مراتي كانت بتخبي

لمحة نيوز

تعرف حاجة واحدة بس.
إنك كنت أفضل حاجة حصلت في حياتي.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
وكملت.
أما الاسم اللي شوفته في الصور والرسائل... فده اسم أخويا.
اتجمدت.
أخويا اللي مات وهو صغير، والبيت ده كان بيته.
بعد موته اتقفل المكان سنين طويلة، وفضل الذكرى الوحيدة اللي فاضلة منه.
ولما عرفت إني هموت، طلبت من الراجل اللي بره يحافظ على البيت لحد ما تيجي.
حسيت بثقل غريب بيروح من على صدري.
لكن الرسالة ما انتهتش.
في آخر سطر كانت كاتبة
دلوقتي افتح الدرج اللي تحت النافذة.
قمت ببطء.
ورحت ناحية النافذة.
ولقيت درج صغير فعلًا.
فتحته.
ومن جوه كان فيه ظرف أبيض.
عليه تاريخ بعد وفاة هدى بشهر كامل.
وكأنها كانت عارفة بالضبط إمتى هيوصل لإيدي.
أخدت الظرف...
ولما لمحت اللي مكتوب عليه من الخارج، حسيت إن في سر أخير لسه ما اتكشفش بصيت للراجل وأنا مش فاهم أي حاجة.
قلت له
إنت تعرف هدى منين؟
تنهد بهدوء وقال
أعرفها من قبل ما تتجوزها بسنين.
الكلام وقع عليا زي الصاعقة.
قرب مني ومد إيده بحاجة صغيرة.
كانت مفتاح نحاسي قديم.
نفس المفتاح اللي كانت الرسالة بتتكلم عنه.
وقال
قالتلي ما أديهوش لحد غيرك.
أخدته منه وأنا حاسس إن الأسئلة جوا دماغي أكتر من الإجابات.
سألته
المفتاح ده بتاع إيه؟
رد
هتعرف بنفسك.
وأشاور على البيت.
بصيت ناحية الباب.
وبدأت أمشي ناحيته خطوة خطوة.
الغريب إن إيدي كانت بترتعش وأنا بحاول أدخل المفتاح في القفل.
أول ما لفيته...
القفل اتفتح بسهولة.
كأن حد كان منتظر اللحظة دي.
دفعت الباب.
وصوت صريره قطع السكون اللي في المكان.
دخلت.
البيت كان متغطي بطبقة تراب خفيفة.
لكن مش مهجور.
كان واضح إن حد بينضفه كل فترة.
في الصالة لقيت أثاث قديم.
وصور على الحائط.
وأول ما قربت من الصور...
اتجمدت مكاني.
كل الصور كانت لهدى.
في مراحل عمر مختلفة.
طفلة.
مراهقة.
وشابة.
صور عمري ما شوفتها قبل كده.
وفي وسط الصور كلها كانت فيه صورة كبيرة مؤطرة.
تحتها تاريخ.

ونفس الاسم اللي شوفته في الرسالة.
قربت أكتر.
ولقيت تحت الصورة ورقة صغيرة مثبتة بإبرة.
مكتوب فيها
لو وصلت لهنا، افتح الغرفة الأخيرة في الممر.
لفيت ناحية الممر.
كان طويل وضيق.
وفي آخره باب خشبي مقفول.
مشيت ناحيته ببطء.
وكل خطوة كان قلبي بيدق أسرع.
وصلت للباب.
ولقيت فوق المقبض ورقة تانية.
بخط هدى.
سامحني إني أخفيت السر ده كل السنين دي.
وقفت ثواني أحدق في الكلمات.
وبعدين فتحت الباب.
أول ما دخلت...
وقعت عيني على شيء في منتصف الغرفة.
شيء مغطى بقماش أبيض كبير.
ولما شديت القماش...
رجعت خطوة للخلف من شدة الصدمة.
لأن اللي كان تحته...
مكانش أثاث.
ولا صندوق.
ولا أوراق قديمة.
كان شيئًا آخر تمامًا...
