السنه إلى عمى اتجنن فيها
المحتويات
لحد إلا لما يسمع صوتي وأنا بندهه. عينيه كانت سودة وواسعة، ومكنش فيها أي حاجة تخوف زي ما الناس كانت بتقول.
أول مرة سرقت له لقمة، كانت لما ستي جبرتني أروح أرمي العلف للبهائم. لقيت في المطبخ نص قرصة ناشفة فضلات، خبيتها تحت هدومي وجريت بسرعة على الزريبة. الريحة هناك كانت تقرف وتجيب الغثيان، حطيت اللقمة جنب رجله وقلت بصوت واطي كل يا عمي يونس.
فضل ثابت مكانه مبيتحركش، افتكرته مسمعنيش. ولسه بلف ضهري عشان أجري، لقيت إيد خفت اللقمة بسرعة؛ إيد ناشفة وضوافرها مليانة طين. قسم القرصة نصين، حط نص في بقه، ومد إيده بالنص التاني ليا.
هزيت راسي وقلتله لأ، قالي بصوت مبحوح كل يا أحمد.
دي كانت أول مرة أسمعه بيتكلم. وقفت مذهول، وعيني دمعت أنا مش جعان يا عمي.
بصلي كتير.. وابتسم. ابتسامة خفيفة وسريعة قوي، كأنه خايف حد يشوفه وهو بيضحك. من اليوم ده، بقيت أروح له كل يوم مستخبي؛ مرة نص قرصة، مرة حتة بطاطا مشوية، ومرة شوية شوربة كانت أمي أمينة بتهربهم لي من ورا أبويا. أمي كانت غلبانة وبتخاف من خيالها، كانت بتقف ورا باب المطبخ تترقب الطريق، وقبل ما أمشي تقولي يا أحمد، إوعى أبوك يحس بحاجة.
كنت بهز راسي وخلاص، مكنتش فاهم وقتها.. واحد جعان وبنديله لقمة، إيه اللي يخوف في كده؟
لحد ما جه يوم، أبويا رجع من الغيط بدري وشافني وأنا قاعد جنب الزريبة. وقبل ما أستوعب، لقيت إيده بتشدني من قفايا بعنف، والقرصة وقعت في الطين. وش أبويا كان قالب ومسود من الغضب مين اللي قالك تديله طفح؟.
عمي جعان يا بويا.
مكملتش الكلمة ولقيت قلم نزل على وشي، عيني زغللت وودني صفرت. عمي يونس قام وقف فجأة، وصوت السلاسل الحديد قعد يخرخش ويرن. أبويا
عمي ثبت في مكانه، وإيده اتقفلت وبقت زي الحجرة، وبعدين رخاها بالراحة. أبويا لف وضربني قلم تاني احفظ الكلام ده كويس، ده مش عمك، ده مصيبة ونازلة على راسنا.
حطيت إيدي على وشي وبكيت، وبصيت للقمة اللي اتمرمغت في الطين. عمي يونس هو كمان فضل باصص لها. بعد ما أبويا مشي، وطي على الأرض وشالها، وبكم جلابيته قعد يمسح الطين عنها حتة حتة.. وأكلها كلها.
ليلتها، دخلت تحت اللحاف وقعدت أعيط بحرقة. أمي قعدت جنبي وهي بترتعش وبتدهن لي وشي بالمرهم، سألتها بصوت واطي هو عمي يونس كان كده من زمان يا أمي؟.
أمي سكتت كتير، وفي الآخر قالتلي بهمس
يا ابني.. عمك يونس ده كان أشطر واحد في مدارس البلد كلها.. ودخل الجامعة في بندر مصر.
اتصدمت.. أمي حطت إيدها على بوقي بسرعة في نفس اللحظة اللي سمعنا فيها صوت خطوات أبويا برة. وش أمي اتقلب أصفر زي الليمونة، طفت لمبة الجاز وقربت من ودني السيرة دي متجيش على لسانك تاني أبدًا.
وفي اللحظة دي، سمعنا صوت خروشة السلاسل تاني عند الزريبة. خبطة.. وراها خبطة، كأن فيه حد بيخبط على الباب في نص الليل.
بصيت من خرم الشباك؛ نور القمر كان نازل على شجرة الجميزة، وعمي يونس كان موطي، وبيبحت بأصباعه في الطين وبيكتب كلام. مكنتش عارف هو بيكتب إيه.. بس شفت أبويا واقف الناحية التانية من الزريبة، ماسك عصايه في إيده، وعينيه كلها غل وشر وهو باصص على إيد عمي وهي بتكتب وقال له بتريقه..
بتكتبها تاني برضه؟
وضحك بشر ومسح اللي اتكتب برجله..
