مراتى وقفت جنبى بقلم منى السيد
الإنسان قد يتأخر عنه حلم، لكن الله قد يعوضه بأشياء لا تخطر له على بال بعد عدة أشهر، مرضت زوجتي مرضًا خفيفًا واضطرت أن تمكث في المستشفى أيامًا قليلة.
دخلت عليها الغرفة، فوجدتها تضحك مع الممرضات كعادتها، وكأنها هي التي تواسي الجميع.
إحدى الممرضات قالت لي مبتسمة ربنا يخليهالك... الست دي من يوم ما دخلت وهي رافعة معنويات كل اللي حواليها.
ابتسمت وأنا أنظر إليها، وقلت في نفسي حتى وهي تعبانة... لسه بتدي.
بعدما خرجنا من المستشفى، قررت أعمل لها مفاجأة.
أخذتها إلى البيت القديم الذي بدأنا فيه حياتنا، الشقة الصغيرة التي شهدت أيام الفقر والتعب.
فتحنا الباب، ودخلنا.
وقفت في منتصف الصالة، ونظرت حولها، ثم ابتسمت وقالت هنا بدأ كل شيء.
قلت لها وهنا اتعلمت إن الغنى مش في حجم البيت... الغنى في اللي ساكن معاك فيه.
أخرجت من جيبي مفتاحًا جديدًا، وقلت اشتريت الشقة دي من صاحبها.
نظرت إليّ بدهشة.
قلت مش علشان نسكن فيها... لكن علشان أفضل فاكر منين بدأنا، وما أنساش أبدًا مين كانت أول واحدة آمنت بيا.
احتضنتني وهي تبكي، وقالت أجمل هدية مش الشقة... أجمل هدية إنك لسه فاكر الأيام دي.
ابتسمت وقلت دي الأيام اللي صنعتنا... ولو الزمن رجع، هختارك إنتِ من أول وجديد، حتى لو رجعت أبدأ من الصفر.
وانتهى اليوم كما بدأ زواجنا منذ سنوات... ببيت بسيط، وقلبين ممتلئين بالامتنان بعد فترة، وبينما كنا بنرتب دولاب قديم، لقت مراتي صندوقًا صغيرًا مليان ورق.
فتحته، ولقيت إيصالات ديون قديمة، وفواتير، وأوراق كنت محتفظ بيها من أيام ما كنا بنبدأ.
ضحكت وقالت إنت لسه محتفظ بالحاجات دي؟
قلت كل ورقة فيهم بتفكرني إن ربنا نقلنا من حال لحال، وإن الفضل بعد ربنا كان لصبرك.
قعدنا نقلب في الذكريات، وفجأة لقت جوابًا بخطي.
كان مكتوب فيه من سنين، يوم أول مرة فكرت أستسلم.
قرأته بصوت عالٍ
لو ربنا كرمني يومًا بالمال، أوعى تنسى الست اللي كانت شايفة فيك قيمة قبل ما يبقى ليك قيمة عند الناس.
سكتت، والدموع نزلت من عينيها.
قالت إنت كتبت الكلام ده بجد؟
ابتسمت وقلت كتبته لنفسي... وخبيته علشان لو الدنيا غيرتني أرجع أقراه.
حضنتني
نظرت إليها وقلت لأنك كنتِ دايمًا السبب اللي يفكرني أنا مين.
وفي تلك الليلة، أحرقت كل إيصالات الديون القديمة، لكن احتفظت بذلك الجواب في مكان آمن، وكتبت تحته سطرًا جديدًا
أغلى ثروة امتلكتها في حياتي... لم تكن المال، بل الإنسان الذي لم يتركني وأنا لا أملك شيئًا في صباح اليوم التالي، نزلت أنا ومراتي نتمشى في الشارع اللي كنا ساكنين فيه زمان.
الناس القدام كانوا لسه فاكرينا.
واحد من الجيران وقف وسلم علينا وقال وهو بيضحك سبحان مغير الأحوال... زمان كنتوا بتحسبوا الجنيه، والنهارده ربنا فاتحها عليكم.
بصيت لمراتي وقلت الفرق الوحيد إن زمان كان معانا القناعة... والنهارده لسه معانا القناعة.