شيئًا فهمت في اللحظة دي ليه هدى فضلت تخبيه عني طول 23 سنة كاملة فضلت قاعد في المطبخ وقت طويل، والدفتر في حضني.
كنت فاكر إن كل الأسرار انتهت.
وإن هدى قالت كل اللي عندها.
لكن وأنا بقفل الصندوق المعدني، لاحظت حاجة غريبة.
كان فيه قاع مزدوج.
طبقة تانية مستخبية تحت الصور والدفتر.
حاولت أرفعها.
وبالفعل طلعت بسهولة.
وتحتها لقيت ظرف بني قديم.
الظرف ده كان مختلف.
لأول مرة ألاقي حاجة مش مكتوب عليها اسمي.
كان مكتوب عليها
يُسلَّم إلى صاحبه فقط.
بس.
مفيش اسم.
مفيش أي تفاصيل.
فتحت الظرف بحذر.
لقيت بطاقة هوية قديمة منتهية.
ولما بصيت للصورة...
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
الصورة كانت لشاب أعرفه كويس.
كويس جدًا.
شخص كان جزء من حياتنا سنين طويلة.
لكن اختفى فجأة من غير تفسير.
قلبت البطاقة.
ولقيت معاها قصاصات ورق وتحويلات مالية قديمة.
كلها بأسماء مختلفة.
وتواريخ راجعة لأكتر من خمسة عشر سنة.
بدأت أقلب الأوراق بسرعة.
لحد ما وقعت عيني على ورقة بخط هدى.
لو وصلت للورق ده، يبقى فيه حاجة حصلت غير اللي كنت متوقعاه.
اتجمدت.
وكملت.
في ناس هتحاول تقنعك إن الماضي انتهى.
لكن الماضي عمره ما انتهى.
الرسالة كانت ناقصة.
كأن باقيها متقطع.
دورت في الظرف.

لقيت نصف ورقة فقط.
أما النصف التاني فكان مفقود.
وقتها افتكرت حاجة.
من حوالي عشر سنين، هدى كانت بتتشاجر مع شخص على التليفون.
أول ما دخلت عليها سكتت فورًا.
ولما سألتها قالت إنه اتصال غلط.
يومها ما اهتمتش.
لكن دلوقتي...
بدأت كل التفاصيل القديمة ترجع قدامي.
وفي نفس الليلة، بينما كنت بقلب في الأوراق مرة تانية، وقع منها مفتاح صغير جدًا.
مش مفتاح بيت.
أصغر من كده بكتير.
وفي قصاصة ورق ملزوقة بيه.
مكتوب عليها
محطة القطار القديمة الخزانة 27.
رفعت رأسي ببطء.
قلبي بدأ يدق بعنف.
ليه هدى مأجرة خزانة في محطة قطار؟
وإيه اللي موجود جواها؟
وفي صباح اليوم التالي، أخدت المفتاح وروحت المحطة.
المكان كان شبه مهجور.
والخزائن المعدنية القديمة لسه موجودة في آخر الرصيف.
مشيت لحد ما وصلت للرقم 27.
وقفت قدامها ثواني.
وبعدين دخلت المفتاح.
صوت القفل وهو بيتفتح كان عالي وسط السكون.
فتحت الباب المعدني ببطء.
وفي اللحظة دي...
اتسعت عيني من الصدمة.
لأن اللي كان جوه الخزانة ماكانش صندوق.
ولا أوراق.
كان حقيبة سفر كاملة.
وعليها بطاقة باسم شخص كنت متأكد إنه مات من سنين قلبت الظرف بين إيديا أكتر من مرة.
كان مقفول بإحكام.
وعليه بخط هدى
متفتحوش غير لما تكون مستعد.
ابتسمت وسط دموعي.
وقلت لنفسي
هو في أكتر من كده؟
وفتحت الظرف.
لقيت جواه مفتاح صغير جدًا.
ومعاه ورقة.
الورقة كانت قصيرة.
طول عمرك فاكر إني كنت بخبي الفلوس بس.
لكن الحقيقة إني كنت بخبي حاجات تانية أهم.
استغربت.
وكملت.
ارجع البيت.
وروح للمطبخ.
