بنت صغيره
بنت صغيرة فضلت مستنية طول اليوم قدام فيلا صاحب الشغل، لأن أمها مقبضتش مرتبها من 3 شهور. وأول ما شافته، سألته إنت ليه كذبت على أمي؟ مازعقلهاش لكنه نادى المحاسب فورًا، من غير ما يعرف إن مراته مخبية مصيبة أكبر.
إنت قلت لأمي إنها هتقبض النهارده ليه كذبت عليها؟
وقف عاصم المنشاوي مكانه.
كان لسه داخل الفيلا بعد اجتماع شغل طويل.
البدلة على دراعه.
وبيفكر في صفقات بالملايين.
لكن صوت البنت الصغيرة وقفه فجأة.
لف وبصلها.
بنت عندها حوالي 9 سنين.
لابسة يونيفورم المدرسة.
وضفايرها مفكوكة.
وشنطة وردي على ضهرها.
كانت بتترعش
بس مش من الخوف.
من القهر.
قال باستغراب
إنتِ بتكلميني أنا؟
قالت بثبات
أيوه إنت.
قبل ما يرد
جريت ست من ناحية باب المطبخ.
لابسة مريلة الشغل.
وإيديها باين عليها آثار المنظفات.
وقالت بخوف
آسفة يا باشا دي بنتي.
يا مريم اسكتي.
لكن البنت كملت.
أمي بتنضف البيت ده.
وبتغسل.
وبتساعد في المطبخ.
وبتخرج من بيتنا قبل الفجر.
وترجع وأنا خلاص بنام.
وأوقات إيديها بتوجعها لدرجة إنها مش بتعرف تمسك المعلقة.
عاصم حس إن أنفاسه اتقطعت.
وسأل
اسم والدتك إيه؟
الست ردت وهي باصة في الأرض
سمية يا باشا.
سامحها.
هي صغيرة.
البنت هزت راسها وقالت
أنا مش هعتذر.
أمي مقبضتش مرتبها بقالها 3 شهور.
الصالة كلها سكتت.
حتى الخدامين اللي في المطبخ وقفوا يسمعوا.
البنت كملت
كل مرة يقولولها استني.
مرة البنك.
مرة التحويل.
مرة الأسبوع الجاي.
بس الأسبوع الجاي عمره ما بييجي.
عاصم بص لسمية.
وقال
الكلام ده صحيح؟
دموعها نزلت.
وقالت
أيوه يا باشا.
بس قالولي حضرتك وافقت على صرف المرتبات النهارده.
عاصم عقد حواجبه.
وقال
أنا موافقتش على أي حاجة.
وشها اصفر.
وفي اللحظة دي
موبايلها رن.
بصت للشاشة.
واتوترت أكتر.
البنت قالت
ردي يا ماما.
وحطيه سبيكر.
الأم هزت راسها
لأ.
لكن البنت أصرت.
وردت.
وجابت الصوت على المكبر.
جالهم صوت راجل بيزعق
فين الإيجار؟
استنيت 3 شهور.
لو مجبتيش الفلوس النهارده بكرة هغير كالون الشقة.
الأم قالت وهي بتبكي
أرجوك يا أستاذ سيد
أنا مستنية المرتب.
هجيبهولك أول ما أقبض.
رد بعصبية
سمعت الكلام ده كتير.
بكرة هتلاقي هدومك في الشارع.
وقفلت المكالمة.
سمية نزلت الموبايل من إيدها.
كأنها مش قادرة تشيله.
البنت بصت لعاصم.
وقالت
دلوقتي عرفت ليه أمي صدقت كلامكم؟
عاصم سكت.
وبعدين بص على الفيلا كلها.
الصور.
السلالم.
والناس اللي شغالة فيها.
وحس لأول مرة
إن البيت ده بقى غريب عليه.
قال بهدوء
محدش يتحرك.
استنوا هنا.
ولف ناحية المكتب.
وهو لسه فاكر إن المشكلة مجرد مرتبات متأخرة.
لكن كان لسه ميعرفش
إن اللي سرق فلوس العمال
مش المدير.
ولا المحاسب.
كانت مراته والملفات اللي مستخبية في مكتبها كانت هتكشف كارثة أكبر بكتير من مجرد 3 شهور مرتبات.
بعد مرور ستة أشهر
كان عاصم واقف في ساحة الفيلا، لكن المكان اتغير تمامًا.
كل العاملين بقوا بيقبضوا مرتباتهم في موعد ثابت، وكل تحويل بيتم قدام لجنة مالية مستقلة.
سمية بقت مشرفة على فريق العاملات، بعد ما أثبتت أمانتها واجتهادها.
أما مريم
فكانت أول مرة تدخل الفيلا وهي مبتسمة، مش خايفة.
أول ما شافت عاصم، قالت وهي بتضحك المرة دي أنا جاية أشكرك مش أزعقلك.
ابتسم عاصم وقال وأنا لازم أشكرك. لو ماكنتيش اتكلمتي، كان الظلم فضل مستخبي.
في نفس اللحظة، وصل اتصال من المحامي.
قال يا أستاذ عاصم التحقيقات خلصت.
ثبت إن المدام نهى ماكنتش لوحدها.
اتصدم عاصم.
إزاي؟
رد المحامي مدير الحسابات السابق كان شريكها من أربع سنين، وكان بيزور المستندات وياخد نسبة من كل مبلغ يتسرق.
بدأت الشرطة القبض على باقي المتورطين، واسترجعوا جزءًا كبيرًا من الأموال.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لما لقوا دفترًا قديمًا داخل خزنة الشركة.
الدفتر كان فيه أسماء عشرات العمال السابقين، وكل واحد ليه مستحقات ماخدهاش من سنين.
