بابا عرف ظروف بقلم اماني سيد
خدناها من الجمعية كانت مجرد جزء صغير... لأن المشكلة أكبر بكتير.
نهلة قلبها وقع.
قالت أكبر إزاي؟
منيرة ردت قبل شهور، ماما دخلت في التزام مالي كبير وهي فاكرة إنها هتقدر تسدده بسرعة، لكن الظروف اتغيرت، وكل شهر كانت تحاول تجمع المبلغ من أي مكان علشان تلحق قبل ما حد يعرف.
الأم صرخت كفاية... مش لازم يعرفوا كل حاجة دلوقتي.
لكن الراجل أخرج ورقة تانية من الملف وقال للأسف... لسه في ورقة واحدة بس، وهي اللي هتحسم كل الكلام.
فتحها قدام الجميع، وساد صمت ثقيل في المكان.
جوز نهلة مد إيده وأخذها، وما إن قرأ أول سطر فيها حتى تغير لون وجهه تمامًا.
رفع رأسه ببطء، ونظر إلى أمه ثم إلى نهلة، وقال بصوت مخنوق
لو الورقة دي صحيحة... يبقى اللي جاي أخطر بكتير مما كنا متخيلين...
ثم طوى الورقة بسرعة قبل أن يراها أحد، وقال
محدش هيلمِس الملف ده دلوقتي... لازم أتأكد من حاجة الأول نهلة قربت منه بسرعة، وقالت بقلق
تتأكد من إيه؟ أنا مراتي، ومن حقي أعرف كل حاجة.
لكن جوزها هز رأسه وقال
أول ما أتأكد، هقولك كل حاجة. دلوقتي أي كلمة ممكن تظلم حد.
الراجل اللي جاي يطالب بحقه اتنهد وقال
أنا هسيبلكم ساعة واحدة بس. بعد كده هرجع، ويا إما ألاقي حل... يا إما هبدأ أمشي في الإجراءات اللي تحفظ حقي.
ساب الملف على الترابيزة، ومشي هو والشاب اللي معاه.
أول ما الباب اتقفل، ساد صمت تقيل.
الأم كانت قاعدة بتعيط، ومنيرة واقفة في ركن الأوضة، وجوز نهلة ماسك الورقة ومش راضي يوريها لحد.
فجأة، نهلة قالت بحزم
لو فضلتوا مخبيين عليا، أنا همشي دلوقتي. الفلوس دي تعبي، ومن حقي أعرف راحت فين وليه.
رفع جوزها عينه وقال
عندك حق... وأوعدك إنك هتعرفي كل حاجة.
وقبل ما يكمل كلامه،
الجميع اتخض.
جوز نهلة فتح الباب بحذر.
كان اللي واقف شخصًا لم يتوقع أحد وجوده.
أول ما دخل، بص مباشرة على حماته وقال
الحمد لله إني لحقتكم... سمعت إن الملف اتفتح.
وش حماته شحب أكتر، وقالت وهي بتترعش
إنت... إنت إزاي عرفت؟
ابتسم ابتسامة غامضة، وحط ظرفًا كبيرًا على الترابيزة، وقال
لأن فيه ورق مهم جدًا ناقص من الملف... والظرف ده هو اللي هيكشف الحقيقة كاملة.
كل الأنظار اتجهت للظرف.
مد جوز نهلة إيده ناحيته ببطء...
وقبل ما يفتحه، قال الرجل
افتحه كويس... لأن بعد اللي هتشوفه، مش هتبقوا قادرين تبصوا لبعض بنفس النظرة تاني جوز نهلة فتح الظرف ببطء، وسط أنفاس محبوسة من الكل.
طلع منه مجموعة أوراق وصور وإيصالات قديمة.
قلب أول ورقة... ثم الثانية... وبعدها تنفس بارتياح مفاجئ.
نهلة استغربت وقالت
إيه؟! مالك؟
ناولها أول ورقة وقال
اقري بنفسك.
مسكتها نهلة، واكتشفت إن الأوراق كلها تثبت إن المبالغ اللي كانت على حماتها ديون قديمة عليها من قبل ما هي تتجوز ابنها بسنين، وإن جوزها مالوش أي علاقة بيها.
أما إيصال الأمانة اللي عليه اسم جوزها، فكان فيه اختلاف واضح في التوقيع، ومعاه ورقة تانية بتوضح إنه اتكتب من غير حضوره، وإن فيه خطأ لازم يتراجع فيه.
الرجل قال
أنا جيت النهارده مش عشان أطالبكم بحاجة، أنا جيت لأن الورق الأصلي ظهر، وماينفعش حد يفضل متظلم.
بصت نهلة لحماتها وقالت
يعني كل ده كان بسبب ديون قديمة؟ طب ليه خدتِ فلوسي وسكتي؟
الأم مسحت دموعها وقالت
خوفت... كنت فاكرة إني هقدر أرجعهالك قبل ما تعرفي. كل شهر كنت بأجل، ولما قرب ميعاد قبضك ملقتش قدامي غير إني أرفض أديهولك. عارفة إني غلطت، ومهما اعتذرت مش هيكفي.
