سمعت خبط جوزها بقلم زيزي احمد
المحتويات
كبير
مواد سريعة الاشتعال.
ساعتها اتأكدت إنهم مش مستنيين الصبح...
كانوا ناويين ينهوا كل حاجة الليلة.
لكن اللي ماكانوش يعرفوه...
إن السر اللي خبّاه عبد الرحيم من سنين، ماكانش مجرد ثروة.
كان دليل يقدر يقلب أحمد ومحمود من ورثة أغنياء...
إلى متهمين في جريمة أكبر بكتير مما يتخيلوا.
وفي اللحظة اللي فاطمة مدت إيدها ناحية النعش...
سمعت صوت عبد الرحيم من جوه، بصوت ضعيف جدًا
المفتاح... قبل ما يلاقوه...ساد الظلام لثوانٍ، لكن بالنسبة لفاطمة كانت كأنها ساعات.
ضمت جهاز التسجيل والظرف إلى صدرها، وهي تسمع أصوات جري وصريخ برة السرادق.
بعد لحظات، اشتغلت لمبة طوارئ خافتة بلون أصفر، وكشفت منظر أربك الجميع.
أحمد كان واقف مذهول، ومحمود راكع على الأرض جنب واحد من العمال بعد ما اتزحلق وهو بيجري.
لكن فاطمة لاحظت شيئًا أهم.
النعش... مكانه اتغيّر.
اتحرك سنتيمترات قليلة، رغم إن محدش كان واقف جنبه.
في اللحظة دي، دوّى خبط خفيف من الداخل.
ثم خبطتان.
ثم ثلاث خبطات متتالية.
كان نفس الإيقاع اللي عبد الرحيم كان بيستخدمه زمان وهو بيخبط على باب الورشة لما يحب ينادي العمال.
فهمت فاطمة إنه بيحاول يوصل لها رسالة.
لكن أحمد صاح بعصبية
اقفلوا النعش كويس... محدش يقرب منه!
استغرب الحاضرون من انفعاله، لكنه تدارك نفسه بسرعة وقال
أقصد... احترموا حرمة الميت.
بينما كان الجميع منشغلًا، دسّت فاطمة جهاز التسجيل داخل عباءتها، وأخفت الظرف تحت ملابسها.
وفجأة، دخل رجل مسن يسند نفسه على عصا.
ماكانش حد متوقع حضوره.
بمجرد ما شافته فاطمة، اتسعت عيناها.
كان عم حسن...
أقدم شريك لعبد الرحيم، والراجل اللي اختفى من أكتر من عشرين سنة بعد ما باع نصيبه وسافر.
اقترب ببطء من النعش، ووضع كفه عليه، ثم قال بصوت هادئ
عبد الرحيم... نفذت اللي اتفقنا عليه، بس واضح إن
التفت أحمد نحوه بحدة وقال
حضرتك تقصد إيه؟
ابتسم عم حسن ابتسامة غامضة، وأخرج من جيبه ظرفًا مختومًا بنفس الشمع الأحمر الموجود على الظرف الذي وجدته فاطمة.
وقال أمام الجميع
أبوك سلمني الظرف ده من خمس سنين، وقال لي لو موتي جه في ظروف غريبة... سلّمه لفاطمة وبس.
تغير لون وجه أحمد.
أما محمود، فبدأ العرق يتصبب من جبينه.
لكن المفاجأة الأكبر كانت عندما قال عم حسن
وأحب أقول لكم حاجة كمان... المخزن القديم اللي بتدوروا عليه من شهور، فاضي.
صمت الجميع.
ثم أكمل وهو ينظر مباشرة إلى أحمد
لأن عبد الرحيم نقل السر كله من زمان... لمكان مستحيل يخطر على بال أي حد.
في تلك اللحظة، قبض أحمد على يده بغضب، وهمس لمحمود
يبقى لازم نلاقي المفتاح اللي مع أمي... قبل ما عم حسن ينطق بكلمة زيادة.
وفاطمة أدركت أن المفتاح النحاسي الذي تخفيه لم يكن مفتاح خزنة...
بل كان مفتاح السر الذي يسعى الجميع للوصول إليه، وأن الليلة لم تبدأ أخطارها الحقيقية بعد قبضت فاطمة على المفتاح داخل جيبها بقوة، حتى شعرت أن حوافه حفرت في كفها.
كانت تنظر إلى عم حسن، وكأنها تنتظر منه كلمة تطمئنها.
لكنه لم ينطق.
اكتفى بالنظر إلى أحمد ومحمود نظرة طويلة، ثم قال
فيه وصية أخيرة... لكن مش هتتفتح غير في المكان اللي عبد الرحيم حدده.
حاول أحمد يتماسك وقال بابتسامة مصطنعة
أكيد هننفذ وصية أبويا.
رد عم حسن بهدوء
لا... لأن الوصية بتقول إن وجودك إنت أو أخوك يبطل تنفيذها.
ساد صمت ثقيل.
الناس بدأت تبص لبعضها باستغراب، وأحمد حس إن الموقف بيفلت من إيده.
ابتسم بسرعة وقال
أكيد في سوء فهم.
لكن عم حسن أخرج ورقة مطوية من جيبه، ورفعها قدام الموجودين دون أن يفتحها.
