خطيبي مجاليش بقلم اماني سيد

لمحة نيوز

لكنه طلع ورقة مطبوعة من شنطته وقال
دي صورة من القضية.
بابا أخد الورقة وبص فيها، وبعدها ضحك لأول مرة من أول اليوم.
ناولها لأحد الواقفين وقال
اقرأ آخر سطر.
الراجل قرأ بصوت عالي
حُفظت الأوراق... وثبتت براءة المتهم لعدم ارتكابه الواقعة.
الناس بصت لخطيبي باستهجان.
بابا قال بهدوء
من خمسة عشر سنة كنت شغال في عمارة، واتسرقت شقة وأنا موجود في الموقع. اتحقق مع كل العمال، وأنا كنت واحد منهم. النيابة أثبتت براءتي، والحرامي الحقيقي اتقبض عليه بعدها بأيام.
ثم بص لخطيبي وقال
لكن أنت جبت أول الورقة وخبيت آخرها... لأن الحقيقة متعجبكش.
واحد من أصحاب المحلات قال بغضب
هو أنت مبتعرفش تعيش إلا بالكذب؟
بدأ الناس يبعدوا عنه، حتى أمه وشها احمر من الإحراج.
أما أنا، فمسكت إيد بابا، وقلت قدام الجميع
أنا طول عمري فخورة إن أبويا سباك شريف، ومليون واحد زيك ميعملوش قيمة ضفر من ضوافره.
خفض خطيبي رأسه لأول مرة، ولم يجد كلمة واحدة يرد بها، بينما خرجنا من المحل مرفوعي الرأس، بعدما عرف الجميع أن الفقر ليس عيبًا، وأن الكرامة والشرف لا يُقاسان بالمهنة ولا بالمال خطيبي جري ناحية الراجل وهو بيصرخ
هات الموبايل ده!
لكن الراجل رجّع خطوة لورا وقال
متقربش... كل حاجة عليها نسخة، ولو كسرت الموبايل الحقيقة مش هتختفي.
الناس بدأت تتلم أكتر، وأصحاب المحلات خرجوا يشوفوا إيه اللي بيحصل.
فتح الراجل الرسائل قدامنا، وكانت كلها بين خطيبي وصاحبه.
أول رسالة كانت
هضغط عليهم شوية، كل ما أذلهم أكتر هيصرفوا أكتر.
والتانية
لو ملقتش اللي أنا عايزه هسيب البنت، وأقول إن مستواهم ميشرفش.
إيدي كانت بتترعش وأنا بقرأ.
أما بابا، فكان واقف ساكت، لكن دمعة نزلت من عينه. دمعة
وجعتني أكتر من أي كلمة اتقالت.
في اللحظة دي، أمه حاولت تخطف الموبايل وهي بتقول
الرسائل دي مفبركة!
لكن الراجل رد بثقة
طيب افتحي موبايل ابنك قدام الناس، ولو دي مفبركة يبقى أنا أول واحد هعتذر.
خطيبي مسك موبايله بسرعة وقفله، ووشه قلب ألوان.
عرفت وقتها إنه انتهى.
مديت إيدي، وخلعت الدبلة للمرة الأخيرة، وحطيتها في إيده، وقلت
أنا كنت فاكرة إني هتجوز راجل... لكن اكتشفت إنك مجرد شخص بيتلذذ بإهانة الناس.
بابا حط إيده على كتفي وقال
يلا يا بنتي... كرامتنا أهم من أي جواز.
ولفينا نمشي.
لكن قبل ما نخرج من المحل، سمعنا صوت خطيبي وهو بيزعق
استنوا! محدش يمشي... في حاجة لازم تعرفوها عن أبوها... حاجة مخبيها عنكم من سنين!
تجمدت خطواتنا...
وبصيت لبابا، لأول مرة أشوف الخوف ظاهر في عينيه بعد شهر تقريبًا، كنت بدأت أرجع لحياتي الطبيعية، وأحاول أنسى كل اللي حصل.
وفي يوم، وأنا قاعدة مع ماما، رن تليفونها.
كانت واحدة قريبتنا بتقول بانفعال
إنتوا سمعتوا اللي حصل لفلان؟
ماما ردت باستغراب
خير؟
قالت
كان بيكتب كتابه النهارده.
بصيت لماما، وسكتنا نستنى باقي الكلام.
قبل المأذون ما يبدأ، أبو العروسة طلب يشوف قايمة المنقولات اللي هو كان مصمم يكتبها. لقاها فيها طلبات جديدة متضافة في آخر لحظة من غير علمهم... عربية باسم ابنه، ومبلغ كبير يتحط في البنك.
ماما قالت
وده إيه علاقته بيه؟
ردت
لأن اللي ضاف الشروط دي كانت أمه وهو موافق. افتكروا إن أهل البنت هيكسفوا ويتنازلوا.
لكن اللي حصل كان العكس.
أبو العروسة وقف قدام المعازيم كلهم، وقال بهدوء
إحنا بنجوز بنتنا لراجل، مش لتاجر بيفاصل في بنته.
وقام مزق القايمة قدام الجميع، وقال للمأذون
الكتب اتلغى.
العريس
حاول يعتذر، لكن أهل العروسة كانوا عرفوا من ناس كتير إنه سبق وعمل نفس التصرف مع أكتر من بنت.
