مراتي كانت بتخبي

لمحة نيوز

قديمة.
كان فيها هدى.
والشخص صاحب الحقيبة.
وعدد من الناس التانيين.
لكن اللي شد انتباهي مش الأشخاص.
كان المكان.
خلفهم مبنى قديم.
وعليه لافتة باسم جمعية صغيرة.
اسمها كان مألوفًا جدًا.
افتكرت فورًا.
هدى كانت بتروح المكان ده زمان.
وكانت دايمًا تقول إنها بتشارك في أعمال خيرية هناك.
في اليوم التالي قررت أروح.
المبنى كان لسه موجود.
أصغر مما تخيلت.
وأقدم كمان.
استقبلتني سيدة كبيرة في السن.
وأول ما قلت اسم هدى، ابتسمت.
ابتسامة فيها حنين كبير.
وقالت
أخيرًا جيت.
استغربت.
وسألتها
حضرتك تعرفي إن هدى توفت؟
هزت رأسها بهدوء.
وقالت
كانت سايبة أمانة عندنا ليك.
دخلت إلى مكتب صغير.
وفتحت درجًا قديمًا.
وأخرجت ملفًا أزرق.
ناولته لي.
وقالت
قالت ما يتفتحش إلا بعد رحيلها.
فتحت الملف.
ولقيت عشرات المستندات.
وصور.
وخطابات شكر.
وأوراق تبرعات.
كلها باسم هدى.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت إن معظم التبرعات دي كانت بتروح لأسر محتاجة.
وأطفال أيتام.
وحالات علاج.
على مدار أكتر من عشرين سنة.
كل المبالغ الصغيرة اللي كانت بتخبّيها في البيت...
وكل الفلوس اللي كنت فاكر إنها مجرد احتياطي...
كان جزء كبير منها بيتجمع ثم يخرج لمساعدة ناس محدش يعرف عنهم حاجة.
السيدة الكبيرة قالت وهي تبتسم
كانت رافضة حد يعرف.
حتى الناس اللي كانت بتساعدهم ماكانوش يعرفوا اسمها.
قعدت أقلب في الأوراق وأنا مصدوم.
هدى كانت عايشة حياة كاملة من العطاء بصمت.
حياة حتى أنا، أقرب الناس ليها، ماكنتش أعرف عنها كل حاجة.
وقبل ما أمشي، أخرجت السيدة ظرفًا أخيرًا.
وقالت
ده آخر شيء سابته هنا.
فتحت الظرف.
ولقيت رسالة قصيرة.
لو وصلت للمرحلة دي، يبقى عرفت إن الإنسان ممكن يسيب أثر أكبر بكتير من أي فلوس.
أنا مش عايزاك تدور ورا الماضي أكتر.
عايزاك تبص لقدام.
في الملف اسم أسرة واحدة فقط كنت بطلب متابعتها بنفسي كل شهر.
روح لهم.
قفلت الرسالة.
وبدأت أدور في الملف.
وفعلًا لقيت اسم الأسرة.
وعنوانها.
لكن أول ما قرأت الاسم.
..
عرفت إن هدى كانت مخبية مفاجأة أخيرة.
لأن صاحب الاسم ده...
كان شخصًا أعرفه جيدًا جدًا وقفت قدام الخزانة مش قادر أتحرك.
بصيت للاسم المكتوب على بطاقة الحقيبة مرة واتنين.
نفس الاسم.
الاسم اللي شوفته قبل كده في الأوراق القديمة.
والاسم اللي اختفى من حياتنا فجأة من سنين طويلة.
إيدي كانت بتترعش وأنا بسحب الحقيبة برا الخزانة.
كانت تقيلة.
أتقل بكتير مما توقعت.
بصيت حواليّ.
المحطة كانت شبه فاضية.
فأخدتها ورجعت البيت على طول.
أول ما دخلت قفلت الباب ورايا.
وحطيت الحقيبة فوق السفرة.
فضلت أبصلها دقيقة كاملة.
حسيت إن كل سر كشفته هدى كان بيقودني للسر اللي بعده.
فتحت السوستة ببطء.
ولقيت جواها هدوم قديمة جدًا.
وألبومات صور.
وأوراق متصفرة من الزمن.