وقال
دي نسخة من تعليمات عبد الرحيم، ومكتوب فيها بالحرف لو حاول أي حد يستعجل فتح التركة أو حرق الجثمان قبل
ارتبك محمود، وقال بعصبية
هو حضرتك بتتهمنا بحاجة؟
رد عم حسن
أنا مبتهمش حد... أنا بنفذ أمانة.
وفي تلك اللحظة، اهتز هاتف فاطمة داخل جيبها.
نظرت إلى الشاشة.
رقم غير مسجل.
ترددت ثواني، ثم ردت.
جاءها صوت رجل هادئ يقول
أنا مقدرش أتكلم كتير... لكن افتحي جهاز التسجيل من الدقيقة الرابعة.
وانقطع الخط فورًا.
تجمدت في مكانها.
هي لم تخبر أحدًا أنها عثرت على جهاز تسجيل.
إذن... من المتصل؟
استغلت انشغال الجميع، وخرجت إلى غرفة جانبية.
أخرجت جهاز التسجيل، وقدمت المؤشر إلى الدقيقة الرابعة.
انطلق صوت عبد الرحيم
لو وصلتي للجزء ده يا فاطمة، يبقى فيه شخص هيحاول يساعدك من غير ما يعلن نفسه. ثقي فيه، لأنه الوحيد اللي عرف الحقيقة كاملة... لكن خلي بالك، الحقيقة اللي هتعرفيها مش هتكون عن الفلوس ولا المصانع.
توقف التسجيل لحظة، ثم أكمل
أحمد ومحمود مش بيدوروا على ثروة وبس... هما بيدوروا على ملف قديم، لو خرج للنور، هتتغير حياة ناس كتير، وهيظهر سبب اختفاء ثلاثة رجال من شركاء المصنع من خمسة وعشرين سنة.
شعرت فاطمة بقشعريرة.
طوال عمرها كانت فاكرة إن الشركاء سافروا للخارج.
لكن يبدو أن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
وقبل أن تسمع بقية التسجيل...
انفتح باب الغرفة ببطء.
وظهر شخص يقف في الظلام.
لم تستطع تمييز ملامحه.
لكنه قال جملة واحدة جعلت الدم يتجمد في عروقها
لو عايزة تنقذي عبد الرحيم... تعالي معايا حالًا... لأن الوقت خلاص بيخلص تراجعت فاطمة خطوة للخلف، وهي تضم جهاز التسجيل إلى صدرها.
حدقت في الرجل الواقف عند الباب، لكن الإضاءة الخافتة كانت تخفي ملامحه.
قالت بحذر
إنت مين؟
رد بصوت منخفض
أنا واحد كان مدين لعبد الرحيم بعمره كله... ومفيش وقت للشرح.
ترددت للحظة.
لكنها تذكرت الخبط اللي سمعته من
خرجت خلف الرجل من باب جانبي يؤدي إلى ساحة خلف السرادق، بعيدًا عن أعين أحمد ومحمود.
هناك كانت تقف سيارة قديمة.
فتح الرجل بابها، وأخرج منها حقيبة جلدية سوداء.
ناولها لفاطمة وقال
عبد الرحيم سلّمني الحقيبة دي من ست شهور، وقال لي لو حصل لي حاجة فجأة، متسلمهاش غير لفاطمة.
فتحت الحقيبة بسرعة.
لم تجد أموالًا ولا عقود ملكية.
وجدت دفترًا قديمًا، وساعة جيب فضية، ومجموعة مفاتيح مختلفة الأحجام.
وفوقهم ظرف مكتوب عليه بخط عبد الرحيم
السر مش في اللي جوه النعش... السر في اللي خرج منه.
ارتبكت فاطمة.
كيف خرج شيء من النعش وهو لم يُفتح أصلًا؟
وقبل أن تسأل، قال الرجل
عبد الرحيم كان دايمًا يحسب لكل خطوة. من أسبوع طلب مني أصنع نسخة مطابقة للنعش.
شهقت فاطمة.
نسخة؟
أومأ برأسه وقال
كان شاكك إن حد هيحاول يتخلص منه بسرعة. لكنه كان بيجهز خطة يكشف بيها الحقيقة.
وفي هذه اللحظة، دوّى صوت سيارات تقترب من السرادق.
التفت الرجل بسرعة، وقال
هما عرفوا إنك خرجتي.
وفي نفس اللحظة، رن هاتف فاطمة برسالة قصيرة من رقم مجهول.
فتحتها، فوجدت سطرًا واحدًا فقط
إياكِ تفتحي الدفتر قبل ما توصلي للمخزن القديم... لأن أول صفحة فيه هي السر اللي الكل مستعد يقتل عشانه.
رفعت رأسها لتنظر إلى الرجل...
لكنها فوجئت بأنه اختفى تمامًا، كأنه تبخر في الظلام.
ولم يبقَ في مكانه سوى عصاه الخشبية... وعليها نفس العلامة المحفورة الموجودة على المفتاح النحاسي الذي تركه لها عبد الرحيم.
في تلك اللحظة، أدركت فاطمة أن السر الذي كانت تظنه متعلقًا بالميراث...
أكبر بكثير، وأن كل خطوة تخطوها من الآن قد تكشف الحقيقة... أو توقعها في أخطر فخ في حياتها حملت فاطمة العصا الخشبية، وقلبتها بين يديها.
كانت العلامة المحفورة عليها
7 14 3
في البداية ظنت أنها مجرد أرقام عشوائية، لكن عندما فتحت مجموعة المفاتيح التي
متابعة القراءة