لما سمعت شرط مراتى للرجوع
خلاني أقعد على الكرسي من الصدمة
يا ابني... فيه سر عمري ما قدرت أقوله لك.
كملت قراءة.
وكانت أمي بتحكي عن سنة الجفاف الصعبة اللي مرت على البلد وأنا طفل صغير.
وقت ما كان أبويا مريض ومفيش فلوس تكفي العلاج ولا الأكل.
وكتبت
في الوقت ده، كنت مضطرة أبيع دهبي كله عشان أنقذ أبوك.
ابتسمت وأنا بقرأ.
لأن دي حاجة كنت أعرفها.
لكن السطر اللي بعده هو اللي جمد الدم في عروقي
بس كان فيه حاجة تانية بعتها... وماحدش عرف بيها غير ربنا.
وقفت أقرأ ببطء.
أمي كانت باعت نصيبها الشرعي في قطعة أرض كبيرة ورثتها عن جدها.
الأرض دي بعد سنين طويلة دخلت ضمن توسعات عمرانية، وبقى تمنها ملايين.
يعني أمي ضحت بثروة كاملة...
عشان نكمل إحنا حياتنا.
ولا مرة ذكرت الموضوع.
ولا مرة عيّرت حد.
ولا حتى طلبت مقابل.
قفلت الرسالة وأنا حاسس بثقل رهيب في قلبي.
رجعت القاهرة.
وقعدت يومين كاملين ماعرفتش أنام.
وفي الليلة التالتة جمعت إخواتي.
وحكيت لهم كل حاجة.
وساعتها قررنا قرار واحد.
قررنا نعمل صدقة جارية باسم أمي.
مش مجرد صدقة عادية.
اشترينا قطعة أرض صغيرة في البلد.
وبنينا عليها دار لتحفيظ القرآن ومركزًا بسيطًا لمساعدة الأسر المحتاجة.
وعلى المدخل كتبنا
هذا العمل صدقة جارية عن الحاجة أم محمد... التي أعطت أكثر مما أخذت.
ويوم الافتتاح...
وقفت قدام اللافتة.
ومراتي كانت واقفة
وأولادي حواليّ.
وابني الكبير، اللي كان يومًا سببًا في رجوع العيلة لبعضها، بقى شابًا محترمًا يساعد الناس بنفسه.
بصيت للسماء.
وقلت بهدوء
اطمني يا أمي... لسه خيرك مكمل.
وفي اللحظة دي حسيت إن بعض الناس بتمشي بأجسادها...
لكن أثرها بيفضل عايش في قلوب الناس سنين طويلة بعد الرحيل.
نهاية الحكاية... والذكرى التي لا تنتهي. وبعد افتتاح الدار بسنة تقريبًا، حصل موقف غريب خلاني أرجع أفتح كل الذكريات من جديد.
كنت قاعد في المكتب الصغير جوه الدار، أراجع حسابات التبرعات، لما دخل عليّ شاب في أواخر العشرينات.
كان شكله محترم، لكن واضح عليه التوتر.
قال
حضرتك الأستاذ محمد؟
قلت
أيوة.
مد إيده بورقة قديمة وقال
أنا بدور عليك من شهور.
أخذت الورقة.
ولما بصيت فيها، اتفاجئت إنها عقد بيع الأرض اللي أمي كانت باعتها زمان.
نفس الأرض اللي اكتشفت قصتها في رسالتها الأخيرة.
رفعت رأسي وقلت باستغراب
جبت الورقة دي منين؟
قال
أنا حفيد الراجل اللي اشترى الأرض.
وسكت لحظة قبل ما يكمل
وجدي مات من سنين... وقبل ما يموت طلب من أبويا يوصل أمانة لعيلة الحاجة أم محمد.
حسيت بدقات قلبي بتزيد.
سألته
أمانة إيه؟
أخرج من شنطة صغيرة صندوقًا معدنيًا قديمًا.
وقال
الصندوق ده كان عند جدي أكتر من أربعين سنة.