خرج هو وأمه من القاعة وسط نظرات الناس.
لما قفلت ماما المكالمة، بصت لبابا وقالت
ربنا جاب حقك.
بابا ابتسم وقال
أنا عمري ما كنت مستني حق من حد... كنت بدعي بس إن ربنا ينجي بنتي.
قربت منه، وبوست إيده اللي اتريقوا عليها.
وقلت
الإيد دي عمرها ما كانت سبب عيب... دي كانت سبب ستر ولقمة حلال.
ابتسم، ولأول مرة من يوم الخطوبة، رجعت الضحكة الحقيقية لوشه.
وساعتها أيقنت إن خسارة شخص متكبر لا تُقارن أبدًا بكسب أبٍ كريم، وأن الكرامة إذا ضاعت في بداية الطريق، فلن تعود في نهايته. تمت خرجنا من المحل، وبابا كان ماشي قدامي بخطوات ثابتة، لكن أنا عارفة إن كل كلمة اتقالت كانت عاملة جرح جواه.
ركبنا العربية، ولا حد فينا نطق بحرف.
بعد شوية، بابا قال وهو بيبص من الشباك
حقك عليا يا بنتي... كنت فاكر إني باختارلك راجل يحافظ عليكي.
مسكت إيده بسرعة وقلت
متقولش كده يا بابا... اللي يعتذر هو اللي غلط، وإنت مغلطتش.
ابتسم ابتسامة حزينة، وقال
الحمد لله إنه بان قبل الجواز.
عدى أسبوع، وكنا رجعنا كل الشبكة والهدايا، وقفلنا الصفحة تمامًا.
لكن اللي مكنتش متوقعاه حصل.
في يوم بالليل، جرس الباب رن.
فتحت، لقيت أخو خطيبي واقف لوحده، وشه كله كسوف.
قال
ممكن أدخل؟ أنا جاي أعتذر.
بابا دخله، وقعد ساكت شوية، وبعدها قال
أنا مليش عين أبصلكم... بس لازم تعرفوا الحقيقة.
كلنا بصينا له.
قال
أخويا عمره ما كان شايف نفسه كده زمان... من ساعة ما اشتغل مع ناس أغنيا، بقى مهووس بالمظاهر. كل بنت يتقدملها يفضل يضغط عليها وعلى أهلها لحد ياخد أكتر حاجة يقدر عليها، ولو رفضوا يسيبهم ويشوه
سمعتهم.
سألته
وأنت ساكت ليه كل ده؟
نزل راسه وقال
كنت خايف أخسره... لكن بعد اللي عمله معاكم، عرفت إني كنت بغلط.
ثم أخرج ظرفًا من جيبه، ووضعه أمام بابا.
قال
ده فيه مبلغ كان أخويا أخده منكم بحجة حجز القاعة وبعض التجهيزات... هو رفض يرجعه، وأنا رجعته من مالي.
بابا زق الظرف ناحيته وقال
فلوسي مش هاخدها إلا من اللي أخدها.
أخو خطيبي قام وهو مكسور، وقال قبل ما يمشي
صدقني... الأيام هتعلمه الدرس اللي محدش قدر يعلمهوله.
وفعلًا...
بعد أقل من شهر، سمعنا خبر قلب الدنيا.
لكن لما عرفنا مين البنت اللي كان خاطبها المرة دي، وإيه اللي حصل في كتب الكتاب... عرفنا إن نهايته بدأت من اللحظة اللي أهان فيها راجل شريف قدام بنته بابا أخد نفسًا عميقًا وقال للرجل
اتفضل... خير إن شاء الله.
الرجل فتح البطاقة بسرعة وقال
متقلقوش، محدش متهم هنا. إحنا بنحقق في بلاغات نصب وابتزاز، واسم خطيب الآنسة السابق متكرر في أكتر من واقعة.
قلبي دق بعنف.
قلت
يعني إيه؟
رد
في أكتر من أسرة قالت إنه كان يتقدم لبناتهم، ويضغط عليهم يجيبوا أجهزة وشبكة ومبالغ مالية، وبعدها يفتعل مشكلة ويخلّي أهله يفسخوا الخطوبة، ويحتفظوا بجزء من الهدايا أو الفلوس.
بابا هز رأسه وقال
الحمد لله إن ربنا كشفه بدري.
لكن الضابط قال
في حاجة أغرب من كده.
وأخرج صورة.
أول ما شفتها، شهقت.
كانت صورة لخطيبي... واقف مع شخص لم أره من قبل، لكن الصدمة لم تكن فيه.
الصدمة كانت في المكان.
الصورة متصورة داخل محل الأجهزة نفسه... قبل اليوم اللي رحنا فيه بأسبوع.
قلت باستغراب
هو كان هناك قبلها؟
الضابط قال
أيوه... والتحقيقات بتقول إنه كان متفق مع شخص من داخل المحل على تمثيل مواقف معينة للضغط على أهل العروسة
يشتروا أغلى بضاعة.
بابا قبض على عصايته بقوة.
يعني كل اللي حصل كان مترتب له؟
هز الضابط رأسه وقال
ده اللي بنحاول نثبته.
وفجأة...
رن
تم نسخ الرابط