مراتى وقفت جنبى بقلم منى السيد
المحتويات
سألنا أحد معندكوش أولاد؟ كنت أبتسم وأقول الحمد لله... ربنا رزقنا بالرضا، والرضا أكبر نعمة وبعد شهور، حصل موقف عمره ما هيفارق ذاكرتي.
كنت أنا ومراتي في افتتاح فرع جديد من الشركة، والناس كلها بتهنينا. وسط الزحمة، جه طفل صغير يجري عليها، حضنها بكل قوته وهو بيقول
ماما... نجحت وجبت الدرجة النهائية!
ضحكت وهي مسحت على رأسه وقالت برافو يا حبيبي... أنا فخورة بيك.
بصيت له باستغراب، فقالت لي وهي تبتسم ده ابن الأرملة اللي كنا بنساعدها من سنين. بقى يعتبرني أمه التانية.
بعده بدقائق، جات بنت صغيرة ومعاها باقة ورد، وبعدها شاب في الجامعة، وبعدها بنت اتخرجت من كلية التمريض... وكل واحد فيهم كان بيحكي إزاي مساعدتنا غيرت جزءًا من حياته.
وقفت أتأمل المشهد، وحسيت إن البيت اللي كنت فاكره ناقص طفل... بقى مليان بأولاد من نوع مختلف؛ أولاد جمعهم المعروف، لا الدم.
وفي طريق الرجوع، قلت لها عارفة؟ لو الزمن رجع بيا ألف مرة، واختاروني بين كل الدنيا وبينك... هاختارك إنتِ كل مرة.
ابتسمت وقالت وأنا كنت واثقة إن ربنا هيهدي قلبك، لأن الخير اللي بينا عمره ما كان مبني على طفل أو مال، كان مبني على الرحمة.
أمسكت يدها، ونظرت إلى الطريق أمامنا، وأنا أدرك أن الإنسان قد لا ينال كل ما يتمنى، لكنه إذا رُزق بشريك وفيّ وقلب راضٍ، فقد نال من الدنيا أكثر مما يظن مرت خمس سنين تانيين...
وفي ليلة شتوية هادئة، كنا قاعدين نشرب الشاي في البلكونة، فقالت لي وهي بتبتسم
فاكر اليوم اللي قلتلي فيه إنك عايز تتجوز؟
ابتسمت في خجل وقلت يا ريتني أقدر أمسحه من عمري.
ردت لأ... سيبه. يمكن لولا الوجع ده، ما كناش عرفنا قيمة اللي بينا.
في الأسبوع اللي بعده، رن تليفوني.
قالوا إن في طفل رضيع اتساب بعد ولادته، وإنهم بيدوروا على أسرة مناسبة ترعاه بشكل قانوني.
بصيت لها، ولقيت الدموع مالية عينيها.
قالت بهمس يمكن دي الرسالة اللي كنا مستنيينها من سنين.
بدأنا الإجراءات، وبعد فترة طويلة من المتابعة، دخل الطفل بيتنا لأول مرة.
أول ما شالته بين إيديها، فضلت تبكي من الفرحة، وهي بتردد الحمد لله... الحمد لله.
أما أنا، فافتكرت كل لحظة ضعف، وكل كلمة قالهالي الناس، وحمدت ربنا إني ما ضيعتش الزوجة اللي وقفت جنبي يوم ما مكنش معايا غير كام جنيه.
وقتها فهمت إن الوفاء رزق، وإن الزوجة الصالحة نعمة، وإن الإنسان أحيانًا يفضل يجري ورا باب مقفول، بينما ربنا بيكون مخبيله بابًا تاني أجمل، لكن في وقته بعدها بسنة...
كان ابننا الصغير بيجري في البيت وهو بينادي بابا... ماما... بصوا أنا رسمت إيه!
بصيت للرسمة، لقيته راسم تلاتة ماسكين إيد بعض، وتحتها كاتب بخطه الصغير أحلى عيلة في الدنيا.
مراتي حضنته وبكت، وأنا حسيت إن ربنا عوضنا بطريقة عمرنا ما كنا نتخيلها.
وفي عيد جوازنا، خرجت من جيبي علبة صغيرة وقدمتها لها.
فتحتها باستغراب، لقت فيها الدبلة القديمة اللي كنا بعناها من سنين عشان نسدد ديون المشروع.
قالت وهي بتبكي إنت لسه فاكرها؟
ابتسمت وقلت دي مش مجرد دبلة... دي شاهدة على إنك كنتِ معايا في أصعب أيام عمري.
لبستها الدبلة من جديد، وقالت أجمل حاجة في الدنيا إن الإنسان يلاقي حد يتمسك بيه وهو ضعيف... مش وهو قوي.