لكن أكتر حاجة لفتت انتباهي كانت آلة تسجيل صغيرة قديمة.
من النوع اللي بيشتغل بشرائط الكاسيت.
وجنبها شريط واحد فقط.
وعليه بخط هدى
اسمع ده لوحدك.
قلبي بدأ يدق أسرع.
دورت في الحقيبة لحد ما لقيت الشاحن الخاص بالجهاز.
بعد محاولات كتير اشتغل أخيرًا.
دخلت الشريط.
وضغطت تشغيل.
في البداية كان فيه تشويش.
وبعدين ظهر صوت هدى.
صوتها الحقيقي.
نفس الصوت اللي كنت مفتقده من شهور.
لدرجة إني غمضت عيني للحظة.
كانت بتقول
لو أنت بتسمعني دلوقتي... يبقى وصلت أبعد مما كنت متخيلة.
سكتت ثواني.
ثم كملت
أنا آسفة إني خليتك تلف كل السكة دي.
لكن كان لازم تعرف الحقيقة بالتدريج.
بلعت ريقي وأنا مركز مع كل كلمة.
وفجأة قالت اسم الشخص صاحب الحقيبة.
ثم أضافت
هو ما ماتش.
اتجمدت في مكاني.
حرفيًا اتجمدت.
كملت هدى
الكل صدق إنه مات.
والكل اقتنع بالقصة.
لكن الحقيقة مختلفة.
بدأ نفسي يضيق.
وحسيت إن الدنيا كلها بتلف حواليا.
الصوت على الشريط استمر
اللي حصل وقتها ماكانش حادث.
وكان فيه ناس كتير عارفة الحقيقة.
وأخطر حاجة... إن واحد من الناس دي كان قريب جدًا مننا.
هنا سُمِع صوت خبط خفيف في التسجيل.
كأن هدى حركت الميكروفون.
ثم قالت جملة واحدة خلت الدم
يتجمد في عروقي
الشخص ده لسه موجود في حياتك لحد النهارده.
وفجأة...
التسجيل وقف.
مش انتهى.
وقف.
كأن جزءًا منه متسجل فوقه أو متقطع عمدًا.
قمت بسرعة أقلب الحقيبة كلها.
أدور على أي حاجة تكمل الكلام.
ولقيت في الجيب الداخلي ظرفًا صغيرًا مغلقًا.
وعليه عبارة قصيرة جدًا
ماتفتحش الظرف ده إلا لما تعرف مين الشخص اللي كنت بثق فيه... وخانني فضلت باصص للاسم ومش مستوعب.
قريته أكتر من مرة.
لأن آخر شخص كنت أتوقع ألاقي اسمه وسط كل الأوراق دي هو الشخص ده.
كان عم حسن.
البواب القديم بتاع العمارة اللي سكنّا فيها أول سنين جوازنا.
راجل بسيط، طيب، وكان دايمًا يضحك في وش الناس.
لكن من حوالي عشر سنين اختفى من المكان فجأة.
وقتها سمعنا إنه ساب الشغل وسافر عند قرايبه.
ومحدش سأل أكتر من كده.
العنوان المكتوب كان في منطقة شعبية بعيدة شوية.
وفي اليوم اللي بعده قررت أروح.
وصلت بعد مشوار طويل.
وسألت عن البيت.
لحد ما وصلت لعقار قديم جدًا.
طلعت السلم.
وخبطت على الباب.
فتحت لي بنت صغيرة عمرها يمكن عشر سنين.
أول ما شافتني قالت
حضرتك جاي لعمو حسن؟
هزيت راسي.
فدخلت تجري للداخل.
بعد ثواني خرج عم حسن.
لكن أول ما شوفته عرفته بالعافية.
السنين كانت عاملة شغلها.
وشعره كله بقى أبيض.
وأول ما شافني وقف مكانه مصدوم.
وقال
إنت؟
دخلني البيت وهو ساكت.
وقعدنا شوية من غير كلام.
لحد ما قلت له
أنا عرفت إن هدى كانت بتبعت لكم مساعدات.
نزل بعينيه للأرض.
وسكت.
ثم قال بهدوء
ربنا يرحمها.
وبعد لحظة أضاف
هي أنقذت البيت ده.