فتحته ببطء.
كان فيه ظرف أصفر قديم.
وفيه رسالة.
الرسالة كانت بخط
وكان مكتوب فيها
الحاجة أم محمد باعت الأرض وهي محتاجة، لكني عرفت بعد سنين أني اشتريتها بأقل من قيمتها الحقيقية بسبب ظروفها الصعبة. حاولت أرجع لها حقها أكثر من مرة فرفضت وقالت أنا بعت برضايا وما أرجعش في كلمة قلتها.
كملت القراءة وأنا مذهول.
وفي آخر الرسالة
إذا وصل هذا الخطاب لأولادها يومًا، فليعلموا أني تركت لهم ما أراه حقًا لأمهم.
رفعت عيني بسرعة.
والشاب ابتسم.
وقال
افتح الظرف التاني.
فتحته.
وكانت الصدمة.
مستندات تثبت أن جده ترك جزءًا من أملاكه وقفًا خيريًا باسم أمي، وعائد الوقف يذهب للدار التي أنشأناها.
جلست مكاني غير قادر على الكلام.
أمي، حتى بعد رحيلها بسنوات، كانت سببًا في خير جديد.
خرجت من المكتب يومها ونظرت إلى الأطفال وهم يدخلون الدار لحفظ القرآن.
وإلى السيدات اللاتي كن يحصلن على مساعدات شهرية.
وإلى الشاب الذي جاء يحمل الأمانة بعد كل هذه السنين.
وأدركت أن المعروف الحقيقي لا يضيع.
قد يتأخر أثره سنوات طويلة...
لكنه يعود في الوقت الذي يختاره الله.
رفعت رأسي للسماء مرة أخرى، وابتسمت.
ولأول مرة منذ وفاة أمي، شعرت أن رسالتها اكتملت.
وأن كل تضحية قدمتها في صمت...
تحولت إلى نور يمشي بين الناس من بعدها.
تمت الحكاية. بعد سنوات طويلة...
كبر الأولاد.
واتجوزوا.
وامتلأ البيت بأحفاد جدد، كانوا
وفي يوم من الأيام، كنت قاعد في الدار وقت المغرب، وشعري كله بقى أبيض تقريبًا.
دخل عليّ حفيدي الصغير وسألني
جدو... هي تيتة أم محمد كانت عاملة إيه عشان كل الناس بتحبها كده؟
ابتسمت.
وبصيت للصورة الكبيرة المعلقة على الحائط.
وقلت له
ولا حاجة يا حبيبي... كانت بتحب الناس وخلاص.
قال
بس أكيد كانت غنية جدًا.
ضحكت وقلت
لا... كانت أغنى من الفلوس.
استغرب.
فشاورِت له على الدار.
وعلى الأطفال اللي بيتعلموا.
وعلى الأسر اللي بتاخد مساعدات.
وعلى الناس اللي بتدعي لها من غير ما تعرفها.
وقلت
الغني الحقيقي هو اللي يسيب أثر حلو بعد ما يمشي.
سكت الولد شوية.
وبعدين جري يلعب مع باقي الأطفال.
أما أنا ففضلت أبص للصورة.
وافتكرت كل حاجة...
رمضان.
الخلاف.
الدموع.
الصلح.
الرسالة.
والسنين كلها.
وساعتها فهمت إن ربنا كان بيعلمني درسًا عمره ما هينساه قلبي
إن الأم مش شخص ممكن يتعوض... وإن البيت اللي يتبني على الرحمة والاحترام يقدر يعدي أصعب العواصف.
وقبل ما أمشي من الدار في اليوم ده، وقفت قدام صورة أمي للمرة الأخيرة.
وقلت بهدوء
الحمد لله يا أمي... حافظت على البيت زي ما كنتِ عايزة.
ثم أطفأت الأنوار وخرجت.
وخلفي ظل باب الدار مفتوحًا...
يستقبل كل يوم وجوهًا جديدة، تحمل دعوة
النهاية.
وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا.