لما سمعت شرط مراتى للرجوع

لمحة نيوز

سابت الإحساس ده يكبر لحد ما بقى قرار.
فضلنا نتكلم ساعات.
لأول مرة من شهور من غير صوت عالي ولا عناد.
وبعد أسابيع من جلسات الصلح والتدخل من ناس عاقلة من العيلتين، اتفقنا ندي نفسنا فرصة أخيرة.
لكن المرة دي بشروط مختلفة.
مش شروط إقصاء.
ولا شروط كسر.
شروط احترام.
أمي تفضل أمّي وليها مكانتها.
ومراتي تفضل زوجتي وسيدة بيتي وليها احترامها.
وكل طرف يعرف حدوده من غير ما حد يلغي التاني.
وبعد سنة كاملة...
دخلت أمي البيت في رمضان اللي بعده.
كانت مترددة وخايفة.
لكن المفاجأة إن أول واحدة استقبلتها على الباب كانت مراتي.
وساعتها قالت لها
سامحيني يا أمي.
بكت أمي.
وبكت هي.
والعيال كانوا فرحانين كأن العيد جه بدري.
وفي اللحظة دي فهمت حاجة مهمة جدًا
البيوت مش بتتهد بسبب الخلافات...
البيوت بتتهد لما يتحول الخلاف إلى معركة كرامة، وكل واحد يحاول يكسب بدل ما يحافظ على اللي بيحبه.
والحمد لله، إحنا اخترنا نحافظ على العيلة قبل ما يضيع كل شيء. وبعد ما الدنيا هديت، افتكرت إن القصة خلصت عند كده...
لكن الحقيقة إن أكبر مفاجأة كانت لسه جاية.
في رمضان اللي بعده بأيام، كنت راجع من الشغل بدري.
دخلت البيت، ولقيت أمي ومراتي قاعدين جنب بعض في البلكونة، بيشربوا شاي وبيضحكوا.
وقفت مستغرب.
دي نفس الستين اللي كانوا سبب أكبر أزمة في حياتي!
أمي أول ما شافتني قالت
تعالى يا ابني، مراتك كانت بتحكيلي
على مفاجأة.
بصيت لمراتي باستغراب.
فابتسمت ومدتلي ظرف صغير.
فتحته...
وكان جواه نتيجة تحليل حمل.
فضلت باصص للورقة ثواني وأنا مش مستوعب.
رفعت عيني عليها وقلت
بجد؟
هزت رأسها وهي بتضحك وسط دموعها.
وأمي قامت من مكانها وقالت
الحمد لله... الحمد لله يا رب.
اليوم ده كان من أسعد أيام حياتي.
لكن بعد شهور قليلة، وأنا برتب بعض أوراق أمي القديمة عشان ننقلها تعيش جنبنا بشكل دائم، لقيت دفتر صغير مستخبي وسط حاجاتها.
ماكنتش ناوي أفتحه...
لكن ورقة وقعت منه على الأرض.
ولما قريتها، حسيت إن قلبي اتقبض.
كانت رسالة بخط إيد أبويا الله يرحمه.
ومكتوب فيها
لو حصل لي حاجة، أوعى تسيبي ابنك لوحده مهما حصل... لأنه أحن واحد في إخواته، لكنه أكتر واحد بيكسر نفسه عشان الناس.
قعدت أبكي لأول مرة من سنين.
ساعتها فهمت ليه أمي كانت رافضة تتكلم أو تشتكي طول الأزمة.
وليه كانت مستعدة تمشي وتسكت عشان تحافظ على بيتي.
كانت شايلة وصية.
وشايلة حب عمر كامل.
قفلت الدفتر، وروحت حضنتها.
سألتني
مالك يا ابني؟
قلت لها وأنا بضحك وسط دموعي
ولا حاجة... بس وحشني أبويا.
ابتسمت وقالت
ربنا يرحمه.
وفي الليلة دي، وإحنا كلنا قاعدين على سفرة واحدة، بصيت حواليّ.
أمي.
مراتي.
أولادي.
والطفل اللي كان لسه جاي في الطريق.
وعرفت إن أغلى انتصار في الدنيا مش إنك تكسب الخلاف...
أغلى انتصار إن الناس اللي بتحبهم يفضلوا قاعدين
حواليك على نفس السفرة.
