يوم فرحى بقلم انجى الخطيب
تمنه من عمري، أولادي اتعلموه من غير ما يعيشوا وجعه.
وهكذا، أصبحت تلك الليلة التي بدأت بفضيحة في قاعة فرح، مجرد ذكرى بعيدة... لكنها كانت السبب في تكوين عائلة تعرف قيمة العدل، والثقة، والصبر.
تمت القصة بعد سنوات، وأنا بقلب في ألبوم الصور مع أحفادي، حفيدتي الصغيرة مسكت صورة قديمة ليا وأنا لابسة فستان الفرح الأبيض.
سألتني ببراءة
ستي... ليه في الصورة دي إنتِ بتعيطي؟ مش العرايس المفروض تكون فرحانة؟
ابتسمت بحزن، وسكت شوية.
قلت لها
لأن مش كل اللي بنشوفه في الصور بيحكي الحقيقة.
فضلت تبصلي مستنية أكمل.
قلت
في اليوم ده، كنت فاكرة إن حياتي انتهت... لكن الحقيقة إن حياتي كانت لسه هتبدأ.
دخل جديهم زوجي وهو بيضحك وقال
قولي لهم كمان إن لو جدتهم استسلمت يومها، مكنتش هتبقى عندها العيلة دي كلها.
ضحك الأحفاد، وقعدوا حوالينا يسمعوا.
ولأول مرة، حكيت القصة كاملة من أولها لآخرها.
ولما خلصت، حفيدي الكبير قال
يعني يا ستي... الشر ممكن يكسب في الأول، لكن الخير هو اللي بيكسب في الآخر؟
ابتسمت وربت على رأسه.
وقلت
مش دايمًا الطريق بيكون سهل... لكن اللي يتمسك بالحق، حتى لو اتظلم، ربنا بيعوضه في الوقت المناسب.
وفي آخر اليوم، قمت حطيت صورة فرحي الأول في صندوق قديم، وقفلت عليه للأبد.
أما صورة فرحي الحقيقي، مع الرجل اللي وثق فيّ واحترمني، علقتها في وسط البيت.
كل ما أبص لها، أفتكر إن نهاية أي قصة مش بتتحدد بأصعب يوم فيها...
لكن باليوم اللي الإنسان يقرر فيه يبدأ من جديد.
وهكذا انتهت الحكاية... نهاية هادئة بعد عاصفة طويلة بعد وفاة أبويا بسنين، وأنا برتب أوضته، لقيت درجًا صغيرًا في مكتبه عمره ما فتحه قدامي.
كان فيه مصحف، وساعة قديمة، وخطاب مكتوب باسمي.
قعدت على الكرسي وفتحته، وكانت أول جملة فيه
يا بنتي... لو بتقري الجواب ده، يبقى أنا سبت الدنيا، لكن كان لازم تعرفي حاجة أخفيتها عنك طول عمري.
بدأت أقرأ ودموعي بتنزل.
كتب
يوم الفرح... بعد ما خرجنا من القاعة، عريسك رجع وجرى ورا العربية. كان بيعيط، وبيقول إنه اتسرع، وإنه عايز يسمعك. لكن أنا رفضت أقف.
وقفت عن القراءة وأنا مصدومة.
كمل أبويا
كنت شايف إن الراجل اللي كسر قلب بنتي قدام الناس، حتى لو ندم، ميستحقهاش. ويمكن أكون غلطت... لكن ساعتها كنت أب قبل ما أكون أي حاجة تانية.
آخر سطر كان
سامحيني لو حرمتك من فرصة تعرفي الحقيقة بنفسك.
قفلت الجواب، وقعدت أبكي.
مش لأن أبويا غلط...
لكن لأني لأول مرة فهمت قد إيه كان بيحبني، وقد إيه كان مستعد يحارب الدنيا كلها عشاني.
وفي نفس الليلة، وأنا راجعة البيت، وقفت قدام قبره.
قرأت الفاتحة، وقلت
يا بابا... عمري ما زعلت منك، ولا هزعل. لأن كل قرار خدته، كان بدافع حبك ليا.
وأنا ماشية، حسيت براحة غريبة.
كأن كل أبواب الماضي اتقفلت أخيرًا.
ورجعت لبيتي، وسط أولادي وأحفادي، وأنا مؤمنة أن أعظم نعمة بعد كل العواصف... هي السكينة.
