رجعت من السفر بقلم زهرة الربيع
المحتويات
كان أقرب الناس إليك.
رفع سليم عينيه ببطء...
ونظر إلى كل من يقف حوله، لأول مرة، وقد بدأ الشك يتسلل إلى قلبه ظل سليم ممسكًا بالورقة، يعيد قراءة الجملة أكثر من مرة.
لا تثق في أحد... حتى لو كان أقرب الناس إليك.
الكلمات كانت قصيرة، لكنها كفيلة بأنها تزرع الشك في قلب أي إنسان.
رفع رأسه ببطء، ونظر إلى نادين... ثم إلى كريم... ثم إلى فؤاد.
كل واحد فيهم كان له سبب يخليه موجود في اللحظة دي.
لكن مين فيهم يقصده والده؟
قطع كريم الصمت وقال بهدوء
أنا فاهم أنت بتفكر في إيه... بس لو فضلنا واقفين هنضيع وقت.
أعاد سليم الورقة إلى جيبه وقال
تمام... هنروح.
أغلقوا محل الورد، وركبوا سيارتين.
سليم كان يقود السيارة الأولى، وبجواره فؤاد، بينما ركبت نادين مع عمر في السيارة الثانية، وكان كريم يقودها.
طوال الطريق، لم ينطق أحد بكلمة.
حتى عمر، الذي اعتاد أن يسأل كثيرًا، كان يشعر أن هناك أمرًا أكبر من فهمه.
بعد حوالي نصف ساعة، توقفوا أمام مبنى قديم مكون من ثلاثة طوابق.
الواجهة كانت متآكلة، واللافتة المعدنية التي تحمل اسم الشركة القديمة كادت تسقط من الصدأ.
أشار فؤاد إلى الباب وقال
هنا بدأ كل شيء.
دخلوا بحذر.
المكان كان مليئًا بالغبار، وكأن أحدًا لم يدخله منذ سنوات.
قادهم فؤاد إلى آخر الممر، حتى وقف أمام باب خشبي سميك.
أخرج سليم المفتاح النحاسي.
أدخله في القفل.
لفه مرة...
ثم مرتين...
وسمع الجميع صوت طَق.
فتح الباب ببطء.
كانت الغرفة كما تركها والده.
مكتب خشبي كبير.
مكتبة مليئة بالملفات.
وصورة قديمة معلقة على الحائط تجمع والده مع ثلاثة رجال آخرين.
اقترب سليم من الصورة.
أشار إلى أحد الرجال وسأل
مين ده؟
قال فؤاد
ده شريك والدك الأول.
وأشار إلى الثاني.
وده الثاني.
ثم توقف عند الثالث، وسكت.
لاحظ سليم تردده.
وده؟
تنهد فؤاد وقال
ده الوحيد اللي والدك كان شاكك فيه.
قبل أن يسأله عن اسمه...
صدر صوت خافت من خلف المكتبة.
التفت الجميع في لحظة.
نادين ضمت عمر إليها بسرعة.
أما كريم، فاتجه بحذر نحو مصدر الصوت.
مد يده وأزاح أحد الرفوف قليلًا...
فإذا بجزء من الحائط يتحرك.
خلف المكتبة كان هناك باب حديدي صغير لم يكن ظاهرًا.
نظر فؤاد إليه بدهشة.
أنا... أنا أول مرة أشوف الباب ده.
اقترب سليم، ولاحظ أن الباب لا يوجد به قفل عادي.
بل لوحة معدنية محفور عليها رقم واحد فقط...
17
نظر إلى المفتاح في يده، ثم إلى الرقم.
ابتسم لأول مرة منذ عودته وقال
واضح إن المفتاح مش للمكتب...
رفع المفتاح وأدخله في الفتحة الصغيرة الموجودة أسفل الرقم.
لكن قبل أن يديره...
رن هاتف كريم.
نظر إلى الشاشة، فتغيرت ملامحه فجأة.
قال بصوت منخفض
إزاي؟!
سأله سليم
في إيه؟
رفع كريم الهاتف ببطء، ثم قال
دي إدارة المستشفى...
ساد الصمت.
أكمل كريم وهو ينظر إلى فؤاد مباشرة
بيقولوا إن الأستاذ فؤاد... مسجل عندهم من أسبوع، ولسه خارج النهارده.
نظر الجميع إلى فؤاد باستغراب.
لكن المفاجأة لم تكن هنا...
فالموظف على الهاتف أكمل جملة جعلت الدم يتجمد في عروق الجميع
الغريب... إن المريض كان بيكرر جملة واحدة طول فترة علاجه...
أوعوا تفتحوا الباب رقم 17... لأنه مش بيحمي السر... هو اللي مخبي الحقيقة كلها.
وانعقدت الأنظار كلها على الباب الحديدي... بينما ظل المفتاح في يد سليم، على بعد سنتيمترات فقط من فتحة القفل تجمدت يد سليم في مكانها.
نظر إلى المفتاح... ثم إلى الباب... ثم إلى فؤاد.
قال بصوت حاد
يعني إيه الكلام ده؟
أغلق كريم الهاتف ببطء، ثم قال
المكالمة كانت من موظف في الأرشيف، كان بيتأكد من استلام بعض الأوراق. ولما عرف إن الأستاذ فؤاد معايا، افتكر الجملة اللي كان بيرددها وهو في المستشفى.
رد فؤاد بانفعال
أنا دخلت المستشفى فعلًا... كان عندي هبوط حاد من الإرهاق، لكني عمري ما قلت متفتحوش الباب.
اقترب منه سليم وهو يراقب ملامحه.
إنت متأكد؟
هز
في يومين من الأيام دول كنت تحت تأثير أدوية قوية... ممكن أكون قلت كلام مش فاكره.
ساد الصمت.
نظر كريم إلى الباب مرة أخرى وقال
في كل الأحوال... إحنا مش جايين بدافع الفضول. إحنا جايين ننفذ وصية.
أخرج سليم الظرف البني، وقطع الختم لأول مرة.
فتح الورقة بعناية.
كانت الرسالة مكتوبة بخط والده.
بدأ يقرأ بصوت مسموع
يا سليم... لو وصلت للرسالة دي، يبقى ربنا كتبلك ترجع. متخافش من الباب، لكن متفتحوش إلا بعد ما تتأكد إن الناس اللي حواليك موجودين بإرادتهم، مش بدافع مصلحة.
رفع سليم عينيه.
نظر إلى نادين.
كانت واقفة ممسكة بيد عمر.
نظر إلى كريم.
كان ثابتًا في مكانه.
ثم إلى فؤاد.
كان يبدو عليه الإرهاق الحقيقي.
أكمل القراءة
الخزنة اللي ورا الباب مش فيها كنز، ولا أوراق ملكية. فيها الحقيقة اللي فضلت مخبيها سنين عشان أحمي ناس ملهاش ذنب.
قطب سليم حاجبيه.
أحمي مين؟
واصل القراءة
لما تفتح، هتفهم ليه طلبت من فؤاد يحتفظ بالمفتاح، وليه كنت واثق إن نادين هتكون موجودة في اليوم ده.
شهقت نادين.
أنا؟!
نظرت إلى كريم في دهشة، ثم قالت
أنا وقتها حتى ماكنتش أعرف سليم.
قال فؤاد بهدوء
واضح إن والده كتب الرسالة بعد ما عرف بيها بسنين.
سليم قلب الصفحة.
في آخرها كان هناك سطر واحد فقط
لو عمر معاكم... خلوه بره الأوضة قبل فتح الباب.
ساد صمت ثقيل.
نادين ضمت ابنها إليها أكثر.
قالت بحزم
أنا هاخده برا.
ابتسم عمر باستغراب.
هو أنا عملت حاجة؟
ربتت على شعره.
