بنت صغيره
صوت انفجار خافت في الخارج.
اهتزت الجدران.
وسقطت بعض الأحجار من السقف.
أخرج الرجل المسن مصباحًا صغيرًا وقال
واضح إن حد عرف إنك وصلت.
في الظلام
سمعوا أصوات أقدام تقترب من الباب الحديدي.
صوت شخص قال
فتشوا القاعة محدش يخرج حي.
نظر عاصم إلى المفتاح الذهبي في يده
وأدرك أن من يطاردهم لم يعد يريد إخفاء الحقيقة فقط
بل يريد القضاء على كل من يعرفها، قبل أن يُفتح الباب الذي لم يُفتح منذ عشرات السنين صوت الطرق على الباب الحديدي كان يزداد قوة.
دق دق دق
ثم دوّى صوت ارتطام عنيف.
الرجل المسن قال بسرعة
مافيش وقت.
وأشار إلى جدار خلف الطاولة.
ضغط على حجر صغير، فانفتح ممر سري ضيق.
قال
امشوا وأنا هعطلهم.
عاصم رفض فورًا.
مش هسيبك.
ابتسم الرجل وقال
لو فضلت هنضيع كلنا.
في النهاية، أمسك حسن بذراع عاصم وسحبه إلى داخل الممر.
وبعد ثوانٍ
انغلق الجدار خلفهم.
وسمعوا أصوات إطلاق نار بعيدة، ثم عاد الصمت.
ظلوا يمشون في الممر دقائق طويلة، حتى وصلوا إلى باب خشبي قديم.
فتحوه
فوجدوا أنفسهم داخل منزل مهجور، يبعد مئات الأمتار عن المزرعة.
خرجوا بسرعة.
لكن قبل أن يغادر عاصم، نظر إلى المفتاح الذهبي مرة أخرى.
لاحظ أن عليه رقمًا محفورًا
21
قال حسن
الرقم ده مش صدفة.
أبوك كان دايمًا يكتب الرقم 21 في ملاحظاته.
عادوا إلى الشركة، وبدأوا يفتشون أرشيف والد عاصم.
وبعد ساعات من البحث
وجدت مريم دفترًا صغيرًا بين الكتب القديمة.
قالت بحماس
عمو عاصم لقيت حاجة.
فتح الدفتر.
كانت صفحاته مليئة بأرقام فقط.
وفي الصفحة رقم 21
وجدوا جملة قصيرة
إذا وصلت إلى هنا ابحث عن الباب الذي لا يراه أحد.
أسفل الجملة كان مرسومًا مخطط هندسي قديم.
نظر حسن إليه طويلًا.
ثم اتسعت عيناه.
وقال
أنا عارف المكان ده.
ده مش مخزن
ده جزء من الفيلا نفسها.
نظر إليه عاصم في دهشة.
تقصد إن تحت الفيلا فيه مكان سري؟
هز حسن رأسه ببطء.
وقال
وأظن إن المفتاح
كان من البداية مفتاح السر المدفون تحت بيتكم في نفس الليلة
رفض عاصم ينتظر للصباح.
أمر بإخلاء الفيلا من الجميع، ما عدا حسن وسمية ومريم، وبعد وصول فريق الحراسة، بدأوا ينفذون المخطط القديم.
وقف حسن في منتصف المكتبة الكبيرة.
ثم عدّ البلاط ببطء.
واحد اتنين تلاتة
حتى وصل إلى البلاطة رقم 21.
طرق عليها بعصاه.
فصدر صوت أجوف.
قال بثقة
هي دي.
رفعوا البلاطة بحذر.
لكن لم يجدوا سلّمًا
وجدوا ثقبًا صغيرًا، لا يتسع إلا للمفتاح الذهبي.
نظر عاصم إلى المفتاح.
ثم أدخله.
بمجرد أن دار
اهتزت أرضية المكتبة كلها.
وتحركت إحدى الخزائن العملاقة إلى الجانب ببطء.
ظهر خلفها ممر لم يكن أحد يعرف بوجوده.
نزلوا درجات قليلة.
وفي نهايته
وجدوا غرفة صغيرة جدًا.
لم تكن مليئة بالذهب ولا الأموال.
كان فيها مكتب قديم فقط.
وعلى المكتب صندوق زجاجي.
داخله ساعة يد قديمة، وقلم حبر، ورسالة مغلقة باسم عاصم.
فتح الرسالة بسرعة.
قرأ أول سطر
فتغيرت ملامحه.
كتب والده
يا عاصم لو وصلت للرسالة دي، يبقى معناه إن كل اللي حواليك ممكن يكونوا بيخفوا عنك جزء من الحقيقة. حتى أقرب الناس.
وقبل أن يكمل القراءة
سمعوا صوتًا صادرًا من أعلى الفيلا.
أحد أفراد الحراسة صرخ
يا باشا في ناس اقتحموا البيت!
أغلق عاصم الرسالة بسرعة ووضعها في جيبه.
ثم صعدوا مسرعين.
لكن عندما وصلوا إلى المكتبة
كانت فارغة.
لا أحد.
ولا أي أثر لاقتحام.
الحارس وقف مذهولًا وقال
أقسم بالله كانوا هنا من ثواني.
في تلك اللحظة
انتبهت مريم إلى شيء غريب على الأرض.
انحنت والتقطت قطعة شطرنج سوداء.
كانت على شكل الملك.
وفي أسفلها ورقة صغيرة ملفوفة.
فتحها عاصم.
وكان مكتوبًا فيها بخط أنيق
النقلة الأولى انتهت ودورك يبدأ الآن عاصم ظل ممسكًا بقطعة الشطرنج عدة ثوانٍ.
ثم قال بهدوء
دي مش رسالة تهديد دي دعوة.
