خطيبي مجاليش بقلم اماني سيد

لمحة نيوز

هاتف الضابط.
رد، وسكت ثواني، ثم تغير لون وجهه.
قال بسرعة
إيه؟! اتقبض عليه؟
ثم أغلق الهاتف، وبص لنا.
للأسف... هرب من الناس اللي كانت بتطارده، لكن وهو بيجري عمل حادث.
أنا سألت بسرعة
هو كويس؟
رد
هو عايش... لكن أول كلمة قالها في المستشفى كانت...
وسكت لحظة.
بابا قال
قال إيه؟
نظر الضابط إلينا وقال
قال بلغوا... أبو العروسة... يسامحني... لأن اللي عملته فيه كان مجرد بداية، وفي حد أكبر مني هو اللي كان بيدير كل حاجة.
في تلك اللحظة، أدركنا أن خطيبي لم يكن سوى قطعة صغيرة في لعبة أكبر بكثير... وأن الاسم الذي سيذكره في التحقيقات قد يقلب حياة أكثر من عائلة رأسًا على عقب.
يتبع...بعد ما افتكرنا إن كل حاجة انتهت، عدّى حوالي ست شهور.
وفي يوم، وأنا راجعة من الشغل، لقيت عربية سودا واقفة قدام بيتنا.
أول ما قربت، نزل منها خطيبي السابق.
لكن شكله كان مختلف تمامًا.
دقنه طويلة، هدومه مكركبة، ووشه باين عليه الإرهاق.
بمجرد ما شافني، جري ناحيتي وقال
أرجوكي... اسمعيني خمس دقايق بس.
بصيتله ببرود وقلت
مفيش بينا كلام.
قال وهو بيبص حواليه بخوف
أنا مش جاي عشان أرجعلك... أنا جاي أحذرك.
اتعجبت.
تحذرني من إيه؟
بلع ريقه وقال بصوت واطي
فاكرة الراجل اللي وقف معاكم في محل الأجهزة؟
هزيت راسي.
قال
الراجل ده... مش بالصدفة كان موجود هناك.
حسيت جسمي كله اتجمد.
تقصد إيه؟
رد وهو بيقرب خطوة
في ناس كانت بتراقبني من زمان... ولما شافوا اللي عملته مع أبوكي، بدأوا يدوروا في حياتي كلها.
قلت بعصبية
وإيه
دخلنا إحنا؟
قبل ما يرد...
وقف قدام البيت عربية تانية، ونزل منها تلات رجالة ببدل سودة.
أول ما شافهم، وشه اصفر، ورجع لورا وهو بيهمس
هما وصلوا...
واحد من الرجالة نادى عليه باسمه وقال
إحنا بقالنا أسبوع بندور عليك.
خطيبي بصلي نظرة كلها خوف، وقال بسرعة
لو سألوكي عني... قولي إنك مشوفتيش حد.
وجري بكل قوته في أول الشارع.
الرجالة جريوا وراه، لكن واحد منهم وقف قدام بابا، اللي كان خارج في اللحظة دي، وقال باحترام
حضرتك والد الآنسة؟
بابا قال باستغراب
أيوه.
الرجل طلع بطاقة من جيبه، وقال
إحنا محتاجين نسأل حضرتك كام سؤال... لأن اسم بنتك موجود في ملف كبير، وهي تعتبر شاهد مهم.
أنا وبابا بصينا لبعض في ذهول...
ملف إيه؟ وشاهد على إيه؟ ولماذا عاد خطيبي بعد كل هذه الشهور ليحذرني؟
يتبع...تاني يوم الصبح، لقينا الضابط بنفسه واقف قدام باب البيت.
وشه كان جاد، وقال
محتاجين حضرتكم تيجوا معانا.
أنا وبابا بصينا لبعض باستغراب.
بابا سأل
فيه جديد؟
الضابط هز رأسه وقال
المتهم فاق من البنج... وطلب يشوف الآنسة ووالدها قبل ما يدلي بأقواله.
ركبنا معاه، وطول الطريق قلبي كان بيدق بعنف.
أول ما دخلنا المستشفى، شفت خطيبي السابق نايم على السرير، إيده متجبسة، ووشه مليان كدمات.
أول ما شاف بابا... نزلت دموعه.
قال بصوت مكسور
يا عمي... أنا ظلمتك.
بابا وقف ساكت.
كمل وهو بيبكي
أنا عمري ما كنت بقرف من شغلك... بالعكس، أبويا كان صنايعي برضه.
أنا صرخت فيه
أمال قلت الكلام ده ليه؟
غمض عينه وقال
لأنهم
قالولي أكسر كرامتكم قدام الناس... عشان تستفزوا وتفسخوا الخطوبة، ويبقى محدش يطالبنا بحاجة.
