سمعت خبط جوزها بقلم زيزي احمد
المحتويات
كانت داخل الحقيبة، وجدت أن كل مفتاح يحمل رقمًا صغيرًا.
المفتاح رقم 3... هو الوحيد الذي يحمل نفس الرمز المحفور على العصا.
أخفته بسرعة داخل ملابسها.
وفي هذه الأثناء، كان أحمد قد اكتشف اختفاء أمه.
قال لمحمود بغضب
دور عليها... قبل ما توصل لأي حاجة!
رد محمود بقلق
ولو عرفت مكان الملف؟
صرخ أحمد
ساعتها كل اللي عملناه هيروح!
سمعت فاطمة الكلام من خلف سور السرادق، فابتعدت في صمت.
لكن قبل أن تخطو خطوات قليلة، لمحَت رجلًا يجلس داخل سيارة متوقفة على بُعد أمتار، يراقب المكان بمنظار صغير.
لم يكن من أهل العزاء.
ولم يكن من الشرطة.
وما إن لاحظ أنها رأته، حتى أنزل المنظار، وأشار لها بيده أن تختبئ.
بعد ثوانٍ فقط، خرجت سيارة سوداء مسرعة من خلف السرادق، وكادت تصدمها لولا أنها ابتعدت في اللحظة الأخيرة.
نزل أحمد من السيارة وهو ينظر حوله بعصبية.
كان واضحًا أنه بدأ يفقد أعصابه.
لكن المفاجأة جاءت من داخل السرادق.
ارتفع صوت أحد الرجال وهو يصرخ
النعش... النعش مفتوح!
التفت الجميع ناحية القاعة، وجروا إليها.
أما فاطمة، فوقفت مكانها، وقد تجمدت أنفاسها.
إذا كان النعش قد فُتح...
فمن الذي فتحه؟
وهل عبد الرحيم ما زال بداخله؟
أم أن الشخص الذي كان يطرق من الداخل نجح في الخروج قبل أن يصل إليه أحد؟
وفي خضم الفوضى، وصلها تسجيل صوتي جديد على هاتفها من الرقم المجهول.
ضغطت تشغيل.
فجاءها صوت عبد الرحيم، هذه المرة أكثر وضوحًا
يا فاطمة... لو وصلتك الرسالة دي، يبقى أول مرحلة نجحت. لكن افتكري كويس... متصدقيش كل اللي حواليكي، حتى الناس اللي جاية تساعدك. لأن السر الكبير مش بس مخفي... السر متقسم بين ثلاث مفاتيح، وكل مفتاح مع شخص مختلف.
توقفت الرسالة فجأة.
وفي اللحظة نفسها، ظهر محمود على بُعد خطوات منها.
كانت عيناه مثبتتين على يدها...
ثم قال
لقيت المفتاح يا أمي... ولا لسه؟تسارعت أنفاس فاطمة، لكنها لم تُظهر خوفها.
نظرت إلى محمود وقالت بثبات
أي مفتاح؟ أنا مش فاهمة إنت بتتكلم عن إيه.
اقترب منها خطوة، وعيناه لا تفارقان حقيبة الجلد التي كانت تحملها.
قال
أبويا كان دايمًا يخبي كل حاجة في مفاتيح... وأنا متأكد إنه سابلك حاجة.
قبل أن يمد يده نحو الحقيبة، دوى صوت أحمد من داخل السرادق
محمود... تعالى بسرعة!
التفت محمود للحظة، فاستغلت فاطمة الفرصة وابتعدت وسط الزحام.
دخلت غرفة صغيرة كانت تُستخدم لحفظ أدوات الضيافة، وأغلقت الباب خلفها.
فتحت الدفتر القديم لأول مرة، لكنها تذكرت الرسالة
إياكِ تفتحي الدفتر قبل ما توصلي للمخزن القديم.
أغلقت الدفتر فورًا.
لكن شيئًا صغيرًا سقط من بين صفحاته دون أن تنتبه.
التقطته بسرعة.
كانت خريطة مرسومة بالقلم الرصاص، وفي أحد أركانها دائرة حمراء مكتوب بجوارها
بئر الورشة القديمة.
وفي أسفل الخريطة جملة بخط عبد الرحيم
اللي يدور في المخزن هيضيع عمره... البداية الحقيقية تحت البئر.
شعرت فاطمة أن كل ما قيل عن المخزن كان مجرد تمويه.
في تلك اللحظة، سمعت صوت ارتطام قوي بالخارج، ثم صراخ الناس.
فتحت الباب بحذر.
وجدت الجميع متجمعين حول النعش.
اقتربت ببطء، لتسمع أحد العمال يقول وهو يرتجف
الغطا كان مقفول... ولما فتحناه... لقيناه فاضي!
ساد الصمت.
حتى أحمد نفسه بدا مذهولًا، وكأنه لم يكن يتوقع ما رآه.
صرخ أحد المعزين
إزاي نعش مقفول يفضى؟!
ورد آخر
إحنا كنا واقفين قدامه طول الوقت!
وسط الفوضى، لمحَت فاطمة ورقة مطوية داخل النعش الفارغ.
حاول أحمد يلتقطها، لكن عم حسن كان الأسرع.
فتحها، وقرأ أول سطر، فتغير لون وجهه.
ثم رفع رأسه ببطء وقال
عبد الرحيم كتب... اللي يدور عليّا في النعش عمره ما هيلاقيني... دوروا على الحقيقة، مش على الجسد.
وقبل أن يكمل قراءة بقية الرسالة، انطفأت الأنوار مرة أخرى...
وسُمعت من خارج السرادق صفارة قطار قديم، رغم أن أقرب محطة كانت تبعد عشرات الكيلومترات.
نظر عم حسن إلى فاطمة وقال بصوت خافت
بدأ السر يشتغل... والمرحلة اللي بعدها أخطر من كل اللي فات.
ثم أخرج من جيبه مفتاحًا ثانيًا، مطابقًا للمفتاح الذي معها تمامًا، وهمس
لسه فاضل مفتاح واحد... وصاحبه لحد دلوقتي محدش يعرف هو مين تبادلت فاطمة وعم حسن النظرات في صمت.
المفتاح الثاني كان يلمع في يد عم حسن، بينما كانت هي تخفي المفتاح الأول داخل عباءتها.
قالت بصوت مرتجف
يعني عبد الرحيم كان مخطط لكل ده؟
تنهد عم حسن وقال
من يوم ما اكتشف إن حد بيفتش مكتبه كل ليلة... عرف إن الخطر بقى جوه البيت، مش من بره.
في هذه اللحظة، اقترب أحمد وهو يحاول يبدو هادئًا.
قال
يا عم حسن... الورقة دي تخص العيلة، ومن حقنا كلنا نعرف اللي فيها.
طيّ عم حسن الورقة ووضعها في جيبه وقال
هتعرفوا... لكن في الوقت اللي عبد الرحيم اختاره.
اشتعل الغضب في عيني أحمد، لكنه لم يستطع أن يفعل شيئًا أمام الحاضرين.
بعد انتهاء العزاء، أصرت فاطمة أن تعود إلى البيت القديم، البيت الذي بدأت فيه حياتها مع عبد الرحيم قبل عشرات السنين.
دخلت غرفته، وكل شيء كان كما تركه.
الساعة الحائطية القديمة...
المكتبة الخشبية...
ومصحفه المفتوح على نفس الصفحة.
جلست على كرسيه، وفجأة لفت انتباهها أن عقارب الساعة متوقفة عند السابعة وأربع عشرة دقيقة.
تذكرت الأرقام المحفورة على العصا
7 14 3
وقفت بسرعة، وأنزلت الساعة من الحائط.
وجدت خلفها تجويفًا صغيرًا في الحائط، بداخله ظرف مغلق.
فتحته، فوجد ورقة واحدة فقط، مكتوب فيها
لو وصلتي للورقة دي، يبقى عرفتي معنى أول رقمين... أما الرقم الثالث، فهتعرفيه لما تفتحي باب الورشة بالمفتاح رقم 3.
وفي أسفل الورقة عبارة أخرى
إوعي تدخلي الورشة لوحدك... لأن اللي مستخبي هناك مش مجرد دليل... ده شاهد.
شهقت فاطمة.
شاهد؟
يعني فيه شخص يعرف الحقيقة منذ كل هذه السنوات؟
وفي تلك اللحظة، دوّى جرس الباب بقوة.
فتحت الخادمة الباب، ثم جاءت مسرعة وهي ترتجف.
قالت
يا حاجة... فيه راجل واقف بره، بيقول إنه كان شغال عند الحاج عبد الرحيم من ثلاثين سنة.
خرجت فاطمة بسرعة.
كان الرجل عجوزًا، تبدو عليه آثار التعب والسفر.
بمجرد أن رآها، أخرج من جيبه صورة قديمة.
كانت الصورة لعبد الرحيم... وعم حسن... ورجل ثالث مجهول.
وأشار إلى الرجل الثالث وقال
الناس كلها فاكرة إنه مات من خمسة وعشرين سنة...
سكت لحظة، ثم أكمل وهو ينظر حوله بحذر
...لكن الحقيقة إنه لسه عايش، وهو الوحيد اللي يعرف عبد الرحيم اختفى فين أخذت فاطمة الصورة بيد مرتعشة، وظلت تحدق في وجه الرجل الثالث.
كانت ملامحه مألوفة بشكل غريب، لكنها لم تستطع أن تتذكر أين رأته.
قال العجوز وهو يخفض صوته
اسمه الحاج منصور... وكان شريك عبد الرحيم من أول يوم فتحوا الورشة. لكن في يوم واحد، اختفى من حياة الناس كلها، والكل صدق إنه مات.
سألته فاطمة بسرعة
ولو هو عايش... فين؟
هز رأسه وقال
معرفش مكانه... لكن عبد الرحيم كان يقابله كل سنة في نفس اليوم، ونفس الساعة.
أخرج من جيبه ورقة صفراء مطوية، وسلمها لها.
دي آخر أمانة طلب مني أوصلها ليكي.
فتحت فاطمة الورقة، فوجدت سطرًا واحدًا فقط
لو غبت... دوري على منصور عند أول مكان بدأنا فيه الحلم.
في تلك اللحظة، شهق عم حسن، الذي كان قد خرج خلفها، وقال
الورشة القديمة!
لكن قبل أن يكمل كلامه، انطلق صوت محرك سيارة بقوة.
التفت الجميع.
كانت سيارة سوداء تقف أمام البيت، وانطلقت مسرعة بمجرد أن رأت عم حسن.
قال عم حسن بقلق
هما بيراقبونا... لازم نسبقهم.
بعد أقل
المكان كان مهجورًا، والأتربة تغطي كل شيء، لكن اللافتة الخشبية القديمة ما زالت معلقة
متابعة القراءة