لما سمعت شرط مراتى للرجوع
لما سمعت شرط مراتي للرجوع، عرفت إن الجوازة دي وصلت لنهايتها.
أنا متجوز من تسع سنين، وعندي عيال والحمد لله ربنا مكرمني ببيت مستقر. قبل رمضان اللي فات بأيام، فكرت أجيب أمي تقضي الشهر الكريم معانا. أمي ست كبيرة في السن، عايشة لوحدها في البلد بعد وفاة أبويا، وأختي متجوزة في محافظة تانية ومش دايمًا تقدر تكون جنبها.
كلمتها وقلت لها
تعالي يا أمي اقضي رمضان معايا ومع العيال.
فرحت فرحة ما تتوصفش، وجت من أول يوم وهي معتبرة البيت بيتها. كانت تصحى قبل الكل، تحضر السحور، وتجهز الفطار، وتقعد تدعي لينا وهي شغالة. والله ما طلبت منها تعمل حاجة، لكنها كانت مبسوطة وسط أحفادها.
والأغرب إن عيالي اتعلقوا بيها بشكل كبير. أول ما يصحوا من النوم يجروا عليها، وحتى مراتي في البداية ما كانتش بتشتكي من أي حاجة، والدنيا كانت ماشية بهدوء لدرجة إني كنت بحمد ربنا على النعمة دي.
لكن في ليلة بعد الفطار، وأنا قاعد مرتاح، لقيت مراتي بتبصلي وتقول
هي والدتك هتفضل قاعدة معانا طول رمضان؟
استغربت السؤال، وقلت
أيوة طبعًا، ما إحنا جايبينها عشان تقضي الشهر معانا.
سكتت شوية وقالت
طب ما تروح تقعد يومين عند أختك.
قلت
لو هي حبت تروح تزور أختي مفيش مشكلة.
قالت وهي باصة قدامها
لا... أنا شايفة إنها لازم تروح.
هنا حسيت إن فيه حاجة غلط.
قلت
خير؟ حصل حاجة؟
ردت بسرعة
لا، بس كفاية كده.
قلت لها
دي أمي، وجاية ضيفة عند ابنها، ومافيش أي مشكلة حصلت.
لكن فجأة اتغيرت نبرتها وقالت
طيب احجز لها قطر.
بصيت لها وأنا مش مصدق اللي سمعته.
أحجز لها قطر ليه؟
قالت
عشان ترجع بلدها.
وقتها بدأت أفقد أعصابي، لكني حاولت أتمالك نفسي.
قلت
بصي، أمي قاعدة في بيت ابنها، ومحدش هيطلب منها تمشي.
رفعت صوتها وقالت
يبقى أنا اللي همشي.
افتكرتها بتقول الكلام وقت غضب وخلاص.
لكن بعد ساعات قليلة، لقيتها فعلًا بتلم هدومها وهدوم العيال، وخرجت من البيت من غير ما تبص وراها.
فضلت واقف مكاني مش مستوعب اللي حصل.
وأصعب حاجة كانت نظرة أمي.
كانت مكسورة وهي بتسألني
أنا جيت خربت عليك يا ابني؟
والله ما قدرت أبص في عينيها.
قلت لها
محدش خرب حاجة يا أمي.
لكنها أصرت ترجع البلد، وأنا وصلتها بنفسي ورجعت القاهرة أحاول أصلح اللي اتكسر.
رحت بيت حمايا بكل احترام، وقلت إن اللي حصل سوء تفاهم، وإن رمضان شهر كريم وماينفعش نخلي الشيطان يكبر الموضوع.
لكن أول ما قعدت، حسيت إنهم كانوا مستنيينني.
حمايا بصلي وقال بعصبية
إنت فضلت أمك على بنتي.
قلت له بهدوء
دي أمي يا حاج.
فضرب بإيده على الترابيزة وقال
لا... بيت بنتي ما يدخلش فيه حد هي مش عايزاه.
ساعتها حسيت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد خلاف عابر...