وابص تحت البلاطة اللي جنب الشباك.
فضلت باصص للكلمات ثواني.
المطبخ؟
أنا عشت في البيت أكتر من عشرين سنة.
وعمري ما سمعت عن بلاطة متشالة.
رجعت البيت وأنا مش قادر أفكر في أي حاجة غير الكلام ده.
دخلت المطبخ فورًا.
وركعت على الأرض.
بدأت أخبط على البلاط واحدة واحدة.
لحد ما سمعت صوت مختلف.
صوت أجوف.
زي ما يكون فيه فراغ تحته.
جبت مفك من العدة.
وبدأت
أرفع البلاطة بحذر.
وبالفعل...
كانت متشالة.
وتحتها تجويف صغير.
وفي التجويف صندوق معدني قديم.
طلعت الصندوق.
وقلبي بيدق بعنف.
كان عليه قفل صغير.
نفس المفتاح اللي كان جوه الظرف.
أدخلته ولفيته.
الصندوق اتفتح.
لكن بدل ما ألاقي فلوس أو دهب...
لقيت عشرات الصور.
صور ليا.
أنا.
صور ماكنتش أعرف أصلًا إنها متصورة.
صورة ليا وأنا بلعب مع الأولاد.
صورة وأنا نايم على الكنبة بعد يوم شغل طويل.
صورة وأنا أصلح حاجة في البيت.
وصورة وأنا واقف في البلكونة أبص للشارع.
كلها لحظات عادية جدًا.
لكن هدى كانت محتفظة بيها كلها.
وتحت الصور دفتر صغير.
فتحت أول صفحة.
ولقيت عنوان
أسباب حبي ليك.
ضحكت من بين دموعي.
وبدأت أقرأ.
كل صفحة كان فيها سبب.
مرة لأنها شايفاني أب كويس.
مرة لأني وقفت جنبها وقت مرض أمها.
مرة لأني كنت برجع أعتذر حتى لما أكون متأكد إني صح.
ومرة لمجرد إني كنت بعمل لها الشاي كل صباح من غير ما تطلب.
الدفتر كان فيه مئات الأسباب.
مئات.
كأنها كانت تكتبه على مدار سنين.
ولما وصلت لآخر صفحة...
لقيت جملة واحدة.
جملة قصيرة جدًا.
لو وصلت لهنا... يبقى عرفت الحقيقة.
سكت لحظة.
وكملت القراءة.
أغنى حاجة سيبتها ليك مش الفلوس.
ولا البيت.
ولا أي حاجة مخبياها.
أغنى حاجة سيبتها ليك هي يقينك إنك كنت محبوب أكتر مما كنت متخيل.
وساعتها...
ولأول مرة من يوم ما دفنت هدى...
قعدت في المطبخ اللي كنا بنشرب فيه الشاي كل يوم.
وحضنت الدفتر على صدري.
وبكيت. بكيت فعلًا.
مش عشان فقدتها.
لكن عشان اكتشفت بعد رحيلها بوقت طويل...
قد إيه كانت بتحبني فضلت أبص للظرف فترة طويلة.
كلمة خانني ما كانتش راكبة مع كل اللي أعرفه عن هدى.
ولا مع شخصيتها أصلًا.
حسيت إن في حاجة ناقصة.
وإن في جزء من الحكاية أنا فاهمه غلط.
رجعت للتسجيل مرة تانية.
وشغلته من الأول.
المرة دي ركزت في كل صوت.
كل نفس.
كل حركة.
ولما وصلت للجزء اللي وقف فيه التسجيل، سمعت صوت خافت جدًا في الخلفية.
صوت
ورق بيتقلب.
وبعدين صوت هدى وهي بتقول
لا... دي مش الكلمة المناسبة.
بعدها حصل التشويش.
وقتها فهمت.
التسجيل كان فيه جزء مفقود.
لكن واضح إنها كانت بتراجع كلامها.
فتحت الألبومات القديمة اللي كانت في الحقيبة.
وبدأت أتفرج على الصور واحدة واحدة.
لحد ما وصلت لصورة جماعية
تم نسخ الرابط