هتفضل هنا لحد ما تموت ...والي بتكتبه ده مش هيفدك ولا حد هيقراه اصلا
وضربه بالعصايه جامد
عمي نزلت دموعه
وقتها خرجت بسرعه واتسحبت من غير ما حد يشوفني ورجعت عند عمي تاني
اول ما شافني اتفاجأ وبقى يبصلي بقلق
ابتسمت ومسكت قالب وبقيت اضرب القفل لحد ما اتكسر واول ما السلسله اتفكت عمي جري حافي والي حصل وقتها مكانش حد يتخيله وصدمنا كلنا !!!!!!!
زهرة_الربيع
القصه مدهشه للمتابعه سيب لايك وكمنت بتم وهيوصلك اشعار
السنة اللي عمي اتجنن فيها، جدي ربطه بسلسلة حديد وقفل عليه في الزريبة جنب البهايم مكنش فيه حد بيحن عليه غيري،وفي مره سرقت له قرصة فلاحي وادتهاله اكلها واستنيت لما الكل نام، وأخدت قالب طوب وكسرت القفل وعمي خرج يجري حافي . واللي حصل بعدها ميخطرش على بال بشر !!!!!!
القصة كاملة اول التعليق جدي أول ما سمع كلام العمدة، صرخ وقال
متصدقوش! ده مجنون... بيهذي!
لكن العمدة رفع الورقة في وش الناس وقال
الورقة دي مختومة بختم المحكمة، ولو فيها تزوير هنعرف.
أبويا بدأ يتوتر، وبص لجدي نظرة كلها خوف لأول مرة.
أما عمي يونس، فكان واقف ساكت، بيتنفس بصعوبة، كأنه شايل الحمل ده على صدره من سنين طويلة.
العمدة طلب يجيبوا كرسي لعمي، لكن جدي اندفع ناحيته يحاول يشد الورقة من إيده.
في اللحظة دي، حصلت خناقة قدام أهل العزبة كلهم.
وأثناء الزحمة، الست أم حسن، أكبر واحدة في البلد، صرخت وقالت
حرام عليكم... أنا شاهدة إن يونس عمره ما كان مجنون!
الناس سكتت.
قالت وهي بتعيط
أنا اللي كنت بشتغل في مستشفى البندر وقتها... والدكتور بنفسه قال إنه كان سليم، لكن كان عنده انهيار عصبي بعد موت أمه... وكان محتاج علاج وراحة، مش سلاسل وحديد.
الكلام وقع على الناس زي الصاعقة.
كل العيون اتجهت ناحية جدي.
ولأول مرة، ملاقاش
أما أنا، فبصيت لعمي، ولقيته بيبكي في صمت... نفس الدموع اللي شفتها يوم مسح الطين عن القرصة وأكلها.
لكن المرة دي، كانت دموع واحد رجعت له كرامته بعد سنين من الذل.
ولسه الحقيقة الكاملة كانت مستخبية... لأن الورقة اللي كانت مع عمي ما كانتش آخر سر، كان فيه سر أخطر مدفون جوه البيت القديم هيقلب حياة العيلة كلها بعد يومين، الشرطة والنيابة جم يحققوا بعد ما العمدة سلّمهم الورقة.
وأثناء تفتيش البيت القديم، طلب عمي يونس يدخل أوضة كانت مقفولة من سنين.
وقف قدام حيطة متشققة وقال بهدوء
اكسروا هنا.
استغربوا، لكن لما كسروا جزء من الحيطة، لقوا صندوقًا حديديًا صغيرًا مدفونًا داخلها.
الصندوق كان عليه صدأ شديد، ولما اتفتح، لقوا فيه أوراق قديمة، وعقود بيع، ووصية مكتوبة بخط جدي الأكبر، وكلها بتثبت إن الأرض والميراث لازم يتقسموا بالعدل بين الأبناء.
وكان فيه كمان دفتر صغير.
أول صفحة فيه كانت مكتوب فيها
لو حد لقى الدفتر ده، يعرف إن يونس بريء... وأنا السبب.
الكل اتجمد.
الكلام كان بخط جدتي قبل وفاتها.
كتبت إنها كانت عارفة إن زوجها بيخطط يحرم يونس من حقه لأنه الوحيد اللي كان رافض بيع أرض العيلة، وإنها خبت الأوراق خوفًا عليها، لكن المرض سبقها قبل ما تقدر تقول الحقيقة.
جدي انهار لأول مرة.
قعد على الأرض وهو بيبكي، وقال بصوت مكسور
أنا ظلمته... ظلمته سنين.
أما أبويا، ففضل واقف مطأطئ راسه، مش قادر يبص في عين أخوه.
وعمي يونس... ما طلبش فلوس، ولا انتقام، ولا حتى اعتذار.
كل اللي قاله وهو خارج من البيت
أنا كنت محتاج حد يصدقني... بس.
وساعتها فهمت إن الإنسان ممكن يعيش سنين مكسور، لكن الحقيقة مهما اتدفنت، بييجي
متابعة القراءة