ابتسمت، وقالت علشان كده ربنا بارك.
وأثناء ما إحنا ماشيين، شفت راجل كبير في السن بيبيع مناديل على الرصيف.
افتكرت نفسي من سنين، لما كنت أرجع البيت ومش معايا غير كام جنيه.
روحت له، اشتريت كل اللي معاه، واديت له مبلغًا يساعده.
بص لي والدموع في عينيه وقال ربنا يوسع رزقك يا ابني.
ابتسمت وأنا أقول هو وسعه فعلًا... من زمان.
لما ركبنا العربية، سألتني مراتي إيه اللي خلاك تعمل كده؟
قلت لأني فاكر يعني إيه الواحد يحتاج، وما يلاقيش غير ربنا.
سكتت لحظة، ثم قالت علشان كده ربنا هيزيدك... لأنك ما نسيتش أيام الضيق.
مسكت إيدها وأنا أبتسم، وقلت وأيام الضيق دي أجمل حاجة خرجت منها... إنها عرفتني قيمتك الحقيقية.
وسرنا في طريقنا، وكل واحد فينا حاسس إن أغلى نعمة في العمر، مش المال... بل إنك تلاقي إنسان يفضل متمسك بيك في أول الطريق، ويكمل معاك لآخره بعد أيام قليلة، وبينما كنت أجلس في مكتبي، دخل عليّ مدير الحسابات وقال
يا أستاذ، في جمعية خيرية بتبني مركزًا لعلاج غير القادرين، وطلبوا مساهمة من رجال الأعمال.
قرأت الأوراق في هدوء، ثم قلت له هنشارك... لكن بشرط.
استغرب وقال إيه هو الشرط؟
قلت ماحدش يعرف اسمنا. خلي التبرع لوجه الله.
ولما رجعت البيت، حكيت لمراتي.
ابتسمت وقالت هو ده نفس أحمد اللي كان زمان يحسب ثمن رغيف العيش قبل ما يشتريه.
ضحكت وقلت يمكن عشان أنا فاكر طعم
قالت وهي تنظر إليّ بفخر وأنا فاكرة إنك وقتها، رغم الفقر، عمرك ما مدّيت إيدك لحد.
وفي يوم افتتاح المركز، وقف أحد المسؤولين وقال للحضور
في ناس أحبت تعمل الخير في صمت، ورفضت حتى نذكر أسماءها.
بصيت لمراتي، ولقيتها تبتسم في هدوء، كعادتها.
همست لها أهو ده النجاح الحقيقي.
ردت النجاح إن ربنا يستخدمك في خير الناس.
خرجنا من المكان وإحنا حاسين براحة غريبة، كأن كل تعب السنين اتحول لدعوات صادقة من قلوب لا نعرفها.
وقتها أيقنت أن الإنسان قد يجمع ملايين، لكن أجمل رصيد يتركه خلفه هو أثر طيب في حياة الآخرين، وأن الزوجة التي تعين زوجها على الخير... هي أعظم هدية يمكن أن يرزقه الله بها وبعد سنوات طويلة...
شعرت بتعب مفاجئ، فنقلتني زوجتي إلى المستشفى، وجلست بجواري تمسك يدي كما كانت تفعل منذ أول يوم في زواجنا.
ابتسمت لها رغم الإرهاق، وقلت عارفة؟ إنتِ ما سبتيش إيدي يوم.
قالت وهي تحاول تخفي دموعها ووعدتك... أوفي بيه لآخر العمر.
خرج الطبيب بعد الفحوصات وقال مبتسمًا الحمد لله، مجرد إرهاق شديد، لكن لازم ترتاح.
تنفسنا الصعداء، ولما رجعنا البيت، جلست أتأمل صورنا القديمة المعلقة على الحائط.
صورة في الشقة الصغيرة... وصورة يوم أول مشروع... وصورة أول رحلة بعد سنوات التعب... وصورة مع الأطفال اللي كنا بنرعاهم ويعتبرونا أهلهم.
قلت لها لو الزمن رجع بيا، مش هغير ولا يوم من حياتي... حتى الأيام الصعبة.