لا يا حبيبي... دي وصية جدك.
خرجت نادين مع عمر إلى الممر.
وقف سليم أمام الباب.
أخذ نفسًا عميقًا.
وأدار المفتاح.
صدر صوت احتكاك معدني قديم.
ثم انفتح الباب ببطء شديد.
كانت خلفه غرفة صغيرة لا تتجاوز بضعة أمتار.
لا ذهب.
لا خزائن.
فقط مكتب قديم، وصندوق خشبي، وجهاز عرض أفلام قديم موضوع بعناية.
اقترب فؤاد وهمس
أنا أول مرة أشوف المكان ده.
فتح سليم الصندوق.
وجد بداخله عدة أشرطة فيديو قديمة، وكل شريط مكتوب عليه تاريخ مختلف.
لكن آخر شريط شد انتباهه.
كان مكتوبًا عليه بخط والده
يُشاهد بحضور سليم فقط... وإذا قررت بعده أن تخبر الآخرين بالحقيقة، فذلك قرارك.
نظر الجميع إلى الشريط في صمت.
ثم مد سليم يده نحوه...
وقبل أن يرفعه، سمعوا صوتًا قويًا قادمًا من خارج المبنى، أعقبه صوت ارتطام باب السيارة بعنف، ثم خطوات سريعة تصعد السلم في اتجاه المكتب مباشرة تبادل الجميع النظرات في لحظة.
الخطوات كانت تقترب بسرعة، وثقلها يدل على أن أكثر من شخص يصعد السلم.
أغلق كريم باب الغرفة الحديدية بهدوء، ثم أشار إلى سليم أن يحتفظ بالشريط داخل الصندوق مؤقتًا.
همس
مهما حصل... متسيبش الشريط.
بعد ثوانٍ، دوى طرق قوي على باب المكتب الخارجي.
مرة...
ثم مرتين...
ثم صوت رجل يقول بنبرة رسمية
في حد هنا؟
نظر سليم إلى فؤاد.
تعرف الصوت؟
هز رأسه بالنفي.
تقدم كريم نحو الباب الخارجي وفتحه بحذر.
وقف أمامه رجل في الخمسينيات من عمره، يحمل حقيبة أوراق سوداء، وخلفه شاب يرتدي زي شركة نقل.
ابتسم الرجل بأدب وقال
مساء الخير... إحنا من الشركة المالكة للمبنى.
أخرج بطاقة تعريفه وأكمل
كنا جايين نستلم المكتب، لكن الحارس قال إن في ناس دخلوا قبلنا.
تنفس الجميع براحة نسبية.
لم يكونوا الغرباء الذين ظنوهم.
قال كريم
هنخلص خلال دقائق.
هز الرجل رأسه موافقًا، لكنه قبل أن ينصرف، وقعت عيناه على فؤاد.
تغيرت ملامحه فجأة.
قال بدهشة
أستاذ فؤاد؟
رفع فؤاد رأسه.
أيوه... حضرتك تعرفني؟
ابتسم الرجل.
أكيد... أنا ابني كان بيشتغل مع حضرتك زمان.
ثم أضاف وهو يشير إلى المكتب
الغريب إن المكان ده فضل مقفول سنين، وكل ما كنا نحاول نفتحه كنا نلاقي في الورق وصية واضحة إنه يفضل كما هو لحد ما يرجع الأستاذ سليم بنفسه.
نظر سليم إلى الرجل باستغراب.
يعني محدش دخل هنا من يوم وفاة أبويا؟
ولا حد.
خرج الرجل وأغلق الباب خلفه.
ساد الصمت من جديد.
أخرج سليم شريط الفيديو من الصندوق.
وبجواره كان هناك جهاز عرض قديم، وإلى جانبه محول كهربائي محفوظ داخل علبة.
قال فؤاد بابتسامة خفيفة
واضح إن والدك كان محضر كل حاجة.
وصل كريم الجهاز بالكهرباء.
أدار المفتاح.
صدر صوت خفيف...
ثم بدأت الشاشة البيضاء المعلقة على الحائط تضيء.
بعد ثوانٍ ظهر والد سليم على الشاشة.
كان يجلس خلف نفس المكتب الذي يقفون أمامه الآن.
ابتسم للكاميرا وقال
لو أنت بتشوف التسجيل ده يا سليم... يبقى الحمد لله إنك رجعت.
شعر سليم بقشعريرة تسري في جسده.
لم يرَ والده بهذه الصورة منذ سنوات طويلة.
أكمل الأب
عارف إن عندك أسئلة كتير... لكن قبل ما أجاوبك، لازم تعرف إنك هتغضب مني.
تجمد سليم.
تابع والده
لأني أخفيت عنك سرًا كبيرًا... وكنت مضطر أعمل كده عشان أحمي العيلة.
وفي اللحظة التي كان الجميع ينتظر فيها سماع السر...
انطفأت الشاشة فجأة.
عمّ الظلام الغرفة لثوانٍ.
ثم انقطع التيار الكهربائي عن المبنى بالكامل.
قال كريم بسرعة
الجهاز فصل!
لكن فؤاد نظر من النافذة وقال بقلق
دي مش مشكلة كهربا...
سأله سليم
إزاي عرفت؟
أشار إلى الشارع.
كانت كل أعمدة الإنارة خارج المبنى ما زالت مضاءة بشكل طبيعي.
أما المبنى وحده... فقد غرق في الظلام بالكامل، وكأن أحدًا فصل الكهرباء عنه عمدًا تسارعت أنفاس الجميع.
وقف سليم مكانه وهو يحاول يستوعب اللي بيحصل.
قال بصوت منخفض
يعني حد قاصد يقطع الكهربا عن المبنى؟
هز كريم رأسه وهو أخرج كشافًا صغيرًا من حقيبته.
واضح كده.
أضاء الكشاف، ومرر نوره على الجدران.
كانت الغرفة كما هي... لكن شيئًا لفت انتباهه.
خلف جهاز العرض مباشرة، كان هناك صندوق كهرباء صغير، بابه مفتوح.
اقترب منه.
انحنى قليلًا ثم قال
غريبة...
سليم اقترب بسرعة.
إيه؟
أشار كريم إلى الأسلاك.
التيار مش مقطوع... الفيوز متشال بإيد حد.
نظر الجميع لبعضهم.
يعني شخص دخل المبنى قبلهم... أو كان موجودًا فيه.
في نفس اللحظة، جاء صوت نادين من خارج الغرفة
سليم!
خرجوا مسرعين.
وجدوا نادين واقفة في الممر، وعمر بجوارها.
قالت وهي تشير إلى نهاية الممر
أنا كنت واقفة مع عمر هنا... وسمعت باب بيتقفل.
التفت سليم ناحية نهاية الممر.
كان هناك باب معدني صغير، لم يلاحظوه عند دخولهم.
ركض نحوه.
فتح الباب بسرعة.
لكنه لم يجد أحدًا.
فقط سلم خلفي يؤدي إلى فناء المبنى.
نزلوا جميعًا.
الفناء كان خاليًا تمامًا.
لكن على الأرض، كانت آثار عجلات سيارة حديثة، وكأنها غادرت منذ لحظات.
عادوا إلى المكتب.
قال فؤاد وهو يفكر
اللي دخل، مكانش جاي يسرق.
سأله سليم
ليه؟
لأن لا الملف اتاخد، ولا الشريط، ولا المفتاح.
رد كريم
يبقى كان هدفه يمنعنا نشوف التسجيل.
ساد الصمت.
ثم ابتسم سليم لأول مرة منذ بداية اليوم.
قال بثقة
يبقى التسجيل مهم فعلًا.
فتح الصندوق مرة أخرى.
