السنه إلى عمى اتجنن فيها
المحتويات
ورجع حق عمي يونس كامل.
لكن الفلوس والأرض ماقدروش يرجعوا له العمر اللي ضاع وهو مربوط بالسلاسل.
قرر يبيع نصيبه، وسافر للقاهرة يتعالج على إيد دكتور متخصص.
وبعد سنة تقريبًا، رجع للعزبة... لكن رجع إنسان تاني.
شعره اتقص، هدومه بقت نضيفة، ونظرته بقت ثابتة، ورغم آثار السنين اللي كانت باينة على وشه، إلا إن ابتسامته رجعت زي ما شفتها أول مرة لما قسم معايا القرصة.
أهل البلد كانوا بيبصوا له في كسوف.
ناس كتير راحت تعتذر.
بعضهم بكى، وبعضهم حاول يبرر، لكنه كان يرد بنفس الجملة
اللي فات مات... المهم محدش يكرر اللي حصل معايا.
أما جدي، فما استحملش تأنيب الضمير.
كل يوم كان يروح يقف تحت شجرة الجميزة، يبص للسلسلة اللي لسه آثارها موجودة في جذع الشجرة، ويقعد يعيط بالساعات.
وفي يوم، راح لعمي يونس وقال
سامحني... قبل ما أموت.
سكت عمي لحظات طويلة، ثم قال
أنا سامحتك من زمان... لكن سامح نفسك لو تقدر.
بعدها بأيام قليلة، توفي جدي.
وفي يوم دفنه، وقف عمي يونس عند قبره، قرأ له الفاتحة، ومشى من غير ما يقول كلمة.
أما أنا، فكلما عدّيت من جنب شجرة الجميزة، افتكرت الطفل اللي كسر القفل بقالب طوب، وهو فاكر إنه بينقذ راجل واحد.
لكن الحقيقة...
إنه في الليلة دي، كسر سلسلة الظلم كلها، وحرر إنسانًا كان محتاج الرحمة أكثر من أي شيء آخر.
تمت بعد دفن جدي بأسبوع، كنت فاكر إن الحكاية خلصت.
لكن وأنا بنضف الأوضة القديمة اللي كان بينام فيها، لقيت مفتاح صغير مربوط بخيط جلدي، وتحته ورقة مطوية مكتوب عليها بخط جدي
المفتاح ده أمانة عند أحمد... وميفتحش غير بعد موتي.
جريت على عمي يونس.
بص للمفتاح، وسكت شوية، وقال
أنا عارف بيفتح إيه.
رحنا سوا للمخزن القديم اللي محدش دخله من سنين.
في آخره كان فيه دولاب خشب ضخم، فتحناه
فتح عمي الصندوق بإيده المرتعشة.
كان فيه صور قديمة للعيلة قبل ما الخلافات تبدأ.
صورة لجدي وهو شايل عمي يونس طفلًا ويضحك من قلبه.
وصورة تانية لأبويا ويونس وهما صغيرين بيلعبوا في الغيط.
وتحت الصور جواب طويل.
قرأه عمي بصوت مخنوق
يا يونس... لو أنت بتقرا الجواب ده، يبقى أنا مت. يمكن عمري ما عرفت أقولك إني كنت بحبك، لكن خوفي على الأرض والورث خلاني أتحول لوحش. كل يوم كنت بشوفك مربوط، وكل يوم كنت بموت ألف مرة، لكن كبريائي كان أقوى مني. سامحني لو قدرت.
عمي مقدرش يكمل القراءة.
قفل الجواب، ومسح دموعه، وقال
يا خسارة... كلمة آسف لو كانت اتقالت من عشرين سنة، كانت وفرت علينا عمر كامل.
خرجنا من المخزن، وأول حاجة عملها عمي إنه فك السلسلة القديمة من شجرة الجميزة.
لفها على كتفه، ومشى بيها لحد الترعة.
ورماها في الميه.
بص للموج وهو بيبعدها، وقال
من النهارده... محدش في العيلة دي هيتربط بسلسلة تاني.
ومن ساعتها، كل ما حد في البلد يشوف عمي يونس، ما بقاش يقول ده المجنون.
كانوا يقولوا باحترام
ده الراجل اللي نجا من ظلم أقرب الناس ليه... ولسه قلبه عرف يسامح عدت خمس سنين.
أنا دخلت الجامعة... نفس الجامعة اللي كان عمي يونس بيحلم يكمل فيها زمان.
وفي أول يوم ليا، وأنا ماشي في الحرم الجامعي، لقيت عمي مستنيني عند البوابة.
ابتسم وقال
تعالى... عايز أوريك حاجة.
دخلنا مبنى قديم، ووقف قدام لوحة عليها أسماء أوائل الدفعات.
رفع إيده المرتعشة، وأشار لاسم محفور في الرخام
يونس رضوان الشناوي... الأول على الدفعة.
وقفت مصدوم.
سألته
يعني كنت الأول فعلًا؟
ابتسم ابتسامة فيها وجع السنين وقال
أيوه... كنت بحلم أبقى مدرس في الجامعة... لكن ربنا كتبلي طريق تاني.
سكت شوية، وبعدين
متخليش حد يسرق حلمك زي ما حلمي اتسرق.