عاصم أمر بصرف كل الحقوق، حتى
انتشر الخبر، وبقت الشركة مثالًا لاحترام حقوق العاملين بعد ما كانت على وشك الانهيار.
وفي يوم افتتاح مبنى الإدارة الجديد، دعا عاصم سمية ومريم يقصوا شريط الافتتاح معاه.
استغربت سمية وقالت إحنا؟
ابتسم وقال أيوه لأن بداية التغيير كانت بسبب شجاعة بنت صغيرة ماخافتش تقول الحقيقة.
صفق الجميع بحرارة، بينما ابتسمت مريم وهي تمسك المقص، وعرفت أن كلمة صادقة في الوقت المناسب قد تغيّر حياة ناس كثيرين بعد الاحتفال، وبينما الناس بدأت تمشي
وقف حارس الأمن عند عاصم وقال بتردد
يا باشا في راجل كبير مستني بره من الصبح، وبيقول لازم يقابلك.
خرج عاصم.
لقى رجلًا في أواخر الستينات، هدومه بسيطة، لكن ملامحه كلها تعب.
أول ما شافه، مد له ظرفًا قديمًا وقال
أنا كنت شغال هنا من عشرين سنة.
وده جواب كنت ناوي أسلمه لوالدك لكنه مات قبل ما يشوفه.
فتح عاصم الظرف.
كانت ورقة مكتوبة بخط والده.
لكنها ما كانتش رسالة
كانت وصية.
جاء فيها
إذا وصلت الرسالة دي لابني عاصم، أوصيه إنه يعامل كل عامل عنده كأنه شريك في الرزق، لأن الشركة دي ما قامتش بفلوسي وحدي، قامت بسواعد ناس تعبت معايا.
سكت عاصم طويلًا.
وسأل الرجل
ليه مخبيتها كل السنين دي؟
تنهد الرجل وقال
كنت فاكر إن محدش هيهتم لكن لما سمعت إنك رجعت حقوق العمال، عرفت إن وقتها جه.
في اليوم التالي، علّق عاصم نسخة من الوصية في مدخل الشركة، تحتها عبارة
العدل مش منحة ده حق.
ومن ساعتها، أي موظف جديد كان بيقرأها أول يوم شغل.
أما مريم
فبعد سنوات، كبرت وتخرجت من كلية التجارة بتفوق.
ولما سألوها في حفل التخرج
إيه سبب اختيارك للمجال ده؟
ابتسمت وقالت
عشان وأنا صغيرة، شفت بعيني إن ورقة حساب ممكن تظلم إنسان وممكن كمان ترجع له كرامته.
صفق الحاضرون، وكانت سمية تبكي من الفرح، بينما وقف عاصم في آخر القاعة يبتسم، وهو يشعر
كان عاصم قاعد في مكتبه، يقلب في الملفات القديمة اللي خرجت من خزنة الشركة.
وفجأة
وقع ملف أصفر باهت على الأرض.
فتح الملف.
أول صفحة كانت مكتوب عليها
ممنوع الفتح إلا بحضور صاحب الشركة.
استغرب.
الملف كان متقفل من أكتر من خمس عشرة سنة.
فتح أول ورقة
ولقى قائمة بأسماء موظفين اختفوا فجأة من الشركة.
جنب كل اسم كلمة واحدة
انتهى.
لكن الغريب
إن بعض الأسماء دي كانت مسجلة في التأمينات إنهم استقالوا بإرادتهم.
وفي نفس اللحظة
دخل عليه سكرتيره وقال
يا باشا في راجل بره بيقول إنه واحد من الأسماء اللي في الملف.
وقف عاصم بسرعة.
دخل الرجل.
وشه مليان آثار تعب، وعكازه في إيده.
بص للملف أول ما شافه
واتغير لون وشه.
وقال بصوت واطي
لسه موجود
عاصم سأله
إنت مين؟
رد
أنا حسن كنت رئيس المخازن.
والملف ده لو اتفتح كله ناس كبيرة هتدخل السجن.
سكت الجميع.
قال عاصم
احكي.
أخذ حسن نفسًا طويلًا وقال
من سنين كانت فيه شبكة كاملة بتسرق معدات الشركة.
ولما اكتشفتهم لفّقوا ليا قضية سرقة.
واتفصلت.
والناس صدقت إني حرامي.
طلع من جيبه صورة قديمة.
فيها هو واقف وسط العمال
وبجواره والد عاصم.
وقال
أبوك كان واثق فيا.
لكن مات قبل ما يعرف الحقيقة.
وقبل ما يكمل
رن هاتف عاصم.
كان مسؤول الأمن.
قال بصوت متوتر
يا باشا حد دخل الأرشيف الليلة.
والكاميرات اتقطعت خمس دقايق.
عاصم جري ناحية غرفة المراقبة.
ولما راجعوا التسجيل
شافوا شخصًا ملثمًا خارجًا من باب الأرشيف، شايل صندوقًا حديديًا صغيرًا.
لكن قبل ما يختفي من الكاميرا
وقع منه ظرف.
لما فتحوا الظرف
لقوا بداخله مفتاح قديم، ومكتوب عليه بخط اليد
المخزن رقم 7.
حسن أول ما شاف المفتاح، اتسعت عيناه وقال
لا مستحيل.
أنا كنت فاكر إنهم دمروه.
عاصم سأله بسرعة
تقصد إيه؟
رد حسن وهو ينظر للمفتاح في ذهول
لأن
المخزن ده بيخبي الحقيقة كلها في صباح اليوم التالي
تحرك عاصم بنفسه إلى المنطقة الصناعية القديمة.
كان المخزن رقم 7 في آخر الشارع.
مبنى مهجور، وأبوابه مغطاة بالصدأ، وكأنه لم يُفتح منذ سنوات.
وقف حسن أمام