في تلك الليلة، جلست أكتب رسالة لأولادي، وكتبت فيها
لو ربنا رزقكم بشريك حياة يحبكم وقت الفقر قبل الغنى، ويتمسك بكم وقت الشدة قبل الفرح... حافظوا عليه بكل ما تملكون. لأن المال ممكن
وأغلقت الدفتر، ونظرت إلى زوجتي وابننا، وأنا أردد في سري
الحمد لله... أحيانًا يؤخر الله أمنية، ليعطيك في المقابل حياة كاملة لم تكن تتخيلها. تم بعد مرور عشر سنوات...
كبر ابننا، وبقى شابًا محترمًا، وكل سنة في عيد جوازنا كان يجيب لنا وردة ويقول
أنا محظوظ إن ربنا اختاركوا تكونوا أهلي.
وفي يوم سألني بابا... إنت عمرك ندمت إنك ما اتجوزتش مرة تانية؟
ابتسمت، وبصيت لمراتي اللي كان الشيب غطى جزءًا من شعرها، لكنها ما زالت بنفس الابتسامة اللي شجعتني وأنا مفلس.
وقلت له
يا ابني... الناس كانت فاكرة إن ربنا حرمني من نعمة، لكن الحقيقة إنه رزقني بنعمة أكبر... رزقني بزوجة وفية. والوفاء لو لقيته في إنسان، تمسك بيه بإيدك وسنانك.
ابتسم ابني، وقبّل رأس أمه وقال
أنا اتعلمت منكم إن الأسرة مش بس دم... الأسرة حب ورحمة وسند.
نظرت إليها، فابتسمت لي بنفس النظرة التي رأيتها أول يوم دخلت بيتنا الصغير منذ سنوات طويلة.
وقتها أدركت أن أجمل قرار في حياتي لم يكن عندما نجحت في التجارة، ولا عندما أصبحت غنيًا...
بل عندما اخترت ألا أفرّط في الإنسانة التي وقفت بجانبي يوم لم يكن في جيبي سوى كام جنيه بعد سنوات، كنت جالسًا في مكتبي، ودخل عليّ شاب جديد يتقدم لوظيفة. بعد المقابلة، وقبل أن يخرج، وقف وقال
حضرتك ممكن متفتكرنيش... لكن زمان كنت الطفل اللي كنتوا بتكفلوا مصاريف دراسته.
ابتسمت وقولت له كبرت وبقيت راجل.
قال وهو متأثر كل اللي وصلت له النهارده كان بعد فضل ربنا، ثم وقفتكم جنبي. وأنا نفسي أبقى سبب في حياة حد زي ما كنتوا سبب في حياتي.
خرج الشاب، ونظرت من نافذة المكتب إلى السماء،
عدت إلى البيت، فوجدت زوجتي كعادتها تعد العشاء.
قلت لها مبتسمًا فاكرة زمان لما كنا خايفين يكون بيتنا فاضي؟
ضحكت وقالت طلع عمره ما كان فاضي... إحنا بس كنا مستعجلين نفهم حكمة ربنا.
جلست بجوارها، وأمسكت يدها، وقلت شكراً... لأنك تمسكتي بيا وأنا فقير، ولأنك سامحتيني لما ضعفت.
ابتسمت وقالت وأنا بشكر ربنا كل يوم إنك رجعت قبل ما نخسر بعض.
ساد الصمت بيننا، لكنه كان أجمل من ألف كلمة.
وفي تلك اللحظة، أدركت أن السعادة الحقيقية ليست في كثرة المال، ولا في كلام الناس... بل في بيت يسكنه الحب، وقلبين يعرف كلٌ منهما قيمة الآخر مرّت الأعوام، وأصبحت قصة حياتنا يعرفها كل من حولنا.
وفي إحدى الليالي، بينما كنا نجلس نتناول العشاء، رنّ هاتفي. كان رقمًا غريبًا.
رددت، فإذا بصوت رجل مسن يقول السلام عليكم... حضرتك الأستاذ أحمد؟
قلت وعليكم السلام... أيوه.
قال أنا والد بنت كانت بتتعالج عند دكتور العقم مع زوجتك من سنين. زوجتك كانت بتواسيها وتساعدها من غير ما تعرفنا. بنتي النهارده خلفت بعد انتظار طويل، وأول حاجة قالتها إنها نفسها تشكر الست اللي كانت بتقول لها متفقديش الأمل في رحمة ربنا.
أغلقت الهاتف، ونظرت إلى زوجتي.
قلت لها إنتِ عمرك ما حكيتِ لي عن ده.
ابتسمت وقالت الخير لما يتعمل لوجه ربنا، مش لازم الناس كلها تعرفه.
اقتربت منها وقبّلت رأسها، وقلت أنا كل يوم باكتشف إن ربنا اختار لي أعظم شريكة حياة.
ابتسمت وهي تقول وأنا كل يوم أحمد ربنا إننا نجحنا نحافظ على بيتنا... رغم كل اللي مر علينا.
وفي تلك الليلة، جلسنا في الشرفة كما كنا نفعل منذ بداية زواجنا، لكن هذه المرة لم يكن الحديث عن المال، ولا عن
كان الحديث كله عن نعمة الرضا، وكيف أن
متابعة القراءة