حماتي سخرت مني بقلم زيزي احمد
والست الكبيرة ساكتين.
أما حماتي...
فكانت قاعدة على الكنبة، باصة في الأرض.
وكأنها بدأت تستوعب حجم اللي حصل.
لكن فجأة...
جوزي لقى حاجة صغيرة وقعت من بين الأوراق.
ورقة مطوية نصين.
شكلها مختلف عن باقي الورق.
فتحها.
وقراها.
ثم عقد حواجبه.
أنا قلت بسرعة مالها؟
ما ردش.
قراها مرة تانية.
وبعدين بص ناحية حماتي.
وقال
الورقة دي مش بخطي.
حماتي رفعت رأسها فجأة.
يعني إيه؟
رد
يعني فيه شخص تاني كان بيتدخل في حياتنا غيرك.
الصالة كلها اتجمدت.
حتى حماتي نفسها بان عليها الذهول.
مد جوزي الورقة للراجل الكبير.
الراجل قراها، واتغيرت ملامحه فورًا.
وقال
أنا أعرف الخط ده.
جوزي سأله بسرعة
خط مين؟
سكت الراجل ثواني.
وبعدين قال
شخص من العيلة... لكن لو طلع توقعي صح، فإحنا لسه ما عرفناش نصف الحقيقة.
في اللحظة دي...
اتفتح باب الشقة من غير خبط.
والكل لف ناحية الباب.
وأول ما الشخص دخل...
شهقت سلفتي بصوت عالي وقالت
مستحيل...!
يتبع...اتجهت كل الأنظار ناحية باب الشقة.
الشخص اللي دخل كان راجل في أواخر الخمسينات، شكله متوتر وكأنه جاي على عجل.
أول ما شافته سلفتي قامت من مكانها وقالت
خالو محمود؟!
أنا استغربت.
جوزي كمان قال خالي؟ إنت إيه اللي جابك دلوقتي؟
الراجل اللي كان ماسك الورقة بصله للحظات، وبعدها قال
أنا كنت شاكك... وطلعت شكوكي صح.
خالو محمود بلع ريقه وقال أنا سمعت إن الأوراق اتفتحت.
الصمت سيطر على المكان.
جوزي قرب منه وسأله إنت تعرف حاجة عن الورقة دي؟
خالو محمود بص للورقة اللي في إيده، ثم قعد على أول كرسي قدامه وقال
أعرف... لأن الخط ده خطي أنا.
الكل اتصدم.
لكن قبل ما حد يتكلم، رفع إيده وقال
استنوا... قبل ما تحكموا عليا.
حماتي نفسها كانت باصة له باستغراب.
واضح إنها ما كانتش متوقعة اعترافه.
قال
من سنين، قبل الجواز، كنت شايف إنكم صغيرين ومستعجلين. وكنت فاكر إن الجوازة مش هتكمل.
جوزي قال بعصبية وده يديك حق تتدخل؟
هز رأسه بسرعة لا... وأنا غلطت.
وسكت لحظة.
ثم كمل
بس الحقيقة إن تدخلي ماكانش زي ما إنتوا فاكرين.
الكل ركز معاه.
وقال
أنا كتبت الورقة دي بعد أول خلاف بينكم... لكن مش عشان أفرقكم.
أنا قلت أمال عشان إيه؟
رد عشان أحاول أصلح اللي بيتكسر.
وبدأ يحكي.
طلع إن بعد الجواز بفترة، كان بيوصله من الطرفين كلام متناقض.
كل واحد فينا زعلان من حاجة.
كل واحد فاهم التاني غلط.
فكتب نصايح وكلام للصلح، وكان بيديها لشخص من العيلة يوصلها.
لكن الرسائل دي ما كانتش بتوصل كاملة.
وكان بيتضاف عليها كلام أو بيتشال منها
الراجل الكبير قال فجأة يعني كان فيه شخص ثالث بيتحكم في كل حاجة.
