امي اتهموها بالسحر بقلم زيزي احمد
أمي اتهموها بالسحر وقرروا يحرقوها كان الضباب الشتا مغطي على النيل والترع والأراضي الجافة في قرية ميت شوقي، مكان بعيد عن أي حضارة تقريبًا. البيوت الطين كانت ساكتة ومستخبية تحت شجر زيتون ناشف، والليل مفيهوش غير صوت كلاب بتعوي من بعيد، يخلي الناس تقفل أبوابها وتستخبى جوا بيوتها كأن فيه حاجة بتترصدهم برّه.
حسن كان قاعد جنب كوخ صغير قديم، يبص على أمه الحاجة فاطمة، الست اللي طول عمرها عايشة لوحدها بعد ما جوزها مات. كانت قاعدة قدام نار ضعيفة، بتقلّب في حلة صغيرة كأنها بتحارب الحياة نفسها. وشها مليان تجاعيد، وإيديها باينة عليها الشقى، وكل أهل القرية بقى عندهم قناعة واحدة
أي حاجة وحشة بتحصل يبقى سببها الحاجة فاطمة.
لو طفل تعب، لو زرعة ماتت، لو مواشي مرضت أول اسم يتقال في الهمس الساحرة اللي ساكنة على طرف البلد.
فاطمة بصت لابنها وقالت بصوت واطي فيه خوف يا حسن لو شوفت حاجة غريبة في الأرض أو الزرع ابعد فورًا. الناس هنا قلوبهم بقت سودا، ولو حصل أي حاجة هيعلقوها في رقبة حد وخلاص.
الساعة قربت على 11 بالليل والنار بدأت تضعف.
فجأة
حسن سمع صوت رجالة كتير جايين بيجروا على التراب برا البيت.
صوت عصيان وصوت زجاج بيتكسر في إيدينهم وصوت بنزين بيتكب على الأرض.
افتحوا الباب
قلب حسن دق بسرعة.
وفجأة الباب اتكسر مرة واحدة
ودخلت مجموعة رجالة من أهل البلد، ووشوشهم مش طبيعية مليانة غضب وكأنهم جايين يحكموا على نهاية حد.
وفي النص كان واقف عم ربيع ابن كبير البلد اللي مات من أسبوعين في ظروف غامضة، ووشه متشنج كأنه مستني اللحظة دي من زمان.
هي دي! صرخ واحد منهم
هي اللي مدمرة البلد!
هي اللي لازم تتحرق النهارده!
حسن اتجمد مكانه لا! أمي مش ساحرة! إنتوا غلطانين!
لكن صوته كان بيضيع وسط الزحمة
الرجالة قربوا من فاطمة
وهي؟ كانت واقفة بهدوء غريب كأنها مستنياهم من سنين.
رفعت عينيها وقالت بهدوء يخوف إنتوا جايين تحرقوا الحقيقة مش جايين تحرقوني أنا.
الجو فجأة اتغير
النار اللي في الحلة طفت لوحدها
والصمت وقع على المكان بشكل مرعب
وفاطمة بصت لحسن وقالت جملة خلت دمه يتجمد
يا حسن أنت مش زي ما فاكر نفسك.
وفي اللحظة دي الباب اتقفل لوحده بعنف والليل برا بقى كأنه بيصرخالأرض اتشقّت أكتر صوتها كان زي صريخ مكتوم جاي من تحت التراب.
حسن رجع لورا بسرعة وهو بيصرخ
ابعدوا! الأرض بتفتح!
لكن عم ربيع والرجالة مكانوش قادرين يتحركوا كأن في حاجة ماسكاهم في مكانهم.
فاطمة مدت إيديها ناحية الشق اللي في الأرض، ووشها بقى شاحب جدًا
اللي تحت ده ما
فجأة، من جوه الشق طلع نور أبيض مزرق، مش نار ولا ضوء عادي كأنه نفس.
