السنه إلى عمى اتجنن فيها
سبب في إنقاذ حياة كثيرين من بعده.
النهاية الحقيقية بعد افتتاح بيت الرحمة بسنة، كنت قاعد مع عمي يونس في الجنينة، لما عربية فخمة وقفت قدام البيت.
نزل منها شاب في أواخر العشرينات، ومعاه سيدة كبيرة في السن.
أول ما شافت عمي، وقفت تبكي.
قالت بصوت مرتعش
إنت... يونس؟
بصلها عمي طويلًا، وفجأة اتسعت عينه.
نوال؟
طلعت نوال زميلته في الجامعة، والبنت اللي كان ناوي يتقدم لها قبل ما حياته تتقلب.
قالت وهي تمسح دموعها
دورت عليك سنين... قالولي إنك سافرت، وبعدها قالولي إنك توفيت.
حكى لها كل اللي حصل، من غير ما يزود كلمة أو ينقصها.
فضلت ساكتة، ثم قالت
أنا اتجوزت، وخلفت، وبعدها ترملت... لكن عمري ما نسيتك.
الشاب اللي معاها ابتسم وقال
أنا ابنها... وهي أصرت تيجي تشوفك بنفسها بعد ما قرأت مذكراتك.
جلسوا بالساعات يتكلموا عن أيام الجامعة، وعن الأحلام اللي الزمن سرقها.
ولما قاموا يمشوا، مدت نوال إيدها لعمي وقالت
يمكن الزمن ضيع العمر... لكنه مقدرش يضيع الذكريات.
ابتسم عمي لأول مرة من قلبه، ورد
والحمد لله... إنه رجعلي اسمي وكرامتي قبل ما أمشي من الدنيا.
غادرت السيارة ببطء، وظل عمي يتابعها بعينيه حتى اختفت.
ثم التفت إليّ وقال
يا أحمد... الإنسان ممكن يخسر سنين، لكن لو فضل قلبه نضيف، ربنا بيعوضه بطريقة عمره ما يتخيلها.
كانت الشمس وقتها بتغيب خلف شجرة الجميزة...
الشجرة نفسها التي شهدت يومًا السلسلة والظلم.
أما اليوم...
فكانت تظلل بيتًا امتلأ بالرحمة،
في صباح يوم جمعة، طلب مني أوديه لشجرة الجميزة.
استغربت، لأننا من سنين ما كناش بنقرب منها.
لما وصلنا، لمس جذعها بإيده، وقعد تحتها في نفس المكان اللي كان مربوط فيه زمان.
قال وهو بيبتسم
عارف يا أحمد... زمان كنت بافتكر إن الشجرة دي شاهدة على أسوأ أيام عمري.
سكت لحظة، وبعدين كمل
لكن دلوقتي فهمت إنها كمان شاهدة على أول إنسان حنّ عليا... طفل عنده اتناشر سنة، كان شايل قرصة عيش في حضنه.
نزلت دموعي من غير ما أحس.
قال لي
إوعى تفتكر إنك كنت صغير ومكنتش فاهم... الرحمة عمرها ما ليها سن.
مد إيده في جيبه، وطلع ساعة يد قديمة متوقفة عقاربها.
ناولني إياها وقال
دي كانت آخر حاجة اشتريتها من أول مرتب أخدته وأنا معيد في الجامعة قبل ما حياتي تتغير.
بصيت له باستغراب.
كنت محتفظ بيها ليه؟
ابتسم وقال
عشان أفكر نفسي إن الزمن ممكن يقف... لكن الأمل لأ.
وفي اللحظة دي، سمعنا أصوات أطفال خارجين من بيت الرحمة، بيضحكوا ويجروا في الجنينة.
بص لهم عمي طويلًا، وقال
شايفهم؟
قلت أيوه.
قال
لو واحد بس منهم كبر من غير ما يتظلم زيي... يبقى كل اللي عشته مكانش راح هدر.
بعدها بأيام قليلة، رحل عمي يونس في هدوء، وهو ساجد في صلاة الفجر.
وفي جنازته، حضر أهل القرية كلهم... الصغير قبل الكبير.
لم يعد أحد يذكره بالرجل المجنون.
بل كانوا يرددون
الله يرحم الدكتور يونس... الرجل الذي علّمنا أن الرحمة تنقذ إنسانًا، وأن الظلم قد يكسر الجسد... لكنه لا يهزم الحقيقة إلى الأبد.