الكلمة دي فضلت ترن في ودني سنين.
وبفضل تشجيعه، خلصت دراستي، وبقيت محامي.
وأول قضية مسكتها في حياتي، كانت لواحد في قرية مجاورة، أهله كانوا رابطينه في أوضة بحجة إنه مجنون.
وقفت قدام القاضي، وافتكرت عمي وهو مربوط تحت شجرة الجميزة.
ويوم ما صدر الحكم بإلزام الأسرة بعلاجه وإطلاق سراحه، خرجت من المحكمة ولقيت عمي واقف مستنيني.
ابتسم وقال
شايف يا أحمد؟
إيه يا عمي؟
قال وهو باصص للسما
الخير... عمره ما بيروح. القرصة اللي ادتهالي وإنت طفل، ربنا رجعهالك نجدة لناس كتير.
وقتها حضنته لأول مرة من غير خوف، ومن غير ما أبص حواليا أشوف حد هيعترض.
وحسيت إن الطفل اللي كان بيكسر قفل بسلسلة وطوبة... كبر أخيرًا، وبقى بيكسر سلاسل الظلم بالقانون والعدل.
النهاية بعد سنين طويلة، كنت بافتكر إن الحكاية انتهت عند حكم المحكمة وشفاء عمي.
لكن في ليلة شتوية، وأنا قاعد معاه على شرفة بيته، سألته السؤال اللي كان جوايا من وأنا طفل
يا عمي... إيه اللي كنت بتكتبه في الطين كل ليلة؟
ابتسم لأول مرة ابتسامة هادئة، وقال
فاكر الليلة دي؟
هززت راسي.
قام من مكانه، وفتح درج مكتبه، وطلع كراسة قديمة مهترئة.
ناولني إياها.
فتحت أول صفحة... واتصدمت.
كل الصفحات كانت مليانة بنفس الجملة، مكتوبة مئات المرات بخطه
أنا مش مجنون... أنا مظلوم.
قلّبت الصفحات بسرعة.
بعدها لقيت مذكرات كان بيكتب فيها كل اللي حصل معاه يوم بيوم، من أول لحظة اتحرم فيها من دراسته، لحد اليوم اللي اتربط فيه بالسلسلة.
قال لي بصوت هادئ
كنت كل يوم أكتب الجملة دي في الطين... وأول المطر كان بيمسحها. فقلت أكتبها على الورق يمكن ييجي يوم حد يقراها.
وبالفعل...
بعد موافقته، جمعت مذكراته ونشرتها
الكتاب انتشر بشكل ما كناش نتوقعه، وناس كتير كتبوا لنا يحكوا عن مرضى نفسيين اتظلموا بسبب الجهل والخوف.
وساعتها عرفت إن قصة عمي ما كانتش مجرد حكاية عيلة...
كانت رسالة.
رسالة بتقول إن المرض النفسي محتاج علاج ورحمة، مش سلاسل وعذاب.
وإن كلمة طيبة، أو لقمة عيش، أو طفل صغير يرفض الظلم... ممكن يغير مصير إنسان بالكامل.
ومن يومها، كل ما حد يسألني مين بطل القصة؟
أبتسم وأقول
البطل الحقيقي... كان الرحمة.
تمت بحمد الله بعد نشر مذكرات عمي يونس، حصل شيء عمرنا ما كنا نتوقعه.
في صباح أحد الأيام، وصلنا جواب من راجل كبير في السن اسمه الدكتور سامح، وكان أستاذًا متقاعدًا في الجامعة.
كتب في آخر الجواب
أنا كنت زميل يونس في الكلية... وفضلت أربعين سنة أدور عليه.
لما جه يزورنا، أول ما شاف عمي، حضنه وبكى.
وقال له
إحنا افتكرناك مت.
وقعد يحكي لنا إن يونس كان من أذكى الطلبة، وإن الجامعة كانت رشحته وقتها لمنحة دراسية بره مصر، لكن فجأة انقطع عن الدراسة واختفى، وكل الناس افتكرت إنه سافر أو توفى.
الدكتور سامح فتح شنطة جلد قديمة، وطلع منها ظرف أصفر.
وقال
الظرف ده كان باسمك... احتفظت بيه كل السنين دي.
فتح عمي الظرف، وكانت فيه شهادة تقدير، وخطاب قبول للمنحة، مؤرخ من عشرات السنين.
ابتسم عمي وهو بيبص للورق، ثم طواه بهدوء وقال
فات أوانه... لكن الحمد لله إن الحقيقة وصلت.
الدكتور سامح رد عليه
يمكن المنحة راحت... لكن رسالتك وصلت لناس أكتر بكتير.
وبالفعل، بعد فترة، اتبرع عمي بجزء كبير من ميراثه لبناء مركز صغير في البلد لعلاج المرضى النفسيين مجانًا، وسماه
بيت الرحمة.
وكان أول شيء اتكتب على مدخل المركز
المريض النفسي يحتاج يدًا تمتد إليه... لا سلسلة تُقيد بها قدمه.
وأصبحت قصة عمي تُروى
وهكذا... تحولت أكثر سنوات حياته ظلمًا، إلى
متابعة القراءة