رجعت من العزا
راضي يمشي.
استغربت.
عايز إيه؟
بيقول لازم يقابلك شخصيًا.
سمحت له بالدخول.
دخل شاب في أوائل الثلاثينات، أنيق، لكن التوتر ظاهر على وجهه.
وقف أمامها للحظات، ثم قال
أنا عارف إن حضرتك ممكن ترفضي تسمعيني...
رانيا نظرت له بهدوء.
اتفضل.
أخرج صورة قديمة من جيبه.
أول ما شافتها، اتجمدت مكانها.
كانت صورة لأشرف.
أخو مدحت.
نفس أشرف الذي دخل بيتها يوم العزاء ليشارك في سرقته.
الشاب خفض رأسه وقال
أنا ابن أشرف.
ساد الصمت.
الحارس شد أعصابه.
لكن رانيا لم تتكلم.
أكمل الشاب بصوت مكسور
أبويا مات من شهر.
لم يظهر أي تعبير على وجهها.
وقبل ما يموت بأيام... طلب مني أجي هنا.
مد لها ظرفًا أصفر قديمًا.
وقال لي سلّميه لرانيا بنفسك.
ارتجفت أصابعها وهي تفتح الظرف.
كان بداخله خطاب بخط أشرف.
خطاب لم يكن يشبه الرجل الذي عرفته.
رانيا...
لو بتقري الكلام ده، يبقى أنا خلاص قربت أمشي.
قضيت عشرين سنة بدفع تمن طمعي.
خسرت فلوسي.
خسرت سمعتي.
وخسرت أمي قبل ما تسامح نفسها.
لكن أكبر خسارة
مدحت كان أحسن واحد فينا كلنا...
وإحنا قابلنا خيره بالجشع.
سقطت دمعة على الورقة.
لم تكن دمعة حزن.
بل دمعة من ثقل السنوات.
وأكمل الخطاب
في حساب بنكي صغير باسم ابني.
الفلوس دي آخر حاجة فاضلة عندي.
لو قدرتِ، خليها تبرع للمؤسسة.
يمكن أعمل حاجة كويسة واحدة قبل ما أموت.
أغلقت رانيا الخطاب ببطء.
ثم رفعت رأسها نحو الشاب.
كان واقفًا خائفًا، وكأنه ينتظر حكمًا.
سألته
إنت مالكش ذنب في
هز رأسه بسرعة.
ابتسمت لأول مرة.
وقالت
يبقى أهلاً بيك.
الشاب لم يصدق ما سمع.
وأضافت
وابدأ شغلك هنا بكرة الصبح.
اتسعت عيناه.
أشتغل هنا؟
أيوة... لأن المؤسسة دي اتبنت عشان تدي الناس فرصة جديدة.
في تلك اللحظة، شعر الشاب أن حملًا عمره سنوات انزاح من فوق كتفيه.
ونظرت رانيا إلى صورة مدحت المعلقة على المبنى البعيد.
وهمست
شايف يا مدحت؟... حتى بعد كل السنين دي، لسه الخير اللي زرعته بيصلح اللي أفسده الطمع.
وكان
لكن أثر مدحت ظل يعيش، جيلًا بعد جيل. .