خالو محمود هز رأسه.
وقال أيوه.
جوزي سأله مين؟
سكت.
وبص ناحية حماتي.
ثم قال
أنا طول السنين دي كنت فاكر إنها أمك.
حماتي رفعت رأسها بسرعة.
وقال لكن النهارده عرفت إني كنت غلطان.
أنا حسيت إن الموضوع بيتعقد أكتر.
لو مش حماتي...
يبقى مين؟
خالو محمود مد إيده في جيبه.
وطلع موبايل قديم.
وقال
أنا احتفظت بحاجة من سنين.
فتح الموبايل بصعوبة.
وبعد ثواني ظهر تسجيل صوتي قديم جدًا.
قال
التسجيل ده عمره أكتر من عشر سنين.
جوزي ضغط تشغيل.
وفجأة طلع صوت معروف جدًا...
صوت شخص من العيلة كلنا نعرفه.
الشخص ده كان بيتكلم بوضوح ويقول
سيبوني أنا أتصرف... طول ما هما مختلفين، محدش هيعرف الحقيقة.
أول ما الصوت اشتغل...
شهقت حماتي.
أما سلفتي فحطت إيدها على بؤها.
وجوزي وقف فجأة من مكانه وقال
مستحيل... ده صوت...
يتبع...جوزي وقف مصدوم، والتسجيل لسه شغال.
الصوت كان واضح جدًا، لدرجة إن مافيش حد في الأوضة شك فيه.
لكن قبل ما ينطق بالاسم، الشخص نفسه كان واقف عند باب الصالة.
كلنا لفينا ناحيته.
كان عم جوزي الكبير.
الراجل اللي طول عمره معروف بين العيلة إنه حكيم وبيحل المشاكل.
أول ما شاف إن التسجيل اتشغل، قفل عينيه للحظة وقال
واضح إن الوقت جه.
أنا ماكنتش مصدقة.
مش لأنه شخص وحش.
بالعكس.
عمره ما رفع صوته على حد.
وعمره ما شفنا منه أذى.
جوزي قال عمي... إيه معنى الكلام ده؟
تنهد الراجل وقعد على كرسي قريب.
وقال
معناه إنكم فاهمين نص الحقيقة بس.
الصمت سيطر على المكان.
ثم كمل
أنا فعلًا كنت بتدخل بينكم... لكن مش عشان أفرقكم.
حماتي بصتله بدهشة.
واضح إنها هي كمان أول مرة تعرف.
قال
أول سنة جواز كانت مليانة مشاكل وسوء فهم. وكل طرف كان بيشتكي للتاني من غير ما يسمعه مباشرة.
ثم بص لجوزي وقال
إنت كنت تيجي تشتكي.
وبصلي أنا وقال
وإنتي كمان.
أنا نزلت عيني.
لأنه كان عنده حق.
كنا وقتها صغيرين ومندفعين.
قال
وفي كل مرة كنت أحاول أصلح، كنت أكتشف إن المشكلة أكبر من اللي ظاهر.
ثم سكت لحظة.
وأضاف
لحد ما اكتشفت إن فيه ناس بتنقل الكلام غلط بينكم.
الكل سكت.
لأن دي كانت أول مرة حد يقولها صريحة.
قال
كل واحد كان بيسمع نسخة مختلفة من الحقيقة.
جوزي قعد مكانه وهو بيستوعب الكلام.
أما أنا فبدأت أفتكر مواقف كتير.
كلام كنت أسمعه عن جوزي وأزعل.
ولما أواجهه يقسم إنه عمره ما قاله.
وأوقات هو كان يجي يواجهني بكلام عمري ما نطقته.
وفجأة كل حاجة بدأت تتفهم.
لكن عمه قال جملة خلتنا
والشخص اللي كان بينقل الكلام غلط ماكانش شخص واحد.
الصدمة رجعت من جديد.
قال
كانت مجموعة مواقف من ناس مختلفة... كل واحد فاكر إنه بيساعد.
