بنتي رجعت من المدرسة بقلم صابرين محمد
المحتويات
بداخله سوى ورقة مطوية ورسمة صغيرة.
فتح الرسمة أولًا.
كانت مرسومة بألوان خشب، لطفلتين تمسكان أيدي بعضهما، وخلفهما مبنى كبير يشبه الفندق الذي أقامت فيه الرحلة.
أما الورقة، فكانت مكتوبة بخط طفولي
يا ماما... لو نسيت أقولك، أنا اتعرفت على أصحاب جداد، والميس وعدتنا بمفاجأة قبل الرجوع. أول ما أوصل هحكيلك كل حاجة.
قرأ الضابط الرسالة أكثر من مرة.
ثم قال
واضح إنها كتبتها قبل نهاية الرحلة، وكانت ناوية تديها لوالدتها.
أم حنين انفجرت في البكاء وهي تحتضن الرسالة.
أما مريم، فظلت تنظر إلى الرسمة.
ثم قالت فجأة
المفاجأة...
التفتنا إليها جميعًا.
قال الضابط
إيه عنها؟
قالت وهي تحاول تتذكر
بعد العشاء... قالوا هيبقى فيه نشاط صغير قبل النوم.
كل البنات حضروه؟
هزت رأسها بالنفي.
لأ... قسمونا مجموعات.
إزاي؟
قالوا كل مجموعة هتدخل القاعة لوحدها.
سجل الضابط كل كلمة.
ثم سأل
وأنتِ كنتِ مع مين؟
قالت
كنت مع خمس بنات.
وحنين؟
كانت في المجموعة اللي بعدنا.
ساد الصمت.
الضابط أغلق دفتره وقال
يبقى لازم نعرف بالضبط إيه النشاط ده، وليه اتقسمت البنات بالشكل ده.
في نفس اللحظة، دخل أحد الضباط وهو يحمل جهازًا لوحيًا.
قال
يا فندم... التسجيلات وصلت.
بدأ الجميع يشاهد كاميرات محطة الوقود.
ظهر الأتوبيس وهو يتوقف دقائق قليلة.
نزل السائق ليملأ الوقود.
ثم نزلت إحدى المشرفات لتشتري زجاجات مياه.
بعدها عاد الجميع إلى الأتوبيس.
لكن قبل أن يتحرك بثوانٍ...
ظهرت فتاة تقف بجوار الباب، وتحمل حقيبة مدرسية.
الصورة كانت بعيدة وغير واضحة.
أوقف الضابط الفيديو.
ثم قال
كبّر الصورة.
بدأ الفني يحسن جودة اللقطة تدريجيًا.
كل الأنظار كانت معلقة بالشاشة...
وملامح الطفلة بدأت تظهر شيئًا فشيئًا.
أما هوية تلك الطفلة، فلم تكن قد اتضحت بعد الجزء السادس...
حبس الجميع أنفاسهم وهم يراقبون الشاشة.
بعد تحسين الصورة، اتضحت ملامح الطفلة.
قال أحد الضباط
دي مش حنين.
اقتربت أم حنين من الشاشة وهي تمسح دموعها.
أيوه... دي مش بنتي.
تنفس
الضابط أعاد تشغيل المقطع من البداية، ثم أبطأ السرعة.
وفجأة أشار الفني إلى زاوية بعيدة من الصورة.
استنوا... في حد تاني.
ظهر طرف حقيبة مدرسية يتحرك خلف الأتوبيس، لكن بعد ثوانٍ اختفى عن الكاميرا بسبب وجود سيارة كبيرة مرت أمام العدسة.
قال الضابط
هاتوا كاميرات المحطة من الزوايا التانية.
رد الفني
في كاميرا خلفية بتغطي الموقف.
بدأوا تشغيل التسجيل الثاني.
هذه المرة ظهر الأتوبيس من الخلف بوضوح.
وشوهدت جميع الطالبات وهن يصعدن واحدة تلو الأخرى.
الضابط بدأ يعدّهن.
واحد... اتنين... تلاتة...
ثم توقف.
العدد كامل.
نظر إليه الجميع باستغراب.