النهاية. مرت السنوات...
والولد الصغير اللي كنا مستنينه جه للدنيا، وملّى البيت فرحة من نوع مختلف.
أمي كانت متعلقة بيه بشكل كبير، وهو كمان كان أول ما يصحى يجري يدور عليها.
وكل ما أشوف المشهد ده، أفتكر الأزمة القديمة وأحمد ربنا إننا تجاوزناها.
لكن الدنيا بطبعها ما بتفضلش ثابتة.
في شتاء بارد، تعبت أمي فجأة.
في الأول افتكرنا دور برد عادي.
لكن التعب زاد يوم بعد يوم.
وبدأنا نلف على دكاترة وتحاليل ومستشفيات.
وأمي كانت كل مرة تبتسم وتقول
أنا بخير يا ولاد... ما تقلقوش.
لكننا كنا شايفين الحقيقة في عينيها.
وجاء اليوم اللي جمعنا فيه الدكتور وقال بهدوء
لازم تستعدوا... الحالة متقدمة.
خرجت من عنده وأنا حاسس إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
أما المفاجأة فكانت في تصرف مراتي.
الست اللي في يوم من الأيام طلبت إن أمي تخرج من البيت...
هي نفسها اللي بقت تنام جنبها في المستشفى.
وتأكلها بإيديها.
وتقرأ لها القرآن كل ليلة.
وفي مرة سمعتها فاكرة إن محدش سامعها وهي بتقول لأمي
سامحيني على كل لحظة زعلتك فيها.
أمي ابتسمت وربتت على إيدها وقالت
أنا عمري ما زعلت منك يا بنتي.
وبكوا الاتنين.
بعدها بأسابيع...
رحلت أمي.
رحلت بهدوء وهي وسط أولادها وأحفادها.
وفي يوم العزاء، البيت كان مليان ناس.
لكن أكتر حاجة هزتني كانت لما لقيت مراتي قاعدة في أوضة أمي لوحدها.
دخلت عليها.
لقيتها
ماسكة صورة قديمة لأمي وبتعيط.
وقالت لي
عارف أكتر حاجة ندمانة عليها إيه؟
قلت
إيه؟
قالت
إني ضيعت شهور من عمري في خصامها... كان المفروض أحبها من بدري.
سكت شوية.
وبعدين طلعت من درج التسريحة ظرف صغير.
وقالت
أمك كانت سايباه لك.
فتحت الظرف.
وكانت فيه ورقة بخط إيد أمي.
آخر رسالة.
وفي آخر سطر منها كانت كاتبة
لو قريت الرسالة دي، يبقى أنا عند رب كريم... أوعى يوم تخلي العناد يضيع بيتك، وأوعى تنام زعلان من حد بتحبه... العمر أقصر مما تتخيل.
قفلت الرسالة ودموعي نازلة.
وبصيت لمراتي.
هي بصت لي.
وفي اللحظة دي عرفنا إن كل الخلافات اللي كانت في يوم كبيرة...
بقت أصغر بكتير من إنها تضيع عمر كامل.
ومن يومها، كل رمضان، بنحط كرسي فاضي على السفرة.
مش حزنًا...
لكن وفاءً.
وفاءً لست كانت سبب في إن العيلة دي تفضل متماسكة حتى بعد رحيلها.
النهاية الحقيقية لكن الحقيقة...
ماكنتش دي النهاية الأخيرة.
بعد وفاة أمي بثلاث سنين تقريبًا، كنت في البلد أرتب شوية أوراق خاصة بالأرض القديمة اللي ورثناها عن أبويا.
البيت كان مقفول من يوم ما أمي رحلت.
كل حاجة فيه زي ما هي.
المصحف على الترابيزة.
النظارة فوق الكومودينو.
وحتى الشال اللي كانت بتلبسه في الشتا لسه متعلّق مكانه.
وأنا بقلب في الدولاب القديم، لقيت صندوق خشب صغير ماكنتش شوفته قبل كده.
فتحته.
كان فيه صور قديمة جدًا.
وصور ليا وأنا طفل.
وصور
لأبويا.
وفي آخر الصندوق لقيت ظرف مكتوب عليه
يفتح بعد رحيلي.
كان بخط أمي.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
طلعت منه رسالة طويلة.
أول سطر فيها
تم نسخ الرابط