أمي... مقدرش.
سكتت هي المرة دي.
قلت بهدوء
أنا مسؤول عن مراتي وبنتي.
ولحد ما أطمن عليهم... مش هسيبهم.
قفلت المكالمة.
ولما رفعت عيني...
لقيت منى باصة لي.
مش نفس النظرة الباردة اللي شفتها قبل كده.
كان فيها استغراب...
كأنها لأول مرة شايفة أحمد اللي كانت فاكرة إنها اتجوزته.
لكنها لسه مقالتش أي حاجة...
ولسه القرار الحقيقي اللي هيغير مصير بيتنا كله... كان في إيدها وحدها خرجنا من المستشفى، وأنا مشيت جنب منى بهدوء.
مديت إيدي أشيل البنت.
بصتلي ثواني... وبعدين سلمتهالي.
كانت أول مرة تثق فيا من يوم ما سابت البيت.
حضنت بنتي، وحسيت إن الحمل اللي على كتفي أكبر من أي وقت فات.
وصلنا بيت حماتي.
وقفت عند الباب وقلت
ممكن أدخل؟
منى ردت بهدوء
اتفضل.
قعدنا في الصالة.
ولا حد فينا بيتكلم.
بعد شوية قالت
أنا عايزة أسألك سؤال واحد.
قلت
اتفضلي.
قالت
لو بنتنا كبرت... واتجوزت... وحماتها ضربتها بالقلم قدام جوزها... وجوزها قالها استحملي عشان دي أمي... هتنصح بنتك تعمل إيه؟
السؤال نزل عليا كالصاعقة.
فضلت ساكت.
مش لاقي إجابة.
لأن أي إجابة غير الحقيقة كانت هتبقى كدب.
نزلت برأسي وقلت
هقولها ترجع بيت أبوها.
منى قالت
وليه؟
قلت وأنا دموعي بتنزل
لأن جوزها وقتها ما بقاش سند.
هزت رأسها في هدوء.
وقالت
وده اللي أنا عملته.
سكتنا.
بعد لحظات، دخلت حماتي بكوباية شاي وحطتها قدامي.
وقالت
أنا عمري ما كنت عايزة أخرب بيت بنتي.
بس كنت مستنية أشوف إمتى هتعرف غلطك من غير ما حد يقولك.
بصيت لها وقلت
أنا غلطت.
وغلط كبير.
ولو الزمن رجع... كنت هقف قدام أي حد يهين مراتي... حتى لو كانت أمي.
في اللحظة دي...
منى قامت من مكانها.
دخلت الأوضة.
رجعت بعد دقيقة وهي ماسكة شنطة صغيرة.
قلبي وقع.
افتكرت إنها هتمشي.
لكنها حطت الشنطة قدامي وقالت
دي هدومي اللي كنت سايباها في شقتنا.
هاتها معاك.
استغربت.
قلت
يعني...؟
قالت
أنا هرجع.
قلبي دق بسرعة.
لكنها رفعت إيدها وقالت
استنى... لسه مخلصتش.
هرجع... بشرط.
قلت بسرعة
أي شرط.
قالت وهي باصة في عيني
من النهارده... محدش يعيش معانا غير إحنا وبنتنا.
وأي زيارة من أي حد... تبقى باحترام.
ولو في يوم واحد بس... حد مد إيده عليا أو أهانني، وسكت...
هخرج ومش هرجع تاني.
بلعت ريقي.
وقلت من غير تردد
موافق.
قالت
وفي شرط تاني.
أول ما نرجع... هتروح بنفسك لأمك.
وهتقولها إن اللي عملته كان غلط.
ولو هي زعلت منك... هتستحمل زعلها... زي ما أنا استحملت وجعي.
سكت لحظة...
ثم قلت
هعمل كده.
ابتسمت ابتسامة خفيفة لأول مرة من يوم الولادة.
لكنها قالت جملة خلتني أعرف
 

تم نسخ الرابط