قال
يعني وقت مغادرة المحطة كانت كل البنات موجودات.
سألته أم حنين بلهفة
أمال بنتي راحت فين؟
رد بهدوء
ده معناه إنها كانت داخل الأتوبيس بعد المحطة.
في تلك اللحظة، دخل أحد أفراد الشرطة يحمل ملفًا.
يا فندم... لقينا دفتر تسجيل الفندق.
فتح الضابط الملف.
كانت أسماء الطالبات كلها مسجلة وقت الوصول ووقت المغادرة.
لكن بجوار اسم حنين كانت هناك ملاحظة قصيرة بخط اليد
نُقلت إلى الغرفة رقم 214 قبل الفجر.
رفع الضابط رأسه.
مين كتب الملاحظة دي؟
نظر موظف الفندق إلى السجل وقال
مش بخط موظفينا.
ثم أضاف
والأغرب... إن الغرفة 214 كانت فاضية أصلًا، ومفيش حد أقام فيها.
ساد الصمت.
وفي المستشفى، كانت مريم تستمع لكل ما يدور.
ثم قالت فجأة
أنا فاكرة الرقم ده.
التفتُّ إليها بسرعة.
214؟
هزت رأسها.
أيوه... لأن حنين سألتني قبل النوم هي الغرفة دي فين... وأنا قلتلها معرفش.
الضابط دوّن المعلومة فورًا.
ثم قال
يبقى أول مكان هنراجعه الصبح... الغرفة 214.
وفي الوقت نفسه، كان فريق آخر قد وصل بالفعل إلى الفندق، وبدأ يفتح الغرف المغلقة واحدة تلو الأخرى...
إلى أن وقفوا أمام باب يحمل الرقم
214.
تبادلوا النظرات...
ثم مد أحدهم يده نحو المقبض ببطء، بينما الجميع ينتظر ما سيجدونه خلف هذا الباب الجزء السابع...
وقف أفراد الشرطة أمام باب الغرفة 214.
أخرج مسؤول الفندق المفتاح الاحتياطي وهو يقول بتوتر
الغرفة دي مقفولة من يوم الرحلة... لأن محدش استلمها أصلًا.
أدار المفتاح ببطء.
فتح الباب...
وأضاء أحد الضباط المصباح.
الغرفة كانت مرتبة بشكل كامل.
السريران كما هما، والستائر مغلقة، ولا يوجد أي أثر لوجود أحد.
تقدم فريق المعاينة يفحص المكان بدقة.
قال أحدهم
واضح إن محدش بات هنا.
لكن ضابطًا آخر أشار إلى الطاولة الصغيرة بجوار النافذة.
استنوا...
كان عليها كوب ورقي فارغ، وبجواره ورقة مطوية.
فتحها بحذر.
لم تكن رسالة، بل كانت جدولًا مطبوعًا لأنشطة الرحلة، وقد وُضعت دائرة بالقلم حول فقرة مكتوب فيها
التجمع النهائي قبل العودة القاعة متعددة الأغراض.
قال الضابط
يبقى آخر نشاط رسمي كان في القاعة.
ثم التفت إلى مدير الفندق.
هل في كاميرات بتغطي القاعة؟
رد المدير
أيوه... لكن التسجيلات بتتحفظ لمدة شهر.
سأله الضابط بسرعة
لسه موجودة؟
ابتسم المدير لأول مرة منذ ساعات وقال
أيوه... الرحلة كانت من أيام قليلة، ولسه متتمسحتش.
أمر الضابط فورًا بإحضار التسجيلات.
وفي المستشفى...
كانت مريم أكثر هدوءًا.
جلست بجوارها أقرأ لها من كتابها المفضل، حتى قالت فجأة
يا ماما...
نعم يا حبيبتي.
أنا افتكرت ليه كنت لابسة البطانية.
سقط الكتاب من يدي.
ليه؟
قالت
لأن هدومي اتبلت لما العصير وقع عليا قبل ما نركب الأتوبيس.
تنفست الصعداء قليلًا.
وده اللي خلاهم يجيبوا البطانية؟
هزت رأسها.
