صاحب اخويا بقلم اماني سيد

لمحة نيوز

حاجة.
قلت بسرعة
استنوا!
كلهم بصوا لي.
يوم ما نقلنا الشقة... وأنا بنضف درج الكومود، لقيت ظرف أبيض قديم، وافتكرته فاتورة أثاث... وحطيته جوه كرتونة الورق اللي فوق الدولاب.
مهند قام مرة واحدة.
إنتِ متأكدة؟
أيوه... مستحيل أنساه، لأن عليه ختم أحمر.
جرى ناحية أوضة النوم.
وإحنا كلنا وراه.
طلع الكرتونة، وبدأ يقلب فيها بعصبية.
وفجأة...
طلع ظرف أبيض عليه نفس الختم الأحمر.
الغرفة كلها سكتت.
مهند مسكه بإيده وهو بيبص لكل واحد فينا.
وقال بهدوء
الظرف ده بقاله أكتر من سنة في بيتي...
ولو اللي جواه ليه علاقة بكل اللي حصل...
يبقى الحقيقة كانت قدامنا طول الوقت... وإحنا ولا واحد فينا خد باله فضلنا نبص لبعض في توتر.
رؤوف قال بحزم
محدش يفتح... الأول نشوف مين.
مهند قرب من عين الباب، وبص بره.
وفجأة رجع خطوتين لورا وقال بدهشة
ده المحامي!
استغربنا كلنا.
فتح الباب، فدخل راجل في الخمسينات، شيك، وماسك شنطة جلد سوداء.
قال بأدب
مساء الخير... أنا أستاذ شريف، محامي المرحوم عبدالسلام.
مهند اتجمد مكانه.
محامي عمي؟
هز المحامي رأسه.
أيوه... ودورت عليك كتير، لكن رقمك كان متغير، ولما عرفت عنوانك جيت فورًا.
بص للظرف البني اللي في إيد مهند، وابتسم ابتسامة خفيفة.
واضح إنكم لقيتوه.
سأله رؤوف
حضرتك تعرف
إيه اللي جواه؟
رد بهدوء
أعرف... لأن المرحوم هو اللي سلمني التعليمات.
كلنا قعدنا تاني.
المحامي قال
قبل وفاته بأيام، سلمني وصية بسيطة. قال لي لو في يوم مهند وصل للظرف ده، يبقى روح له فورًا، لأن وقتها هيكون عرف إن سوء التفاهم اللي حصل زمان انتهى.
مهند قال باستغراب
سوء تفاهم إيه؟
فتح المحامي الشنطة، وطلع ملف صغير.
أخرج منه ورقة رسمية.
دي نسخة من محضر قديم.
رؤوف أخدها وقرأ العنوان.
محضر فقدان حقيبة مستندات.
رفع رأسه باستغراب.
إيه علاقة ده بينا؟
المحامي ابتسم.
لأن الحقيبة دي كانت تخص والد مهند.
وفيها كل أوراق قطعة أرض كان ناوي يكتبها وقفًا باسم الأسرة كلها.
لكن يوم ما ضاعت، العيلة اتهمت عبدالسلام إنه هو اللي أخفاها، ومن ساعتها حصل الخلاف الكبير بينهم.
مهند قال بحزن
أبويا مات وهو زعلان من عمي.
وعمك مات وهو زعلان أكتر... لأنه ما قدرش يثبت براءته.
سألته
طيب والظرف؟
قال المحامي
المرحوم عبدالسلام اكتشف قبل وفاته إن الحقيبة ما اتسرقتش أصلًا... لكنها اتحطت بالخطأ في مخزن قديم واتقفلت عليه سنين.
رؤوف قال بدهشة
يعني كل الخلاف كان بسبب غلطة؟
للأسف... أيوه.
المحامي أشار إلى الظرف البني.
والورق اللي جواه هو الدليل اللي كان محتفظ بيه علشان يسلمه لمهند بنفسه... لكن القدر ما إداهوش
الفرصة.
ساد صمت طويل.
مهند بص للظرف، ومد إيده يفتحه.