منيرة
وأنا غلطت لما وافقتها وسكت.
نهلة سكتت لحظات، ثم قالت
الفلوس ممكن تتعوض... لكن الثقة لما بتتكسر صعب ترجع زي الأول.
أما جوزها، فبص لأمه وقال بهدوء
أول حاجة هنعملها إن حق نهلة يرجعلها كامل. وبعدها كل واحد يتحمل مسؤولية غلطه، لكن من غير ظلم ولا استغلال.
ساد الهدوء في البيت لأول مرة منذ بداية الأزمة، لكن العلاقة بينهم لم تعد كما كانت، وأدرك الجميع أن الأمانة والوضوح كانا سيوفران عليهم كل هذا الألم وسوء الفهم مرت أيام قليلة، وفضلت نهلة تتعامل مع حماتها بكل احترام، لكن المسافة بينهم بقت واضحة.
وفي صباح أحد الأيام، كانت بتحضر الفطار، لقيت جوزها داخل عليها وهو ماسك ظرف.
حطه قدامها وقال
افتحيه.
فتحته، ولقت جواه جزء من فلوس الجمعية.
بصتله باستغراب وقالت
الفلوس دي جت منين؟
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
أمي باعت دهب كان عندها، وقالت أول حق لازم يرجع هو حقك.
نهلة سكتت، لكنها قالت
أنا مش كان همي الفلوس... كان همي إنها تعتبر اللي عملته غلط.
رد عليها
اعتبرته... ويمكن لأول مرة في حياتها اعترفت إنها ظلمت حد.
وفي نفس الوقت، كان باب الشقة خبط.
فتحت نهلة، لقت حماتها واقفة برا، ماسكة كيس صغير في إيدها.
قالت بصوت مكسور
ينفع أدخل؟
دخلت وقعدت وهي مش قادرة ترفع عينها.
حطت الكيس قدام نهلة، وقالت
ده فستان كنت جايباه لمنيرة... رجعته وخدت فلوسه. كملي بيهم حقك، ولو لسه ناقص، هفضل أسددلك لحد آخر جنيه.
نهلة بصتلها، وحست إن أول مرة تشوف حماتها بالشكل ده.
لكن قبل ما ترد، رن تليفون جوزها.
رد، واتغيرت ملامحه فجأة.
قال
إيه؟! إمتى الكلام ده؟
نهلة قامت بسرعة وقالت
في إيه؟
قفل المكالمة، وبص لأمه وقال
الشخص اللي كان سبب ف
كل
حماتها حطت إيدها على قلبها وقالت
يعني... كابوس الشهور اللي فاتت خلاص انتهى؟
رد جوزها
يمكن الأزمة انتهت... لكن لسه فيه حاجة واحدة لازم تتصلح.
بص ناحية نهلة، وقال أمام أمه وأخته
الثقة اللي اتكسرت... ودي أصعب من أي فلوس ابتسمت نهلة ابتسامة هادئة، لكنها كانت مليانة وجع، وقالت
الفلوس ممكن ترجع... لكن الكلمة الجارحة، وكسر الثقة، واستسهال حق غيرك... دول بيسيبوا أثر كبير.
حماتها قامت من مكانها، ومشيت لحد عند نهلة، ومسكت إيديها لأول مرة من غير تكبر.
وقالت وهي بتبكي
سامحيني يا بنتي. أنا ظلمتك، واستكترت عليكي حقك، ونسيت إن اللي يرضاه لبنته لازم يرضاه لكنة ابنه. كنت فاكرة إني بحل مشكلة، لكني كنت بخلق مشاكل أكبر.
نهلة سكتت ثواني، ثم قالت
أنا مسامحاكي لوجه الله... لكن من النهارده يبقى كل شيء واضح. لا جمعية باسمي حد يقبضها غيري، ولا فلوس تخصني حد يتصرف فيها من غير إذني.
ردت حماتها وهي تهز رأسها
حقك... ومن النهارده هتكوني زي بنتي، مش مجرد مرات ابني.
في اليوم التالي، باعت حماتها بعض الأثاث اللي كانت اشترته بفلوس الجمعية، وكملت باقي المبلغ من مصوغاتها، ورجعت لنهلة كل جنيه أخدته منها، قدام جوزها ومنيرة.
أما منيرة، فاعتذرت هي كمان وقالت
أنا كنت مفكرة إن مصلحة نفسي أهم من أي حاجة، لكن اتعلمت إن اللي يتبني على حق غيرك عمره ما يفرح صاحبه.
بعدها بأيام، حضرت نهلة فرح أختها بالفستان اللي كانت نفسها فيه، وجوزها كان واقف جنبها بكل فخر، لأنه اختار يقف مع الحق حتى لو كان ضد أقرب الناس إليه.
ومن يومها، بقت العلاقة بينهم مبنية على الصراحة والاحترام،
الجمعية أمانة... والحق حق، ولو كان جنيه واحد.
تمت.