سلفتي قالت يعني مافيش مؤامرة؟
هز رأسه.
وقال
لأ.
ثم بص لحماتي.
وفيه ناس غلطت بحسن نية.
وبص لخالو محمود.
وفيه ناس تدخلت أكتر من اللازم.
ثم بص لجوزي وليا.
لكن أكبر غلط كان إنكم بطلتوا تتكلموا مع بعض مباشرة.
الصمت كان ثقيل.
لأن لأول مرة محدش لقى حاجة يرد بيها.
بعد دقائق طويلة، حماتي قامت من مكانها.
قربت مني.
وأول مرة من يوم ما عرفتها، قالت بصوت مكسور
أنا ظلمتك في حاجات كتير.
أنا بصيتلها من غير كلام.
وقالت
ويمكن كنت السبب في وجع كبير.
ثم نزلت دموعها.
وساعتها عرفت إن الليلة دي مش نهايتها كشف سر جديد...
نهايتها كانت كشف حاجة أهم.
إن سنين من الزعل وسوء الفهم كانت محتاجة كلمة واحدة بس من البداية
الحقيقة.
لكن وأنا فاكرة إن كل حاجة انتهت...
جوزي لقى ورقة أخيرة جدًا في قاع الظرف.
ورقة صغيرة ماحدش خد باله منها طول الليلة.
فتحها.
وقرأ سطر واحد فقط.
ثم ابتسم وقال
دي أول حاجة صح وصلت في وقتها.
قلت باستغراب إيه هي؟
فرد وهو بيمدلي الورقة
رسالة كنت كاتبها ليكي يوم كتب الكتاب...
ومكتوب فيها
مهما حصل حوالينا... أوعي تصدقي أي حد أكتر مني.
كنت فاكرة إن الليلة انتهت عند الرسالة دي...
لكن الحقيقة إن الأحداث بدأت بعدها.
بعد يومين بالضبط، جوزي قالي
لازم نخرج ونتكلم بعيد عن أي حد.
وافقته، ونزلنا قعدنا في كافيه هادي.
أول مرة من سنين نحكي مع بعض من غير ما حد يقاطعنا أو يدخل بينا.
فضلنا ساعات نفتكر مواقف قديمة.
كل موقف كان ليه تفسير جديد.
وكل زعل كان ليه سبب مختلف عن اللي كنا فاكرينه.
رجعنا البيت وإحنا مرتاحين لأول مرة من زمان.
لكن الراحة دي ما استمرتش كتير.
لأن بعد أسبوع، سلفتي اتصلت بيا وهي مرعوبة.
وقالت
تعالي بسرعة... في مشكلة كبيرة.
قلبي وقع.
وسألتها
في إيه؟
قالت
حماتك وقعت في الشارع واتنقلت المستشفى.
أنا وجوزي جرينا فورًا.
ولما وصلنا لقينا العيلة كلها هناك.
الحمد لله حالتها كانت مستقرة.
لكن الدكتور طلب إنها ترتاح فترة طويلة.
ومن يومها حياتها اتغيرت.
لأول مرة بقت محتاجة مساعدة الناس اللي كانت دايمًا بتحاول تتحكم فيهم.
وأكتر شخص وقف جنبها...
كنت أنا.
كل يوم أروح أطمن عليها.
أجيب لها اللي تحتاجه.
وأساعدها في البيت.
في الأول كانت مستغربة.
ومش قادرة تبصلي في عيني.
لكن مع الوقت بدأت تتغير.
لدرجة إنها في يوم وأنا بساعدها في ترتيب الأدوية قالتلي
أنا
ابتسمت وقلت
اللي فات فات.
دمعت عينيها وسكتت.
لكن بعد شهر تقريبًا...
حصلت حاجة قلبت البيت كله.
جوزي رجع من الشغل ومعاه ظرف رسمي.
وشه كان متوتر جدًا.