وبينما كان يرفع جهاز العرض ليتأكد من سلامته، لاحظ شيئًا غريبًا.
في أسفل الجهاز كان هناك درج صغير جدًا، بالكاد يُرى.
حاول فتحه.
كان عالقًا.
ساعده كريم حتى انفتح أخيرًا.
داخل الدرج وجدوا مفتاحًا صغيرًا جدًا، ورسالة مطوية.
فتح سليم الرسالة.
كانت مكتوبة بخط والده أيضًا.
إذا تعطل العرض لأي سبب، فاعلم أني توقعت ذلك. لذلك تركت النسخة الثانية في المكان الذي كنت تأخذني إليه كل يوم جمعة، بعد صلاة العصر.
نظر سليم إلى الرسالة طويلًا.
ثم همس
كل يوم جمعة...
بدأ يسترجع ذكرياته مع والده.
حديقة؟
المزرعة؟
المكتبة؟
ظل صامتًا لدقائق.
وفجأة اتسعت عيناه.
قال
عرفت المكان...
لكن قبل أن ينطق بالاسم، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
كان رقمًا مجهولًا.
تردد لحظة، ثم أجاب.
جاءه صوت رجل هادئ يقول
واضح إنك لقيت الرسالة الأولى... لكن لو رحت للمكان اللي في بالك، هتكتشف إنك متأخر.
وقبل أن يسأل سليم أي سؤال...
أغلق المتصل الخط الحاج عبد الرحيم اتجه بسرعة ناحية الباب
ساد هدوء غريب.
حتى صوت الشارع اختفى.
نظر إلى سليم وقال
تعالى معايا... والأستاذ كريم ييجي معاك. أما مدام نادين وعمر، يفضلوا هنا.
اعترض سليم فورًا
ليه؟
ابتسم الحاج عبد الرحيم وقال
لأن المكان اللي هننزل له ضيق، ومش آمن للأطفال.
تعجبت نادين.
ننزل له؟
اقترب الرجل من آخر رف في المكتبة، وأخرج كتابًا ضخمًا من مكانه.
ثم ضغط بيده على قطعة خشب صغيرة كانت خلف الكتاب.
صدر صوت خافت...
وبدأ رف الكتب يتحرك ببطء إلى الجانب.
خلفه ظهر سلم حجري قديم ينزل إلى أسفل.
نظر سليم إلى كريم.
كريم قال بهدوء
واضح إن والدك كان محضر كل حاجة.
نزل الثلاثة بحذر.
كل درجة كانت تصدر صوتًا من أثر الزمن.
وفي نهاية السلم، وصلوا إلى غرفة صغيرة، تتوسطها منضدة خشبية، وفوقها صندوق حديدي أسود.
على غطاء الصندوق كانت لوحة نحاسية مكتوب عليها
الأمانة الثانية.
اقترب سليم.
لاحظ أن الصندوق لا يحتاج مفتاحًا.
بل يحتاج المفتاح الصغير الذي وجدوه داخل جهاز العرض.
أخرج المفتاح من جيبه.
أدخله في الفتحة.
استدار بسهولة.
ثم ارتفع غطاء الصندوق ببطء.
داخله وجدوا...
دفترًا جلديًا قديمًا، ومجموعة صور، وظرفًا آخر مختومًا بالشمع الأحمر.
فتح سليم الدفتر أولًا.
كانت أول صفحة تحمل عنوانًا بخط والده
يوميات الحقيقة.
قلب الصفحة التالية.
بدأ يقرأ
إذا وصلت إلى هنا يا سليم، فاعرف أن كل ما سمعته عن شراكة المشروع كان نصف الحقيقة فقط... أما النصف الآخر، فلم يعرفه أحد غيري.
تسارعت أنفاسه.
واصل القراءة
في سنة 1998، اتخذنا قرارًا غيّر حياتنا جميعًا... لكنه أيضًا صنع عدوًا لم ينسَ ما حدث حتى اليوم.
