سمعت خبط جوزها بقلم زيزي احمد

لمحة نيوز

سمعت خبط جوزها من جوه النعش... واكتشفت إن ولادها كانوا مستنيين الحرق عشان يخلصوا عليه
وقف أحمد جنب نعش أبوه وقال بصوت واطي وهو بيبص للناس لو حد سأل... أمي مش بقت في كامل قواها، ومينفعش تاخد أي قرار لوحدها.
في اللحظة دي، الحاجة فاطمة حسّت إن رجليها مش شايلينها.
سرادق العزا كان مليان ورد أبيض، وشموع، والناس داخلة طالعة تدعي للمرحوم. وفي النص كان راقد الحاج عبد الرحيم... جوزها اللي عاش معاها ستة وأربعين سنة.
عبد الرحيم كان راجل عصامي. بدأ حياته بورشة صغيرة، وبعد سنين تعب بقى عنده كذا مصنع، وعمارة، وأراضي، وربّى ولاده على إن الرزق بييجي بالتعب.
وكان دايمًا يقول الفلوس مبتغيرش الناس... هي بس بتكشف حقيقتهم.
لكن الظاهر إن ولاده أحمد ومحمود فهموا الجملة بالعكس.
كانوا لابسين أسود شيك، واقفين يستقبلوا المعزين وكأنهم في اجتماع شغل، وكل واحد فيهم حافظ دوره.
الناس كانت تهمس يا حرام الست فاطمة... الحمد لله إن ولادها حواليها.
ابتسمت فاطمة ابتسامة مكسورة.
ولادها؟
من شهور وهم ساحبين منها كل حاجة.
مرة خدوا مفاتيح عربيتها بحجة إنها كبرت في السن.
وبعدين بقوا يراجعوا حساباتها في البنك.
وبعدها أحمد بقى يقولها كل شوية متمضيش على أي ورقة غير لما أشوفها.
أما محمود فكان كل يوم يقترح يجيب لها ممرضة، مع إنها كانت بتطبخ وتمشي وتعمل كل حاجة بنفسها.
الحاج عبد الرحيم كان واخد باله.
وقبل وفاته بأيام قال لها خلي بالك يا فاطمة... اللي يستعجلك على الإمضا، يبقى عايز يمنعك تفكري.
وبعدها بثلاث أيام...
وقع فجأة جنب سفرة الأكل.
فنجان القهوة اتكسر على الأرض.
والدكتور سامح وصل قبل الإسعاف، كشف عليه بسرعة وقال دي أزمة قلبية... البقاء لله.
ومن ساعتها أحمد استلم كل حاجة.
العزا.
الدفنة.
وحتى ميعاد الحرق... لأنه قال إن أبوه أوصى بكده.
فاطمة عمرها ما سمعت جوزها قال الكلام ده.