ومنذ ذلك اليوم، بقيت كلما مررت بجوار شجرة الجميزة، أبتسم...
لأنها لم تعد تذكرني بالسلسلة.
بل تذكرني بالقرصة... التي بدأت منها الحكاية كلها بعد وفاة عمي يونس بأربعين يومًا، كنت بقلب في مكتبه الصغير داخل بيت الرحمة، أرتب أوراقه كما أوصاني.
لفت نظري ظرف أبيض مكتوب عليه بخطه
لا يُفتح إلا بعد رحيلي... إلى أحمد.
فتحت الظرف وقلبي بيدق.
كان فيه خطاب طويل، وفي آخره مفتاح صغير.
بدأت أقرأ
يا أحمد...
لو أنت بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا خلاص ارتحت.
الناس كلها كانت فاكرة إنك أنقذتني يوم كسرت السلسلة...
لكن الحقيقة إنك أنقذتني قبلها بكتير.
يوم ما قسمت معايا لقمة العيش، حسيت لأول مرة إن لسه فيه حد شايفني بني آدم.
دموعي نزلت على الورقة.
وكمل في الخطاب
المفتاح ده يفتح دولاب صغير في آخر الأوضة.
فيه حاجة سيبتها ليك.
قمت بسرعة، وفتحت الدولاب.
كان فيه صندوق خشبي بسيط.
جواه القلم اللي كان بيكتب بيه في الجامعة...
وساعته القديمة...
وصورة لينا إحنا الاتنين، أنا طفل وهو بيحضني يوم افتتاح بيت الرحمة.
وتحتهم ورقة أخيرة مكتوب فيها
لو الناس سألتك يومًا مين كان بطل قصتي...
قول لهم
ولا أنا...
ولا اللي رجعلي حقي...
البطل الحقيقي كان طفل صغير، رفض يصدق إن الرحمة عيب.
قفلت الصندوق وأنا ببكي.
ومن يومها، بقيت أحكي قصة
ليس لأن فيها ظلمًا...
بل لأن فيها درسًا لن أنساه ما حييت
أحيانًا، لقمة خبز... وكلمة طيبة... وشجاعة طفل...
تغيّر مصير إنسان... بل ومصير أجيال كاملة.
تمت بحمد الله مرت عشرون سنة أخرى...
وأنا بقيت راجل كبير، وشعري بدأ يشيب، لكن كل سنة في نفس اليوم، كنت بروح أقف تحت شجرة الجميزة.
في المرة دي، كان معايا حفيدي الصغير يونس، اللي سميته على اسم عمي.
شدني من إيدي وسألني
يا جدو... ليه كل الناس بتحب الراجل اللي صورته معلقة في بيت الرحمة؟
ابتسمت، وقعدت على الأرض جنبه.
قلت له
لأنه علّمنا إن الإنسان ممكن يمرض... لكنه عمره ما يفقد إنسانيته.
بص للشجرة وقال
هو كان مربوط هنا بجد؟
هززت راسي.
سكت شوية، ثم جري ناحية الشجرة، وحضنها بإيديه الصغيرين.
وقال بعفوية الأطفال
خلاص... محدش هيزعل هنا تاني.
ابتسمت، لكن دموعي نزلت من غير ما أحس.
في اللحظة دي، حسيت إن رسالة عمي وصلت للجيل الجديد.
وفي طريق رجوعنا، مرينا على بيت الرحمة.
لقيت على البوابة لوحة جديدة، كان العاملين في المركز حاطينها من غير ما أعرف.
مكتوب عليها
إهداء إلى الطفل أحمد...
الذي أثبت أن الرحمة لا تحتاج قوة، بل تحتاج قلبًا لا يخاف.
وقفت أبص للوحة طويلًا.
لأول مرة في حياتي، حسيت إن كل وجع السنين تحول إلى نور.
رفعت عيني للسما وقلت بهدوء
اطمن يا عمي يونس...
ولا السلسلة اتنسيت...
ولا القرصة اتنسيت...
ولا الدرس اللي علمتهولنا هيتنسي.
وهكذا انتهت الحكاية...
لكن بقيت الرسالة حية في كل قلب يختار الرحمة بدل القسوة، والعدل بدل الظلم.
النهاية الأخيرة.