قلت
خير؟
قالي
مش عارف.
فتح الظرف.
وقعد يقرأ.
ثم
قرأ مرة تانية.
وبعدين بصلي بصدمة.
قلت بقلق
في إيه؟
قال
في قطعة أرض باسم أبويا الله يرحمه.
استغربت.
يعني إيه؟
رد
إحنا كنا فاكرين إنها اتباعت من سنين.
العيلة كلها اتجمعت.
والأوراق كانت بتقول إن الأرض ما اتباعتش أصلًا.
وكان فيها إجراءات ناقصة من أكتر من عشرين سنة.
الموضوع بقى أكبر يوم بعد يوم.
ومع كل ورقة جديدة تظهر...
كان بيتكشف سر قديم في العيلة.
سر محدش كان يعرفه.
ولما المحامي راجع المستندات كلها...
قال جملة خلت الكل يبص لبعضه بذهول
واضح إن في شخص كان مخبي الحقيقة دي عمدًا طول السنين اللي فاتت...
والاسم اللي طلع في آخر المستند...
كان اسم شخص الكل كان فاكر إنه بعيد تمامًا عن كل اللي حصل.
يتبع...المحامي حط الملف على الترابيزة وقال
الشخص ده هو الوصي اللي كان مسؤول عن إنهاء الإجراءات بعد وفاة والدكم.
الكل اتوتر.
لكن المفاجأة إن الراجل كان متوفي من سنين.
وده معناه إن الحقيقة اتدفنت معاه تقريبًا.
بعد شهور من المراجعات والجلسات، اتأكد إن الأرض فعلًا ملك للعيلة، وإنها ما اتباعتش زي ما الناس كانت فاكرة.
لكن الأهم من الأرض والفلوس...
كان اللي حصل للعيلة نفسها.
لأول مرة من سنين، بقينا نقعد على سفرة واحدة من غير خناقات.
حماتي اتغيرت كتير.
بقت تحاسب نفسها قبل ما تتكلم.
ولو زعلت من حاجة، تيجي تقولها مباشرة بدل ما تكتمها.
وفي يوم وأنا بساعدها في المطبخ، قالتلي
أنا ضيعت سنين في مشاكل ماكانش ليها لازمة.
بصتلها وسكت.
فكملت
كنت فاكرة إني بحمي ابني... لكن كنت بأذيه من غير ما أحس.
وكان ده أول اعتذار حقيقي أسمعه منها.
أما جوزي...
فبقى كل ما يحصل أي سوء فهم بينا يقول
مش هنكرر أخطاء زمان.
ونقعد نتكلم لحد ما نفهم بعض.
ومع الوقت، اكتشفنا إن أغلب المشاكل اللي كانت بتكبر زمان كانت ممكن تنتهي في خمس دقايق لو اتكلمنا بصراحة.
وبعد سنة كاملة...
اتجمعت العيلة كلها في مناسبة كبيرة.
وكانت أول مرة أحس إني مش غريبة بينهم.
وسط الضحك والكلام، حماتي نادت عليا قدام الكل.
قمت وأنا مستغربة.
فمسكت إيدي وقالت
فاكرين يوم الحنة؟
الكل ضحك.
أما أنا فاتكسفت.
فقالت وهي مبتسمة
يومها أنا غلطت... لكن البنت دي طلعت أجدع مني كلنا.
وساعتها حضنتني قدام العيلة كلها.
في اللحظة دي افتكرت
وافتكرت قد إيه كنت موجوعة وحاسة بالظلم.
لكن ربنا أحيانًا بيغير القلوب بطرق ما نتوقعهاش.
وانتهت الحكاية...
مش بأرض رجعت.
ولا بأوراق اتكشفت.
لكن بأن العيلة أخيرًا فهمت إن أخطر حاجة مش الخلافات...
أخطر حاجة هي الكلام اللي بيتنقل بين الناس قبل ما نوصل الحقيقة بنفسنا.
تمت.