استغربت.
فسألته يقصد إيه.
تنهد وقال
بعد ما سبت الشغل، بنتي جالها مرض شديد.
بعت كل اللي أملكه.
واستلفت من كل الناس اللي أعرفها.
وفي الآخر كنت هخسر البيت.
سكت لحظة.
ثم أكمل
في يوم لقيت ظرف قدام الباب.
جواه فلوس تكفي العلاج.
ومفيش اسم.
وبعدها كل شهر كانت تيجي مساعدة جديدة.
بصيت له في صمت.
فقال
سنين كاملة وأنا ماكنتش أعرف مين اللي بيبعت.
لحد قبل وفاتها بشهور.
لما جات تزورنا بنفسها.

حسيت بغصة في حلقي.
وسألته
ليه ما قالتليش؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
وقال
قالت إن الخير لما يبقى في السر بيبقى أجمل.
في اللحظة دي خرجت سيدة من إحدى الغرف.
وكانت بنت عم حسن.
اللي كانت مريضة زمان.
لكنها دلوقتي كانت بصحة جيدة.
ومعاها طفلين صغيرين.
وعلى الحائط وراها كانت فيه صورة قديمة.
صورة لهدى.
في إطار بسيط.
وتحتها عبارة مكتوبة بخط اليد
الناس بتمشي... لكن أثر الرحمة بيفضل.
وقتها حسيت إني بدأت أعرف هدى من جديد.
مش الزوجة اللي عشت معاها 23 سنة بس.
لكن الإنسانة اللي كانت بتزرع خير في حياة ناس كتير من غير ما تنتظر شكر.
ولما كنت همشي، نادتني بنت عم حسن.
وقالت
استنى.
ثم دخلت أوضتها ورجعت بصندوق صغير.
وقالت
طنط هدى سابته عندنا من سنتين.
وقالت لو جه يوم وحضرتك جيت هنا... نسلمهولك.
أخدت الصندوق وأنا متفاجئ.
كان صغير وخفيف.
لكن من كتر الأسرار اللي خرجت قبله...
عرفت إن اللي جواه أكيد هيغير حاجة تانية في حياتي أخدت الصندوق من إيد بنت عم حسن، وشكرتهم، ورجعت البيت.
طول الطريق كنت بفكر
هو لسه فيه أسرار تاني؟
بعد كل اللي عرفته عن هدى؟
دخلت البيت.
نفس البيت اللي وصتني ما أبعهوش.
نفس البيت اللي كنت بشوفه بعد وفاتها مجرد جدران فاضية.
حطيت الصندوق قدامي على الترابيزة.
وفتحته.
كان جواه مفتاح صغير.
وورقة مطوية.
بس.
فتحت الورقة.
وكان مكتوب فيها
دلوقتي عرفت أغلب الحكاية.
وفاضل آخر طلب.
ابتسمت وأنا بقرأ خطها.
وكملت.
طول عمرك كنت فاكر إني بخبي الفلوس عشان الأيام السودة.
لكن الحقيقة إني كنت بخبيها عشان الأيام الحلوة اللي تيجي بعدي.
البيت ده مش مجرد بيت.
البيت ده عمرنا.
وعشان كده طلبت منك ما تبيعهوش.
بعدها لقيت عنوان غرفة صغيرة في الدور الأرضي من البيت.
غرفة كانت مقفولة من سنين.
كنا بنحط فيها الكراكيب القديمة وخلاص.
نزلت فورًا.
فتحت الباب.
ودخلت.
الغرفة كانت مليانة صناديق.
لكن المفتاح اللي في الصندوق كان بيفتح دولاب خشب قديم في الركن.
فتحته.
ولقيت عشرات الملفات
المرتبة.
كل ملف عليه اسم.
اسم واحد من أولادي.
واحد لابني الكبير.
واحد لابنتي.
واحد لحفيدي الصغير.
وحتى ملف باسمي أنا.
فتحت ملف ابني.
لقيت جوابه طويل من هدى.
نصائح.
ذكريات.
كلام كانت نفسها تقوله له في المستقبل.
وفتحت ملف بنتي.
ولقيت نفس الشيء.
رسائل لكل مناسبة مهمة في
تم نسخ الرابط