رجعت من العزا

لمحة نيوز

مروة، فاتهمت بالمشاركة في محاولة الاستيلاء على مستندات الشركة وإخفاء بعض العقود.
الحاجة إجلال كانت أكتر واحدة منهارة.
كل يوم كانت تتصل برانيا.
مرة تبكي.
ومرة تتوسل.
ومرة تقول أنا كنت مخدوعة... أشرف هو اللي كان بيقولي أعمل كده.
لكن رانيا كانت ترد بهدوء
يوم ما كنت واقفة في البيت وبتقولي لي اطلعي بره، ماحدش فيكم افتكر إني كنت زوجة ابنك وشريكة عمره.
ثم تغلق الهاتف.
وفي صباح هادئ...
دخلت رانيا مكتب مدحت لأول مرة منذ وفاته.
كل شيء كان كما تركه.
القلم.
النظارة.
وساعة اليد الموضوعة بجوار الكمبيوتر.
جلست على كرسيه، وأخذت نفسًا عميقًا.
ثم فتحت آخر درج في المكتب.
وجدت ظرفًا صغيرًا لم يكن ضمن أي أوراق.
مكتوب عليه بخط مدحت
افتحيه لما تحسي إنك بقيتي قوية.
فتحت الظرف.
كان فيه مفتاح آخر...
ومعاه ورقة قصيرة.
مش كل ثروتي كانت فلوس... أكبر استثمار عملته كان في الناس اللي وثقت فيهم. هتلاقي عنوان داخل الورقة التانية. روحي هناك، وهتفهمي ليه كنت مطمن وأنا بمشي.
قلبت الورقة الثانية.
كان عنوان مصنع قديم خارج القاهرة.
ورقم شخص اسمه
عم حسين.
رانيا استغربت.
مدحت عمره ما حكى لها عن المصنع ده.
في اليوم التالي، قررت تروح بنفسها.
ولما وصلت...
لقيت عشرات العمال أول ما شافوها وقفوا في صف واحد.
ثم قال الرجل العجوز الذي اقترب منها وهو يبتسم
أخيرًا... مرات الباشمهندس وصلت.
وقبل أن تسأله أي
سؤال...
فتح باب مخزن ضخم، وقال
الأستاذ مدحت وصّانا نستناك... لأن اللي جواه هيغيّر حياتك كلها بعد أسبوعين...
القضية بقت حديث المنطقة كلها.
كل واحد من قرايب مدحت حاول يطلع نفسه منها بأي طريقة.
أشرف قال إنه كان بينقل العفش عشان يحافظ عليه.
مروة ادعت إنها كانت بتدور على أوراق التأمين.
أما الحاجة إجلال، ففضلت تردد قدام النيابة أنا أمّه... وكل اللي في البيت ده حقي.
لكن الفيديوهات كانت بتقول حاجة تانية.
كان واضح فيها وهي بتقول لمّوا كل حاجة قبل ما رانيا ترجع.
وفي وسط التحقيقات، نهى اتصلت برانيا.
في حاجة لسه مدحت ماكنش عايز حد يعرفها إلا بعد ما الأزمة دي تخلص.
رانيا راحت المكتب.
نهى طلعت مفتاح صغير من ظرف مختوم.
وقالت ده مفتاح خزنة في البنك.
خزنة؟
أيوة... ومدحت كتب إنك تفتحيها بنفسك.
تاني يوم...
دخلت رانيا البنك، ومعاها موظف الخزائن.
الخزنة اتفتحت ببطء.
مكانش فيها دهب.
ولا فلوس.
كان فيها صندوق خشب صغير...
وفوقه جواب مكتوب عليه
إلى رانيا... لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا خلاص مشيت.
إيديها كانت بتترعش وهي بتفتح الجواب.
كتب مدحت
أنا عارف إنهم هيحاولوا يكسروكي بعد وفاتي... وعارف إن الطمع هيعميهم. عشان كده رتبت كل حاجة قبل ما أمشي.
كان تحت الجواب فلاشة إلكترونية.
نهى شغلتها على اللابتوب.
ظهر فيديو لمدحت، شكله مرهق من العلاج، لكنه بيبتسم.
قال
لو الفيديو ده اشتغل... يبقى
رانيا انتصرت.
ابتسمت رانيا وسط دموعها.