فتحه بهدوء.
طلع منه مجموعة مستندات قديمة، وصورة تجمع والده وعمه وهم شباب، واقفين جنب بعض ويضحكوا.
خلف الصورة كانت جملة بخط عبدالسلام
لو الصورة دي رجعت لإيدك... أوعى تسمح لسوء الظن يفرق بين أي اتنين بيحبوا بعض، لأن كلمة واحدة من غير تفسير ممكن تهد بيت كامل.
مهند ابتسم لأول مرة من قلبه.
وبص لرؤوف وقال
الحمد لله إننا كشفنا الحقيقة قبل ما الشك يدخل بينا.
لكن في نفس اللحظة...
لفت نظري ظرف صغير جدًا كان واقع بين الأوراق.
ماكانش عليه اسم...
ولا ختم...
ومقفول بالشمع الأحمر.
ولما فتحه مهند بهدوء...
اتغيرت ملامحه مرة تانية، وقال في صوت منخفض
الرسالة دي... مكتوبة باسمي أنا لوحدي فتح مهند الرسالة ببطء، وكلنا كنا مستنيين يعرف إيه اللي فيها.
قرأ أول سطر، وابتسم ابتسامة حزينة.
ناولني الورقة وقال
اقريها... دي تخصنا كلنا.
أخدت الرسالة، وكان مكتوب فيها
يا مهند...
لو وصلت للرسالة دي، يبقى ربنا أراد إن الحقيقة تظهر. يمكن أكون مشيت من الدنيا، لكن كان نفسي أقولك كلمة واحدة متخليش الشك يدخل قلبك أبدًا، لأن الشك بيهدم بيوت أكتر من أي مشكلة تانية.
يوم خطوبتك شفت بعيني إزاي سوء الفهم ممكن يكبر في لحظات، وعشان كده أخفيت الحقيقة لحد ما
أقدر أثبتها.
حافظ على مراتك، واعتبر أخوها أخوك، ومتسمحش لأي مقارنة بين البيوت تفسد المودة بينكم.
خلصت قراءة الرسالة، وحسيت بدموعي بتنزل.
رؤوف قام من مكانه، وحضن مهند وقال
سامحني... أنا كنت فاكر إنك بتتعمد تحرجني قدام مراتي.
ابتسم مهند وربت على كتفه.
وأنا غلطت لما ما شرحتش ليك من الأول. كنت فاكر إن اللي بعمله تشجيع ليك إنك تعبر عن حبك لمراتك، لكن طلع كل واحد فهمه بطريقة مختلفة.
بصت رانيا ليا وقالت وهي مكسوفة
حقك عليا يا جوهرة. كنت بقارن نفسي بيكي من غير سبب، وكل مرة أرجع أزعل من رؤوف بدل ما أتكلم معاه بهدوء.
ابتسمت ومسكت إيديها.
كلنا غلطنا... بس الحمد لله إن الحقيقة ظهرت قبل ما نخسر بعض.
بعدها بأيام، اجتمعنا كلنا على الغداء.
المرة دي كان رؤوف هو اللي بيجهز السفرة بنفسه، وهو بيضحك ويقول
أهو اتعلمت من صاحبي... بس من غير مبالغة.
ضحكنا كلنا، وانتهت كل الغصة اللي كانت في القلوب.
أما المستندات اللي كانت في الظرف، فسلمها مهند للمحامي، واتردت الحقوق لأصحابها، واتصالح أفراد العيلة بعد سنين من الخصام.
ومن يومها، اتفقنا على قاعدة واحدة
أي كلمة تثير الشك... نسأل عنها مباشرة، وما نسيبش خيالنا يفسرها.
لأن الحقيقة اللي اتعلمناها كانت بسيطة جدًا...
مش كل تصرف غريب وراه خيانة،
ومش كل صمت معناه أسرار. أوقات كتير، سوء الفهم هو العدو الحقيقي، والكلام الصادق في وقته ينقذ بيوت كاملة.
تمت.

تم نسخ الرابط