يوم فرحى بقلم انجى الخطيب
المحتويات
من أول يوم، ولما حكيت له التفاصيل قال جملة عمري ما نسيتها
السمعة الحقيقية مش اللي الناس تقولها... السمعة هي أخلاق الإنسان لما الحقيقة تظهر.
وقتها حسيت إن ربنا عوضني بعد كل الوجع.
وفي يوم فرحي الجديد، وأنا داخلة القاعة، بصيت لأبويا لقيته بيبتسم لأول مرة من قلبه من يوم الفضيحة.
همس في ودني وقال
النهارده بنتي داخلة فرحها وهي مرفوعة الرأس... والحق عمره ما بيضيع.
ابتسمت، ومسكت إيد زوجي، وأنا متأكدة إن النهاية السعيدة بتيجي أحيانًا بعد أصعب اختبار بعد ثلاث سنوات...
كنت قاعدة في شرفة بيتي، وابني الصغير بيلعب في الجنينة، وزوجي بينادي عليا علشان نشرب الشاي سوا.
في اللحظة دي، رن تليفوني.
الرقم كان غريب.
رديت.
جالي صوت ضعيف جدًا
أنا... ابن عمك.
اتجمدت مكاني.
قال وهو بيكح
أنا خارج من السجن بعد ما خلصت العقوبة... ومش طالب منك غير خمس دقايق.
رفضت في الأول، لكن فضولي خلاني أوافق أقابله في مكان عام، ومعايا جوزي.
لما شفته، معرفتوش.
كان هزيل، وشعره كله شاب، وعينه مليانة ندم.
أول ما قعد، قال
أنا خسرت كل حاجة... أبويا مات وهو زعلان مني، وأمي تعبت، والناس كلها قطعت علاقتها بيا.
طلع من جيبه ظرف قديم.
وقال
ده جواب كتبته يوم دخلت السجن... كنت ناوي أبعتهولك، لكن خفت.
فتحته.
كان أول سطر فيه
أنا استحق العقاب... لأني حاولت أدمر إنسانة
فضل يعتذر وهو بيبكي.
بصيت له وقلت
أنا سامحتك عشان أريح قلبي... لكن في حاجات عمرها ما ترجع زي الأول.
هز رأسه وقال
عارف... وأنا مش مستني منك أي حاجة.
قام ومشي ببطء.
وأنا كنت ببص عليه، وحسيت إن أكبر عقاب لأي إنسان هو إنه يعيش بقية عمره وهو شايل نتيجة أفعاله.
رجعت بيتي، ابني، وبصيت لجوزي اللي كان واقف مستنيني بابتسامة.
وقلت في نفسي
الحق اتأخر... لكنه وصل.
تمت القصة بعد عدة أشهر...
في صباح هادئ، كنت برتب دولاب قديم في بيت أبويا، ولقيت صندوق خشب صغير عمره سنين.
فتحت الصندوق، ولقيت صور قديمة، وشهادات، وفي آخره ظرف أصفر مكتوب عليه
لا يُفتح إلا بعد ما الحقيقة تظهر.
استغربت جدًا.
فتحت الظرف، ولقيت جواب بخط جدي.
كان كاتب
لو وصلتي للجواب ده، يبقى ربنا أظهر براءتك. فيه سر احتفظت بيه سنين خوفًا على العيلة.
قرأت باقي الجواب، وعرفت إن جدي كان كاتب وصية يقسم فيها جزءًا من أرضه بين أحفاده بالتساوي، لكن والد ابن عمي أخفاها بعد وفاته طمعًا في الاستيلاء على الأرض كلها.
ولما أبويا طالب بحقه، بدأت الخلافات بين العيلتين.
وكان ابن عمي سامع طول عمره إن أبويا هو السبب في ضياع مستقبلهم، فكبر وهو شايل حقدًا وانتقامًا، من غير ما يعرف الحقيقة الكاملة.
لما ظهرت الوصية، اتفتح الملف من جديد، والمحكمة رجعت الحقوق لأصحابها
وقفت قدام قبر جدي، وقرأت له الفاتحة، وقلت
الحق بيتأخر... لكنه بيرجع.