الضابط سأله
مين هما؟
بص حواليه بخوف، وقال
في واحد اسمه الحاج منصور...
وفجأة...
باب الأوضة اتفتح بعنف.
دخل دكتور ومعاه ممرض، وقال بسرعة
ممنوع أي استجواب دلوقتي... حالة المريض تعبت.
خرجنا كلنا برا.
وبعد خمس دقائق، خرج الدكتور وملامحه متغيرة.
الضابط سأله
خير؟
قال
الغريب إن المريض اختفى.
اتجمدنا كلنا.
اختفى إزاي؟!
الدكتور قال
كان على السرير من شوية... ولما دخلنا لقينا السرير فاضي، وشباك الحمام مفتوح.
الضابط جري ناحية الشباك، وبص لتحت.
كان فيه عربية سودة بتتحرك بسرعة خارجة من المستشفى.
لف ناحيتنا وقال
واضح إن في ناس سبقونا... ومش عايزينه يتكلم.
وفي نفس اللحظة، رن هاتف بابا.
رقم مجهول.
رد...
وجاله صوت بارد قال
قول لبنتك تبطل تدور... عشان الدور الجاي عليها.
وانقطع الخط.
يتبع...بابا فضل ماسك التليفون ثواني، وبعدين قفله بمنتهى الهدوء.
بصلي وقال
من النهارده، مفيش خوف.
استغربت، وقلت
بعد التهديد ده بتقول مفيش خوف؟
ابتسم وقال
اللي يخوف هو السكوت... وإحنا مش هنسكت.
في اليوم التالي، رحنا أدلينا بأقوالنا رسميًا، وسلمنا كل الرسائل والصور والتسجيلات اللي كانت معانا. الراجل اللي ظهر في محل الأجهزة شهد هو كمان، وكذا أسرة تانية قدمت بلاغات بنفس الأسلوب اللي اتنصب عليهم بيه.
وبعد أسابيع من التحقيقات، بدأت الصورة تكتمل.
اتضح أن الحاج منصور كان بيدير شبكة تستغل الخطوبة وسيلة
للنصب. كانوا يختاروا بنات من أسر بسيطة ومحترمة، يضغطوا عليهم بطلبات وتجهيزات، ولو لقوا مقاومة يفتعلوا خناقة، ويهينوا أهل العروسة علشان يفسخوا الخطوبة، ويحاولوا يحتفظوا بالشبكة أو الهدايا أو أي مبالغ اتدفعت.
أما خطيبي السابق، فاعترف بكل حاجة مقابل تخفيف العقوبة، واعترف إنه هو اللي أهان بابا عمدًا تنفيذًا لتعليمات الشبكة.
بعد شهور، صدر الحكم.
اتحكم على أفراد العصابة بالسجن، وخطيبي السابق نال عقوبته هو الآخر بسبب اشتراكه في جرائم النصب والابتزاز، رغم تعاونه مع التحقيق.
بعد انتهاء القضية، طلب يقابل بابا مرة واحدة.
سمحوله.
دخل وهو لابس ملابس السجن، ووشه كله ندم.
وقف قدام بابا وقال
أنا مستنيش تسامحني... بس كنت عايز أقول إن أكتر كلمة وجعتني في حياتي هي لما قلت إني بقرف من إيدك.
بابا بص لإيده الخشنة، وابتسم.
وقال
الإيد اللي بتشتغل بالحلال عمرها ما تعيب صاحبها. العيب في اللسان اللي يجرح الناس، وفي القلب اللي يتكبر عليهم.
نزل الشاب يبوس إيد بابا، لكن بابا سحبها برفق وقال
قوم... التوبة الحقيقية مش بوس إيد، التوبة إنك لو خرجت يوم من الأيام، متكسرش خاطر حد تاني.
خرجنا من السجن، وأنا ماشية جنب بابا، حاسة إني أكسب إنسانة في الدنيا.
بعد سنة، اتقدّملي شاب بسيط، أول مرة دخل بيتنا، قعد مع بابا أكتر من ساعتين، وشرب الشاي اللي عملته ماما، ولما قام يمشي، مسك إيد بابا وقال
أنا فخور إني هبقى نسيب راجل مكافح زي حضرتك.
بصيت لبابا، لقيت عينيه فيها نفس اللمعة اللي كانت
غايبة من يوم الإهانة.
وقتها عرفت إن ربنا أحيانًا يكشف الناس السيئة مبكرًا، ليسرق منك وجعًا أكبر كان ممكن تعيشه بعد الزواج.
تمت.

تم نسخ الرابط