ولما نادوا مراتي تقعد قدامي،
أنا هرجع... بس بشرط.
رفعت عيني وبصيت لها، وكنت فاكر إن الشرط هيكون اعتذار أو اتفاق جديد بينا...
لكن الشرط اللي قالته بعدها خلاني أعرف إن اللي بينا انتهى فعلًا...وووو
القصة كاملة في أول تعليق متنساش تصلي على النبي قالت وهي مترددة لأول مرة
الأولاد هيبقوا معايا... وإنت تشوفهم وقت ما تحب.
هزيت رأسي وأنا بحاول أستوعب إن تسع سنين جواز ممكن يختصروا في شرط بالشكل ده.
قلت لها
يعني بعد العمر ده كله، مطلوب مني أختار بين أمي وبين بيتي؟
ردت بسرعة
أنا ما قولتش كده.
قلت
بل قلتي. لأن اللي بيمنع أمي من دخول بيتي مرة، هيمنعها مرتين وعشرة. والنهارده أمّي، بكرة أخويا، وبعده أي حد مش على مزاجك.
سكتت.
ولأول مرة لقيت حمايا نفسه مش لاقي رد.
قمت من مكاني وقلت
أنا جيت النهارده أصلح بيتي، مش أخسر أمي.
حاولت حماتي تتدخل وقالت
يا ابني ما تكبرش الموضوع.
فبصيت لها وقلت
اللي بيطلب من واحد يطرد أمه من حياته هو اللي كبر الموضوع.
ومشيت.
رجعت شقتي لوحدي.
البيت كان فاضي بشكل موجع.
كل ركن فيه ذكرى.
ضحكة من العيال.
صوت مراتي.
لمة رمضان اللي كانت من أسابيع مالية المكان.
لكن وسط كل ده، كان فيه حاجة واحدة مرتاح لها ضميري...
إني ما كسرتش قلب الست اللي تعبت عمرها كله عشاني.
مرت الشهور.
وبدأت إجراءات
ناس كتير لامتني.
وناس أكتر قالت لي
كان ممكن توافق وخلاص.
لكن محدش كان فاهم إن المشكلة ما كانتش في زيارة أم.
المشكلة كانت في مبدأ.
وفي يوم جلسة الطلاق الأخيرة، حصل شيء ماكنتش متوقعه أبدًا...
لما ابني الكبير طلب يتكلم قدام الجميع، وقال جملة خلت القاعة كلها تسكت...بص القاضي لابني وقال
اتفضل يا حبيبي، عايز تقول إيه؟
كان عنده وقتها 8 سنين بس، لكن ملامحه كانت أكبر من سنه بكتير.
وقف وهو ماسك إيدي، وبعدين بص لأمه وقال بصوت مهزوز
أنا بحب ماما... وبحب بابا... وبحب تيتة كمان.
سكت شوية وكمل
هو ليه لازم نختار؟
في اللحظة دي، القاعة كلها سكتت.
حتى أمّه نزلت عينها في الأرض.
وابني كمل وهو بيعيط
تيتة عمرها ما زعلتني... وكانت بتصحيني للسحور وتعمل لي الأكل اللي بحبه... ليه ما تيجيش بيتنا؟
ماحدش رد.
لأن طفل صغير قال الحقيقة اللي الكبار كلهم فشلوا يقولوها.
بعد الجلسة خرجنا.
ولأول مرة من شهور، مراتي طلبت تتكلم معايا لوحدنا.
وقفنا بعيد عن الناس.
وقالت بصوت واطي
هو الولد كان بيقول الكلام ده من نفسه؟
قلت
أيوة.
سكتت طويل.
وبعدين قالت
أنا كنت فاكرة إنك هتختارني.
قلت
وأنا كنت فاكر إنك عمرك ما هتطلبي مني أختار.
نزلت دموعها.
واعترفت إن الغيرة كانت بتاكلها من جواها.
كانت شايفة إن العيال
إحساس غلط...
لكنها