النهاية الأخيرة
وفي آخر ملف، لقيت ظرف مكتوب عليه
لا يُفتح إلا إذا ظهر شخص اسمه يوسف.
استغربت... لأن مكنتش أعرف أي يوسف في حياتنا.
عدّى أسبوع.
وفي صباح يوم الجمعة، جرس الباب رن.
فتحت، لقيت شاب في أوائل الثلاثينات، ملامحه غريبة لكنها مألوفة.
قال باحترام
حضرتك بنت الحاج محمود؟
قلت أيوه.
قال أنا يوسف... وجاي من آخر الدنيا عشان أنفذ وعد قطعته لأبوكي.
اتجمدت مكاني.
دخل، وقعد، وسلمّني بطاقة قديمة عليها رقم تليفون واسم أبويا.
قال أنا كنت يتيم، وأبوك هو اللي كان بيتكفل بمصاريف تعليمي من وأنا طفل... لكنه طلب من الجمعية محدش يقول اسمه.
دموعي نزلت.
يوسف كمل
اتخرجت دكتور، وسافرت، ولما رجعت عرفت إنه توفى. قبل وفاته بأيام، سلمني جواب وقال ما تفتحهش غير بعد رحيلي.
جريت على الظرف اللي لقيته.
فتحناه.
كان أبويا كاتب
يا يوسف... لو وصلت للبيت، يبقى حققت حلمك. أوعى تقول لبنتي أنا عملت إيه غير بعد ما أموت، لأن الخير اللي يتقال عليه كتير بيضيع أجره.
سكت يوسف وهو بيبكي.
ثم مد إيده بملف.
قال
دي كل الإيصالات اللي كان بيدفع بيها مصاريفي، ودي وصية مني... هكمل أكفل عشرة أطفال بنفس الطريقة اللي أبوكي بدأها.
الملف، وحسيت إني لأول مرة أعرف جانبًا جديدًا من شخصية أبويا.
كان بطلًا... لكن في صمت.
ومن يومها، أنا وجوزي وأولادي أسسنا صندوقًا خيريًا باسم أبي.
ليس ليعرف
بل ليبقى أثره حيًا، كما كان يتمنى.
وعرفت أن الإنسان قد يرحل من الدنيا...
لكن الخير الذي يزرعه، يظل يعيش في قلوب الناس سنوات طويلة. بعد سنوات طويلة...
كنت قاعدة في حديقة البيت، وحواليَّ أولادي وأحفادي، وكل واحد فيهم بيسألني أحكي لهم حكاية الفرح.
ابتسمت، وبصيت لفستان الفرح القديم، اللي كنت محتفظة بجزء صغير منه في صندوق الذكريات.
قلت لهم
زمان كنت فاكرة إن اليوم اللي اتطلقت فيه قدام الناس كان أسوأ يوم في عمري... لكن دلوقتي عرفت إنه كان بداية الطريق اللي وصلني لكل النعم اللي أنا فيها.
في اللحظة دي، دخل جوزي، حط إيده على كتفي، وقال وهو بيضحك
لسه بتحكي لهم نفس القصة؟
قلت
لأن فيها درس يستحق يتحكى.
بصيت لأحفادي وقلت
أوعوا تحكموا على حد من كلمة، ولا تصدّقوا إشاعة من غير دليل. الكلمة ممكن تهدم عمر كامل، لكن الحقيقة حتى لو اتأخرت، لازم تظهر.
وفي المساء، خرجت مع جوزي نمشي في نفس الشارع اللي كنت بمشي فيه وأنا مكسورة بعد يوم الفرح.
وقفت للحظة، وابتسمت.
قال لي مالك؟
قلت
هنا كنت فاكرة إن الدنيا انتهت...
والنهارده أنا ماشية في نفس المكان وأنا شاكرة ربنا على كل اللي حصل.
رفع رأسه للسماء وقال
ربنا بيعوض الصابرين.
ابتسمت وأنا أمسك يده، وقلت
أجمل النهايات هي اللي تيجي بعد أصعب البدايات.
العبرة من القصة قد ينجح الكذب في هدم الثقة للحظات، لكنه لا يستطيع أن يهزم الحقيقة إلى الأبد. والثقة لا تُبنى
تمت القصة.