لكن مدحت أكمل
لسه في آخر مفاجأة.
ثم أخرج من درج مكتبه داخل الفيديو ملفًا أزرق.
أشرف فاكر إن محدش يعرف إنه استولى على فلوس الشركة من خمس سنين... لكنه نسي إن كل التحويلات كانت بتوصلني.
رانيا بصت لنهى بذهول.
نهى فتحت الملف الحقيقي الموجود داخل الصندوق.
كان مليان كشوف حسابات، وتحويلات بنكية، وإيصالات، ورسائل تثبت اختلاس مئات الآلاف من أموال الشركة.
مدحت كان ساكت طوال السنوات دي... لكنه كان بيجمع الأدلة.
وقال في نهاية الفيديو
أنا مسامح في حقي... لكن مش هسامح أي حد يفكر يظلم مراتي.
سكت لحظة، ثم ابتسم ابتسامته المعهودة.
لو وصلتي لهنا يا رانيا... يبقى دوري خلص، ودورك يبدأ. عيشي... وما تخليش حد يخوفك تاني.
أغلقت رانيا الفيديو وهي تبكي.
لكن المرة دي... كانت دموع وداع، وليست دموع هزيمة بعد ثلاث سنوات...
كانت رانيا واقفة على المسرح في افتتاح المرحلة الجديدة من المصنع، وسط مئات العاملين وأسرهم.
وراءها صورة كبيرة لمدحت، وتحتها عبارة كان يرددها دائمًا
الرزق الحقيقي هو إنك تفتح باب رزق لغيرك.
بعد انتهاء كلمتها، اقترب منها شاب في منتصف العشرينات.
قال باحترام
مدام رانيا... في راجل كبير مستني حضرتك بره، وبيقول إنه يعرف الأستاذ مدحت من زمان.
خرجت تستقبله.
كان رجلًا ستينيًا يحمل حقيبة جلدية قديمة.
ناولها بطاقة تعريفه وقال
أنا محاسب الشركة
القديم... كنت مسافر بره مصر وقت وفاة مدحت.
ثم فتح الحقيبة.
أخرج دفترًا قديمًا، وقال
أنا احتفظت بده عشان مدحت طلب مني. وقالي لو حصل لي حاجة، سلمه لرانيا بعد ما تعدي أول أزمة.
فتحت الدفتر.
كان مليئًا بملاحظات كتبها مدحت بخط يده، عن أحلامه للمصنع، وأسماء العمال، ومساعدات كان يقدمها في السر لأسر محتاجة.
وفي آخر صفحة، كتب
لو وصل الدفتر ده لرانيا، يبقى أنا مطمن. لأنها هتكمل المشوار بأمانة أكتر مني.
ابتسمت رانيا وهي تغلق الدفتر.
ثم رفعت نظرها إلى صورة مدحت المعلقة على المبنى الجديد، وهمست
وعد... وكل وعد وعدتني بيه نفذته بطريقتك.
وفي تلك اللحظة، دوّى تصفيق العمال مرة أخرى، ليس احتفالًا بافتتاح مبنى جديد، بل احترامًا لرجل رحل، وامرأة رفضت أن تنكسر، فحوّلت المأساة إلى بداية جديدة رانيا بصت لعم حسين باستغراب.
هو مدحت كان مخبي إيه هنا؟
ابتسم الرجل العجوز وقال
تعالي... وشوفي بعينك.
دخلت المخزن.
لكنها اتفاجئت إنه مش مخزن عادي.
كان مصنع كامل، فيه ماكينات حديثة، وعشرات العمال شغالين بهدوء، وكلهم أول ما شافوها وقفوا احترامًا.
قال عم حسين
الأستاذ مدحت اشترى المصنع ده من خمس سنين، وكان بيعيد تشغيله من الصفر. كان حلمه يوفر شغل لمئات الأسر، لكنه كان رافض يعلن عن المشروع قبل ما يقف على رجليه.
رانيا كانت مصدومة.
إزاي ماعرفتش أي حاجة؟
تنهد عم حسين.
كان دايمًا يقول لما ينجح المشروع،
رانيا هتبقى أول واحدة تعرف.
ثم سلّمها ملفًا سميكًا.
ده عقد نقل الإدارة ليكي لو حصله أي مكروه.
فتحت الملف.
وجدت كل
تم نسخ الرابط