رجعت من السفر
فيه حياتنا من جديد.
مدت إيدها، وسلمتني إطارًا صغيرًا.
كان فيه أول صورة لينا بعد ما سِبنا البيت...
أنا وهي، قاعدين على مقعد في حديقة عامة، ملامحنا مرهقة، لكن حضننا لبعض كان قوي.
تحت الصورة كتبت
البيت مش المكان... البيت هو الشخص اللي يحميك.
قرأت الجملة، ودموعي نزلت.
قلت لها
أجمل قرار أخدته في حياتي... إني أخدت إيدك ومشيت.
ابتسمت مريم، وقالت
وأجمل قرار أنا أخدته... إني عمري ما سمحت للي حصل يحدد مين أكون.
نظرنا للسماء في هدوء.
أوقات الجروح لا تختفي تمامًا، لكنها تتوقف عن التحكم في حياتنا.
وهكذا انتهت الحكاية، لا لأن الماضي اختفى، بل لأن المستقبل انتصر عليه. بعد عشرين سنة...
في يوم من الأيام، كنت قاعدة في الصف الأول في قاعة كبيرة، ومستنية مريم تستلم جائزة تقديرية عن عملها في حماية الأطفال.
المذيع قال
الدكتورة مريم... لم تكتفِ بعلاج الأطفال،
القاعة كلها وقفت تصفق.
طلعت مريم على المسرح، واستلمت الجائزة، ثم قالت
قبل ما أتكلم... عايزة أنادي أهم شخص في حياتي.
بصيت حواليّا باستغراب.
لقيتها بتبص ناحيتي.
وقالت
ماما... ممكن تطلعي؟
طلعت وسط تصفيق الناس، وأنا مش قادرة أمسك دموعي.
حضنتني قدام الجميع وقالت
الناس شايفة الجائزة دي باسمي... لكن الحقيقة إنها باسم الست اللي رفضت تسكت لما الكل سكت.
ساد الصمت للحظة.
ثم دوّى التصفيق من جديد.
بعد الحفل، وإحنا راجعين، رن هاتف مريم.
كان رقم مجهول.
ردت.
جالها صوت رجل كبير في السن.
قال
أنا أحمد... أبوكي.
سكتت.
قال بصوت مكسور
أنا عارف إن ماليش حق أطلب أي حاجة... لكن الدكتور قالي إن أيامي معدودة. نفسي أشوفك مرة واحدة... ولو من بعيد.
بصتلي.
أنا ما اتكلمتش.
كان القرار قرارها هي.
أغلقت الهاتف بهدوء، وقالت
مش
ثم أضافت بعد لحظة
لكن يمكن... في يوم أكون مستعدة أقابله، مش عشانه... عشاني أنا.
ابتسمت لها.
لأنها أخيرًا بقت تملك الشيء الذي حاولوا يسلبوه منها وهي طفلة...
حرية الاختيار النهاية
بعد أسبوع، طلبت مريم تقابل أحمد.
دخلت الغرفة بهدوء.
كان رجلًا مختلفًا تمامًا عن الصورة اللي احتفظت بيها في ذاكرتها. الزمن أخد منه صحته، والندم كان باين في عينيه.
بص لها طويلًا، وقال بصوت متقطع
أنا ما استحقش إنك تسامحيني... لكن كنت لازم أقولك إني ندمت كل يوم على سكوتي.
سكتت مريم للحظات، ثم قالت
أنا جيت هنا مش عشان أرجع الماضي... ولا عشان أبرر اللي حصل. جيت عشان أقفل آخر صفحة كانت مفتوحة في حياتي.
مدت إيدها، حطت قدامه صورة قديمة ليها وهي طفلة، وشعرها بدأ يطلع من جديد بعد الحادثة.
وقالت
البنت دي استنتك كتير تدافع عنها... وإنت ما دافعتش.
انحنى أحمد وهو
وقفت مريم، وقالت آخر كلماتها
أنا سامحتك... لكن المسامحة لا تمحو المسؤولية، ولا تعيد ما ضاع. هي فقط بتحررني من حمل الغضب.
خرجت من الغرفة، وأنا كنت مستنياها برة.
ابتسمت لي، وقالت
يلا يا ماما... نرجع بيتنا.
وفي طريق العودة، مرينا على الحديقة اللي احتضنتنا أول ليلة بعد ما خرجنا من البيت.
قعدنا على نفس المقعد.
ضحكنا.
افتكرنا.
وبكينا.
لكن المرة دي... كانت دموع راحة، مش دموع وجع.
رفعت مريم رأسها للسماء وقالت
لو كنتِ يومها خفتي أو سكتِّ... كان زمان حياتي كلها اتغيرت.
ابتسمت وقلت
الأم الحقيقية مش اللي تمنع الألم عن ولادها... الأم الحقيقية هي اللي تقف قدامه وتحارب علشانهم.
أمسكت مريم يدي كما فعلت وهي في الثالثة من عمرها، وسرنا معًا نحو بيتٍ بنيناه بالحب والكرامة، لا بالخوف.
انتهت الحكاية... لكن رسالتها تبقى