حسن هز رأسه وقال
اللي بيلعب اللعبة دي، بيعتبر
في صباح اليوم التالي
وصل إلى الشركة صندوق أسود بدون اسم المرسل.
فحصه رجال الأمن.
لم يجدوا فيه أي متفجرات.
فتحوه.
كان بداخله رقعة شطرنج كاملة.
لكن الغريب
أن كل القطع كانت موجودة
ما عدا الملك الأبيض.
وبجانب الرقعة، ظرف صغير.
فتح عاصم الظرف.
وجد بداخله بطاقة مكتوب عليها
لو عايز تعرف الحقيقة قابلني الساعة 11 مساءً في محطة القطار القديمة.
أسفل الرسالة
رُسم نفس الخاتم الفضي.
نظر حسن إلى عاصم وقال
دي مخاطرة.
ابتسم عاصم ابتسامة خفيفة.
وقال
من أول يوم والبداية كلها كانت مخاطرة.
في تمام الحادية عشرة
وصل عاصم إلى محطة القطار المهجورة.
المكان كان خاليًا تمامًا.
إلا من صوت الريح وهي تمر بين العربات القديمة.
وفجأة
سمع تصفيقًا بطيئًا.
خرج رجل من الظلام.
كان يرتدي معطفًا أسود طويلًا.
لكن هذه المرة
لم يخفِ وجهه.
نظر إلى عاصم وقال
أثبت إنك أذكى مما توقعت.
اقترب عاصم خطوة.
وقال
إنت مين؟
ابتسم الرجل وقال
أنا الشخص اللي كان بيحاول يحمي الحقيقة مش يدفنها.
قبل أن يرد عاصم
ألقى الرجل ملفًا كبيرًا على الأرض.
وقال
اقرأه.
فتح عاصم الملف.
وفي أول صفحة
وجد صورة قديمة لوالده.
لكن لم يكن وحده.
كان يقف بجوار الرجل نفسه وهما يبتسمان.
رفع عاصم رأسه في صدمة.
قال الرجل
أنا كنت أقرب صديق لأبوك.
لكن بعد موته حد أقنع الجميع إني خنته.
وقبل أن يشرح أكثر
انطلق ضوء قوي من بعيد.
ثم سُمعت أصوات سيارات تقترب بسرعة من المحطة.
نظر الرجل حوله وقال
وصلوا.
ثم التفت إلى عاصم وأعطاه فلاشة صغيرة.
وقال بسرعة
كل الأدلة عليها.
لكن أوعى تفتحها في الشركة لأن الشخص اللي بيدور عليها لسه بيشتغل عندك.
وفي اللحظة التالية
أحاطت أضواء السيارات بالمحطة من كل اتجاه، بينما اختفى الرجل بين عربات القطار القديمة قبل أن يتمكن عاصم من مناداته، وبقيت الفلاشة في يده تحمل سرًا جديدًا قد يغيّر مجرى الأحداث
تذكر كلمات الرجل
أوعى تفتحها في الشركة.
في صباح اليوم التالي، ذهب إلى مكتب محاميه، وأغلق الباب بنفسه.
شغّل الفلاشة.
كانت تحتوي على آلاف المستندات، وتسجيلات صوتية، وصور، ورسالة أخيرة من والده.
ظهر والده في الفيديو وقال
يا عاصم إذا كنت بتشوف الرسالة دي، فأنت وصلت للحقيقة.
الشركة تعرضت لمؤامرة من مجموعة من رجال الأعمال كانوا عايزين يسيطروا عليها. ولما رفضت، بدأوا يزرعوا ناس جوا الشركة، ويزوروا العقود، ويسرقوا الأموال، ويوقعوا بين الموظفين.
ثم ابتسم ابتسامة حزينة وقال
لكن أخطر واحد فيهم مش غريب.
فتح عاصم الملف الأخير.
فوجد الاسم الذي كان يبحث عنه منذ البداية.
لم يكن حسن.
ولم يكن المحاسب.
بل كان مدير الشؤون القانونية، الرجل الذي ظل طوال السنوات الماضية يتظاهر بأنه يحمي الشركة، بينما كان يطمس الأدلة ويزور الأوراق لحساب الشبكة.
أبلغ عاصم جهات التحقيق، وسلّمهم جميع المستندات.
وبعد تحقيقات طويلة، قُبض على أفراد الشبكة واحدًا تلو الآخر، واستُعيدت ملايين الجنيهات التي سُرقت على مدار سنوات.
أما الرجل صاحب الخاتم الفضي، فقد سلّم نفسه لاحقًا، واعترف أنه كان عضوًا في الشبكة، لكنه انقلب عليهم بعد وفاة والد عاصم، وقرر جمع الأدلة سرًا حتى يجد شخصًا يثق به ليسلمه الحقيقة.
وبعد انتهاء القضية، أعاد عاصم هيكلة الشركة بالكامل، ووضع نظامًا يمنع أي شخص من الانفراد بالقرارات المالية أو القانونية.
أما سمية، فأصبحت مديرة إدارة شؤون العاملين، لأنها كانت أكثر من عرف معنى الظلم.
ومريم حصلت على منحة دراسية كاملة من الشركة، وأصبحت رمزًا لكل العاملين، لأن سؤالًا واحدًا سألته وهي طفلة
إنت ليه كذبت على أمي؟
كان الشرارة التي كشفت شبكة فساد استمرت سنوات.
وفي يوم افتتاح المبنى الجديد، وقف عاصم أمام جميع الموظفين وقال
الشركة دي اتبنت بتعب الناس، ومش
صفق الجميع طويلًا.
ونظرت مريم إلى أمها مبتسمة، بعدما تحولت أيام الخوف والحرمان إلى حياة مستقرة وكريمة.
تمت.