والنور بدأ يطلع معاه صوت صوت ناس بتهمس بصعوبة، كأنهم محبوسين من سنين.
حسن اتجمد
إيه الأصوات دي؟!
فاطمة بصت له وقالت بصوت مكسور
الناس اللي صدّقت الكذبة واللي اتدفنوا ظلم هنا.
عم ربيع رجع خطوة لورا لأول مرة
إنتي بتقولي إيه؟! مفيش حاجة مدفونة هنا غير أبويا!
فاطمة ردّت بهدوء
أبوك ما ماتش موتة طبيعية. واللي حصل له هو نفس اللي هيحصل لأي حد يكرر نفس الغلط.
الشق في الأرض بدأ يكبر والتراب بيقع لجوه كأنه بيتسحب.
وفجأة شكل ظل كبير بدأ يظهر جوه النور ظل راجل واقف، لكن ملامحه مش واضحة.
حسن صرخ
في حد هناك!
الظل رفع إيده وكأنه بيحاول يخرج وبصوت ضعيف طلع
فاطمة كفاية
عم ربيع اتجمد تمامًا
ده ده صوت أبويا؟!
فاطمة أغمضت عينيها لحظة، وكأنها بتكتم وجع عمره سنين، وقالت
أنا ما قتلتوش أنا حبسته قبل ما هو اللي يفتح باب مايتقفلش.
حسن لف ناحيتها بسرعة
حبسته فين؟ وليه؟!
فاطمة بصت له لأول مرة بنظرة مختلفة مش بس أم لأ كأنها شايلة سر أكبر من عمره كله
لأن اللي تحت الأرض دي مش أرواح بس ده عهد قديم البلد نفسها كانت موقعة عليه واللي كسره أول مرة كان أبوك وناس معاه.
فجأة النور بدأ يعلى بشكل مرعب
والكوخ نفسه بدأ يتشقق من الجدران
وفاطمة صرخت لأول مرة
حسن! لو الشق ده اتفتح بالكامل البلد كلها هتختفي!
حسن بص حواليه، وكل حاجة بتنهار، وصوته خرج منه مكسور
وأنا أعمل إيه؟!
فاطمة قربت منه بسرعة، ومسكته من كتفه بقوة لأول مرة
هتختار دلوقتي تصدقني ولا تصدقهم.
وبصت ناحية عم ربيع والرجالة اللي واقفين مرعوبين
وقالت بصوت قاطع
لأن اللي جاين يحرقوني هما نفسهم اللي ممكن يفتحوا الباب الأخير الهواء في الكوخ بقى تقيل بشكل يخنق الصدر كأن المكان نفسه بيحاول يمنع اللي جاي يحصل.
حسن رجع خطوة لورا وهو بيهز راسه
إنتي بتقولي إيه يا أمي؟ أنا ابنك أنا حسن!
لكن فاطمة ما ردّتش عليه كانت عينها ثابتة على الرجالة اللي واقفين قدامها كأنهم مش شايفينها أصلًا دلوقتي.
عم ربيع رفع العصاية وقال بصوت متكسر من الغضب
كفاية لعب اربطوها!
رجالتين قربوا منها وفي اللحظة اللي مدّوا إيديهم
فاطمة همست بكلمة واحدة غريبة، صوتها كان أقرب للهمس اللي مش من البشر
اتأخرتم
فجأة الأرض تحت رجليهم اهتزّت اهتزاز خفيف وبعدها نار الحلة اللي كانت مطفية رجعت ولعت لوحدها بس المرة دي لونها مش طبيعي أزرق غامق!
واحد من الرجالة صرخ ورجع لورا
إيه ده؟!
حسن اتجمد وهو بيبص
يا أمي إيه اللي بيحصل؟
فاطمة رفعت إيديها ببطء ووشها لأول مرة يبان عليه حاجة مش خوف لأ ده كان حزن قديم