وقبل أن يكمل السطر التالي...
سمعوا صوت ارتطام قوي من أعلى المكتبة.
ثم صوت نادين وهي تنادي بفزع
سليم... بسرعة!
رفع سليم رأسه، وأغلق الدفتر فورًا، وانطلق هو وكريم وفؤاد نحو السلم، بينما كان صوت تكسير الزجاج في الطابق العلوي يزداد لحظة بعد أخرى، وكأن أحدًا نجح أخيرًا في اقتحام المكتبة ظل سليم ينظر إلى شاشة الهاتف لثوانٍ، ثم أعاد الاتصال بالرقم.
الرقم غير متاح.
ضغط على أسنانه وهو يحاول يسيطر على أعصابه.
قال كريم
إيه قال؟
تنهد سليم وأعاد عليهم المكالمة بالحرف.
ساد الصمت.
قال فؤاد وهو يفكر
يبقى في حد عارف كل خطوة بنعملها.
نادين عقدت ذراعيها وقالت
أو في حد كان موجود هنا وسمع كل كلامنا.
الجملة دي خلت الجميع ينظر تلقائيًا إلى أركان المكتب.
بدأ كريم يفتش المكان بدقة.
وبعد دقائق، توقف أمام ساعة حائط قديمة كانت معلقة فوق الباب.
أنزلها من مكانها.
وفجأة...
وقع جسم صغير على الأرض.
التقطه كريم.
كان جهازًا إلكترونيًا صغيرًا جدًا.
قال وهو يقلبه بين أصابعه
ده جهاز تسجيل صوت... شكله قديم، لكنه شغال.
شهق فؤاد.
يعني حد كان بيسمعنا؟
أطفأ كريم الجهاز ووضعه في جيبه.
وده يفسر المكالمة.
نظر سليم إلى الرسالة مرة أخرى.
ثم قال بثقة
مش مهم هو عرف ولا لأ... إحنا هنكمل.
سألته نادين
فاكر المكان؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
أيوه.
ثم نظر إلى عمر.
أبويا كان كل يوم جمعة ياخدني بعد الصلاة لمكتبة صغيرة قديمة. مكان هادي، وكان يقول إن الكتب بتحفظ أسرار أصحابها أكتر من البيوت.
استغرب فؤاد.
مكتبة؟
هز سليم رأسه.
مكتبة قديمة في وسط البلد. زمان كانت ملك راجل صاحب أبويا.
قال كريم
يبقى نتحرك قبل ما حد يسبقنا.
أغلقوا المكتب مرة أخرى، وسلموا المفاتيح لمندوب الشركة، ثم انطلقوا جميعًا.
وخلال الطريق...
كان سليم يشعر لأول مرة منذ سنوات أن والده ما زال يقوده خطوة بخطوة.
بعد نحو أربعين دقيقة، توقفوا أمام مبنى قديم، تتوسطه لافتة خشبية باهتة، كُتب عليها اسم المكتبة.
لكن شيئًا لم يكن طبيعيًا.
باب المكتبة كان مفتوحًا رغم أن الوقت متأخر.
ولا يوجد أي ضوء بالداخل.
دخل سليم بحذر.
رائحة الورق القديم ملأت
صفوف طويلة من الكتب، وسكون غريب.
وفجأة...
خرج رجل مسن من بين الأرفف، يحمل مصباحًا يدويًا.
ابتسم أول ما رأى سليم.
وقال وكأنه كان ينتظره منذ زمن
اتأخرت يا بني...
تجمد سليم.
قال الرجل
أبوك قال لي لو جيت في يوم، أسلمك الأمانة.
وقبل أن يكمل...
دخل شاب مسرعًا من الباب وهو يلهث، وصاح
الحاج عبد الرحيم... في ناس بيسألوا عليك بره، ومعاهم صورة الأستاذ سليم!
نظر الرجل المسن إلى سليم بسرعة، ثم
متابعة القراءة