استغربت وسألت حتى أيام الفقر؟
قلت أيوه... لأن من غيرها ما كنتش هعرف معدنك الحقيقي.
ابتسمت، وأجابت وأنا كمان... لو خيروني بين حياة سهلة من غيرك، أو حياة مليانة تعب معاك... هختارك إنت.
اقتربت منها، وربتُّ على يدها، وقلت الحمد لله إن ربنا رزقني بالإنسانة اللي لما كنت محتاج سند، كانت هي السند... ولما بقيت قوي، فضلت نفس الإنسانة المتواضعة.
وساد بيننا صمت جميل، صمت لا يحتاج إلى كلمات، لأن العمر كله كان قد قال كل شيء بعد فترة، جلسنا معًا في شرفة البيت وقت الغروب، نتأمل السماء كما اعتدنا منذ سنوات.
قالت لي وهي تبتسم فاكر أول شرفة قعدنا فيها؟ كانت بالكاد تكفي كرسيين.
ضحكت وقلت وكانت
ثم أخرجت من جيبها ظرفًا قديمًا، وقالت لقيته وأنا برتب.
فتحته، فوجدت بداخله أول مائة جنيه ادخرناها معًا، وكنا قد كتبنا عليها بداية الحلم.
نظرت إليها متعجبًا إنتِ احتفظتِ بيها كل السنين دي؟
قالت علشان لما النعمة تكبر، ماننساش البدايات.
أخذت الورقة منها، وقبلتها، ثم قلت دي أغلى من أي رصيد في البنك.
وفي تلك اللحظة، دخل ابننا يحمل حفيدنا الصغير بين ذراعيه، وقال مبتسمًا يلا يا جدو... احكيله إزاي بدأتوا من الصفر.
حملت الطفل، ونظرت إلى زوجتي، ثم بدأت أحكي
يا حبيبي... أكبر ثروة في الدنيا مش الفلوس... أكبر ثروة إنك تلاقي إنسان يحبك وأنت لا تملك شيئًا، ويظل يحبك بعدما تملك
كل شيء.
نظرت إلى زوجتي، فوجدتها تبتسم بنفس الابتسامة التي أحببتها منذ عشرات السنين.
وعرفت أن بعض قصص الحب لا تنتهي أبدًا... لأنها تُكتب كل يوم بالمواقف، والوفاء، والرحمة، قبل أن تُكتب بالكلمات. تم في ليلة هادئة، وبعد عمرٍ طويل قضيناه معًا، جلسنا في نفس المكان الذي شهد بداية حكايتنا.
أمسكتُ يدها، وقلت عارفة أكتر حاجة ندمت عليها في حياتي؟
ابتسمت وقالت إيه؟
قلت إني في يوم سمحت لكلام الناس يدخل بينا... وللحظة نسيت إنك كنتِ أعظم نعمة اداهالي ربنا.
ابتسمت، وربتت على يدي، وقالت كلنا بنغلط... لكن مش كل الناس بتعرف ترجع قبل ما تخسر.
في صباح اليوم التالي، استيقظت كعادتي، لكن هذه المرة وجدتها قد فارقت الحياة بهدوء، وعلى وجهها نفس الابتسامة التي صاحبتها طوال عمرها.
انهرت... وشعرت أن البيت، رغم اتساعه، أصبح أضيق من غرفتنا القديمة التي بدأنا فيها حياتنا.
وبين أشيائها، وجدت رسالة كتبتها قبل سنوات، تقول فيها
لو سبقتك يومًا، فلا تحزن كثيرًا... يكفيني أني عشت عمري كله وأنا مطمنة إن الراجل اللي اخترته، فضل وفيًّا للعِشرة، وما باعنيش وقت ضعفي.
أغلقت الرسالة ودموعي تنهمر، ورفعت رأسي إلى السماء، وقلت
الحمد لله يا رب... لأنك هديتني قبل ما أرتكب أكبر ظلم في حياتي.
ومنذ ذلك اليوم، كلما سألني أحد عن سر نجاحي، كنت أجيب
كل اللي وصلت له بدأ بدعوة من زوجة صابرة، وانتهى بدرس لن أنساه أبدًا... الوفاء
تمت.