بعد ما الشيخ خلص الدعاء، قربت من النعش.
بصت في وش جوزها من خلال الزجاج وهمست سيبتني لوحدي ليه يا عبد الرحيم؟
وفجأة...
عبد الرحيم فتح عينيه.
اتجمد الدم في عروقها.
بصلها برعب... وكأنه بيستنجد بيها.
وبعدين رفع صباعه على شفايفه...
إشارة واحدة.
اسكتي.
في اللحظة دي جه أحمد من وراها وقال مالك يا أمي؟
اتلخبطت وقالت يمكن تعبت شوية.
مسكها محمود من دراعها جامد وقال ابعدي عن النعش... إنتِ مرهقة.
لكن فاطمة كانت متأكدة.
هي شافت اللي شافته.
ولما الليل دخل، والناس بدأت تقل، أحمد جاب لها كباية ينسون وقال اشربي... هيريح أعصابك.
قربت الكوباية من مناخيرها.
ريحة اليانسون كانت موجودة...
لكن كان فيه ريحة مُرّة غريبة... نفس الريحة اللي كانت طالعة من فنجان القهوة قبل ما عبد الرحيم يقع.
عملت نفسها شربت...
وسابت السائل ينزل في منديل مستخبي في إيدها.
بعدها محمود دخل وحط قدامها قرص أبيض.
وقال الدكتور سامح قال تاخديه قبل النوم.
حطته في بقها...
ولما خرجوا، جريت على الحمام ورمته.
وهي راجعة، سمعت صوتهم بيتكلموا برا الأوضة.
أحمد قال بصوت واطي الدكتور هييجي بدري الصبح بالشهادة... والمحامي جهز توكيل أمي.
رد محمود وهو متوتر ولو أبويا فاق قبل...؟
قاطعه أحمد بسرعة مستحيل... السم كفاية، ولو محصلش... النار هتخلص الباقي.
حست فاطمة إن الأرض بتميد بيها.
ماكانوش بيودعوا عبد الرحيم...
كانوا حابسينه حي جوه النعش...
ومستنيين الحرق يخلص عليه لو السم فشل وووو
بقلم_زيزي_احمد
اتجمدت فاطمة مكانها أول ما سمعت الهمسة.
المفتاح... قبل ما يلاقوه...
بصت حواليها بسرعة، لكن السرادق كان شبه فاضي، وآخر المعزين كانوا خارجين.
مدت إيدها ناحية النعش، ولمست الخشب بخفة، فجالها نفس الصوت مرة تانية، أضعف من الأول
المخزن... تحت الميزان...
قبل ما تقدر ترد، دوّى صوت أحمد من آخر القاعة
يا أمي! بتعملي
إيه هناك؟
سحبت إيدها بسرعة، ولفت ناحيته وهي بتحاول تخبي ارتباكها.
قالت بهدوء
كنت بودعه.
ابتسم ابتسامة باردة وقال
كفاية كده... العربية مستنية تنقل النعش.
لكن فاطمة لاحظت حاجة غريبة.
العربية اللي واقفة برا ماكنتش عربية نقل موتى.
كانت عربية نقل بضائع مقفولة، من غير أي علامة أو اسم.
وده زوّد شكها أكتر.
في اللحظة دي، دخل الدكتور سامح ومعاه حقيبة سوداء صغيرة، وبص لأحمد وقال بصوت منخفض
لازم نتحرك بسرعة... الوقت مش في صالحنا.
رد أحمد
ولا يهمك... أمي هتطلع مع خالتي، وإحنا هنخلص الإجراءات.
فاطمة فهمت إنهم بيحاولوا يبعدوها عن النعش.
وافقت من غير اعتراض، لكن أول ما خرجوا للحوش، ادعت إنها نسيت مسبحتها جوه.
رجعت تجري قبل ما حد يمنعها.
دخلت القاعة، ولأول مرة بقت لوحدها مع النعش.
طلعت المفتاح النحاسي من جيبها، وكانت مستغربة هيستخدمه في إيه.
لكن وهي بتبص في جوانب النعش، لمحت فتحة صغيرة جدًا مخفية تحت إطار الزجاج.
جربت المفتاح...
لف مرة واحدة.
صدر صوت تك.
وانفتح درج سري رفيع في جانب النعش.
جواه ظرف تاني، ومسجل صوت صغير.
ضغطت على زر التشغيل.
وانطلق صوت عبد الرحيم، وكأنه كان متوقع اللحظة دي
يا فاطمة... لو سمعتي الرسالة دي، يبقى الخطة اللي كنت خايف منها بدأت. أحمد ومحمود فاكرين إن السر في الورق والأملاك... لكن الحقيقة إن في حاجة أهم بكتير مستخبية تحت المخزن القديم. الحاجة دي لو ظهرت، هتكشف جريمة اتدفنت من أكتر من خمسة وعشرين سنة... جريمة غيرت مصير العيلة كلها.
وقبل ما يكمل التسجيل...
انفتح باب القاعة بعنف.
ورفع أحمد صوته وهو بيصرخ
أمي... ابعدي عن النعش!
وفي نفس اللحظة، انطفأت كل الأنوار، وغرق المكان في ظلام تام...
ثم سُمعت صرخة قوية من خارج السرادق، أعقبها صوت ارتطام عنيف، كأن شخصًا سقط على الأرض...كانت فاطمة واقفة مكانها، قلبها بيدق بعنف، وهي بتحاول
تستوعب اللي سمعته.
ولو أبويا فاق قبل...؟
الجملة كانت بتتردد في ودانها كأنها صدى.
يعني عبد الرحيم لسه عايش...
رجعت أوضتها وقفلت الباب بالمفتاح لأول مرة من سنين. فتحت الدولاب، ومدت إيدها في درج قديم كان عبد الرحيم مانع أي حد يقرب منه.
كانت فاكرة إنه فاضي...
لكن وهي بتلمس الخشب، حسّت بحاجة بارزة من تحت بطانة الدرج.
شدتها بهدوء...
طلعت علبة حديد صغيرة عليها تراب، ومقفولة بقفل قديم.
وفوق الغطا ورقة صغيرة بخط عبد الرحيم.
لو وصلتي للعلبة دي... يبقى أنا كنت عارف إنهم هيستعجلوا.
دموعها نزلت من غير ما تحس.
لكن قبل ما تفتح العلبة، سمعت صوت مفتاح بيلف في باب الأوضة.
أحمد.
خبّت العلبة بسرعة تحت الملاية، وقعدت على السرير.
دخل أحمد بابتسامة باردة وقال
لسه منمتيش يا أمي؟
قالت وهي بتحاول تثبت صوتها
النعاس مش جاي.
بص حواليه كأنه بيفتش عن حاجة، وبعدين قال
بكرة يوم طويل... لازم ترتاحي.
ولما خرج، سابت الباب موارب.
كان واضح إنه متعمد.
استنت لحد ما خطواته بعدت، وفتحت العلبة.
جواها ماكانش فيه دهب... ولا فلوس.
كان فيه فلاشة صغيرة... ومفتاح نحاس قديم... وظرف مختوم بالشمع الأحمر.
فتحت الظرف الأول.
كانت أول جملة فيه
أوعي تثقي في شهادة وفاة يجيبها الدكتور سامح... لأنه من سنة كاملة مبقاش دكتور العيلة.
وتحتها صورة.
الصورة كانت لعبد الرحيم واقف قدام مكتب، ومعاه راجل كبير في السن، ووراهم خزنة حديد ضخمة.
على ضهر الصورة مكتوب
السر الحقيقي مش في المصانع... السر تحت المخزن القديم.
وفي نفس اللحظة، وصل لفاطمة صوت خبط خافت...
مرة...
واتنين...
وتلاتة...
الخبط كان جاي من ناحية قاعة العزاء.
خرجت تمشي على أطراف صوابعها، والمكان كله هادي.
كل ما كانت تقرب من النعش، الخبط كان بيعلى.
وقبل ما توصل بخطوتين، شافت محمود خارج من باب جانبي وهو شايل جركن معدني كبير، وحاول يخبّيه أول
ما لمحها.
ابتسم بتوتر وقال
دي مواد تنظيف يا أمي... هننضف المكان بعد ما الناس تمشي.
لكن فاطمة لمحَت على الجركن علامة حمراء مكتوب عليها بخط
تم نسخ الرابط