أيوه... والمشرفة قالت أستنى لحد ما هدومي تنشف شوية.
سألتها برفق
وشعرك؟
قالت
غسلته في الفندق... لأن العصير وصل له.
بدأت الصورة تتضح.
أشياء كثيرة بدت غريبة في البداية، لكنها كان لها تفسير مختلف.
لكن بقي سؤال واحد بلا إجابة...
أين ذهبت حنين بعد آخر تجمع؟
بعد ساعات، جلس الضباط أمام شاشة المراقبة في الفندق.
بدأ التسجيل.
ظهرت الطالبات وهن يدخلن القاعة ويخرجن منها في مجموعات.
وفجأة أوقف الفني الصورة.
يا فندم...
اقترب الجميع.
كانت حنين تظهر بوضوح وهي تخرج من القاعة... لكنها
كانت تسير بجوار إحدى المشرفات، وفي يدها ملف أزرق.
ولم تكن تبدو خائفة أو مضطربة.
قال الضابط بهدوء
استدعوا المشرفة دي فورًا...
وقبل أن يغادر أحد لتنفيذ الأمر، رن هاتف الضابط.
استمع لثوانٍ، ثم قال
إيه؟
ساد الصمت في الغرفة.
ثم أغلق الهاتف، ونظر إلى الجميع قائلًا
أسرة حنين اتصلت... قالت إن حنين رجعت البيت منذ دقائق، وهي في حالة إرهاق شديد، لكنها بخير.
وانقلبت القضية كلها في لحظة... لكن بقيت أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابة حول سبب اختفائها، وكيف حدث هذا الالتباس، وما الذي وقع بالفعل أثناء الرحلة الجزء الثامن...
ساد صمت ثقيل داخل غرفة المراقبة.
الضابط أعاد السؤال وهو غير مصدق
رجعت البيت؟
جاءه الرد من الطرف الآخر
أيوه يا فندم... الجيران شافوها داخلة العمارة من عشر دقايق، وأهلها بلغونا فورًا.
أغلق الهاتف، ثم قال
يلا... على بيت حنين.
وصلت الشرطة بعد دقائق.
كانت أم حنين تحتضن ابنتها وهي تبكي، بينما الأب يقف بجوارهما في حالة ذهول.
حنين كانت مرهقة جدًا، لكن لم يكن عليها أي إصابات ظاهرة.
اقتربت منها الطبيبة بهدوء وقالت
مش هنسألك أسئلة كتير... بس إحنا محتاجين نعرف إنتِ كنتِ فين.
شربت حنين قليلًا من الماء، ثم قالت بصوت متعب
أنا... صحيت الصبح بدري قبل ميعاد التحرك.
سألها الضابط
وبعدين؟
افتكرت إن الأتوبيس هيمشي بعد نص ساعة، فنزلت مع إحدى العاملات في الفندق علشان أشتري هدية لماما من الكشك اللي قدام الفندق.
ولما رجعتي؟
نزلت دموعها.
ملقتش الأتوبيس.
نظر الجميع إلى بعضهم.
قالت
فضلت أجري وأسأل... لكن الأتوبيس كان اتحرك.
سأل الضابط
طب ليه ما اتصلتيش؟
قالت وهي تشير إلى حقيبتها
الموبايل كان في الشنطة... والشنطة كانت فوق الأتوبيس.
الأب قال بدهشة
إزاي رجعتي البيت؟
أجابت
إدارة الفندق اتصلت بالرقم الموجود في ملف الحجز، لكن حصل خطأ في رقم واحد، فماحدش رد.
وأضافت
وبعدين بلغوا قسم الشرطة في المدينة، وأنا فضلت معاهم لحد ما تأكدوا من بياناتي، وبعدها ركبوني مع موظف كان
تنفس الضابط بارتياح.
الحمد لله إنك رجعتي سالمة.
في اليوم التالي، اجتمع مسؤولو المدرسة مع أولياء الأمور.
وقف مدير الإدارة التعليمية وقال
اللي حصل كشف عن أخطاء تنظيمية كبيرة.
ثم أعلن
متابعة القراءة