رجعت بيتي وأنا حاسة براحة لأول مرة من سنين.
أما ابن عمي، فلما عرف إن أبوه هو اللي كان سبب كل المصايب، انهار تمامًا، وبعت جوابًا أخيرًا قال فيه
لو كنت عرفت الحقيقة بدري، ما كنتش دمرت حياة حد.
قفلت الجواب، وحطيته في نفس الصندوق، وقلت
الماضي نتعلم منه... لكن منرجعلوش بعد خمس سنوات...
كنت فاكرة إن الحكاية انتهت، وإن الماضي اتدفن خلاص.
لكن في ليلة شتوية، كنت أنا وجوزي قاعدين بنتفرج على التلفزيون، وإذا بجرس الباب يرن.
فتحت.
لقيت ست كبيرة في السن، وشها مرهق، وفي إيديها شنطة جلد قديمة.
قالت بصوت متردد
إنتِ... بنت الحاج محمود؟
هززت راسي.
قالت وهي بتدمع
أنا جاية أصلح غلطة سكتُّ عليها أكتر من عشرين سنة.
دخلت وقعدت، وطلعت من الشنطة ملفًا قديمًا.
قالت
أنا كنت شغالة عند والد ابن عمك، وسمعته قبل وفاته بيعترف إنه هو اللي زرع الكراهية في قلب ابنه، وكان بيكدب عليه ويقوله إن أبوكي سرق حقهم في الورث.
وسلّمتني تسجيلًا صوتيًا قديمًا كان محتفظة به.
في التسجيل، كان صوت والد ابن عمي واضحًا وهو يقول
أنا اللي ظلمت أخويا... ولو الحقيقة ظهرت يوم، سامحوني.
سكتت الست وقالت
كنت خايفة أتكلم... لكن قبل ما أموت، لازم الحق يرجع لأصحابه.
بعد أيام، جمع أبويا كبار
ساد الصمت.
ثم وقف أكبر رجال العائلة وقال
من النهارده... محدش يجيب سيرة البنت دي إلا بكل خير. هي كانت مظلومة من البداية.
في تلك اللحظة، شعرت أن آخر حمل كان فوق قلبي قد سقط.
لم يكن الانتصار لأن الناس صدقتني...
بل لأن الحقيقة ظهرت كاملة، ولم يعد هناك شيء أخشاه.
انتهت سنوات الألم، وبدأ فصل جديد من حياتي، عنوانه راحة البال.
النهاية الحقيقية بعد مرور سنوات طويلة...
كبر أولادي، وكبر معهم إحساسي إن كل جرح في الدنيا له يوم ويطيب.
وفي يوم، ابني الكبير رجع من الجامعة متضايق، ورمى شنطته على الكنبة وقال
يا ماما... واحد زميلي لفّقلي تهمة سرقة، وكل الناس صدقوه.
بصيت له، وافتكرت يوم فرحي... نفس النظرات، ونفس القهر.
ابتسمت وربت على كتفه وقلت
اقعد... هحكيلك حكاية عمرك ما سمعتها.
وقعد يحكيلي وهو فاكر إنها مجرد قصة.
أما أنا... فكنت بحكي له حياتي.
لما خلصت، طلع الصندوق الخشبي القديم، وورّيته الورقة اللي كانت سبب في تغيير مصيرنا.
قرأها، وبعدين بصلي وقال
يعني كل اللي حصل ده... كان حقيقي؟
هززت رأسي.
قلت
أيوه... وعشان كده عمري ما هسمحلك تحكم على حد من كلام الناس.
بعد أيام، زميل ابني اعترف إنه لفّق التهمة بدافع الغيرة، واعتذر قدام الجميع.
رجع ابني البيت، وقال
دلوقتي فهمت ليه كنتِ دايمًا تقولي الحقيقة
ابتسمت، ونظرت إلى السماء، وقلت في سري
الحمد لله... الدرس اللي دفعت
متابعة القراءة