دفنت مراتى بعد سنه
لعلاج الأطفال غير القادرين.
وسماه
مركز فريدة للرحمة.
وعند الافتتاح...
وقف أمام الحضور وقال
أنا لم أر أمي يومًا.
ساد الصمت.
ثم أكمل
لكنني رأيت أثرها في الناس.
وأشار إلى الأطفال الموجودين.
وهذا الأثر هو أعظم ميراث يمكن أن يتركه إنسان.
وفي آخر حياته...
كان آدم يجلس في نفس البلكونة التي كان يجلس فيها والده سليم.
ينظر إلى السماء وقت الغروب.
وحوله أبناء وأحفاد يوسف وأطفال الدار الذين صاروا عائلته الكبيرة.
سأله حفيده الصغير
جدو... هو صحيح إن ست اسمها فريدة غيرت كل ده؟
ابتسم آدم.
ونظر بعيدًا.
ثم قال
لا يا حبيبي.
استغرب الطفل.
إزاي؟
ربت آدم على رأسه وقال
فريدة بدأت الحكاية بس...
وأشار إلى
وأضاف
أما اللي كملها... فكان الحب.
وسكت الجميع.
بينما كانت الشمس تغيب ببطء.
وكأنها تغلق آخر صفحة في حكاية بدأت عند قبر...
وانتهت بعائلة كبيرة صنعتها الرحمة.
تمت حقًا هذه المرة النهاية الحقيقية للحكاية
في آخر يوم من عمر آدم...
كان راقدًا على سريره بهدوء.
شعره الأبيض يشبه شعر أبيه سليم.
وحوله أحفاده وأبناء دار فريدة الذين أصبحوا رجالًا ونساءً ناجحين.
نظر إلى الجميع بابتسامة هادئة.
ثم طلب شيئًا واحدًا
هاتوا لي صورة أمي.
أعطوه الصورة القديمة.
الصورة الوحيدة التي بقيت لفريدة.
ضمها إلى صدره.
وظل يتأمل ملامحها طويلًا.
ثم قال
طول عمري كنت فاكر إني اتحرمت من أمي.
وسكت لحظة.
لكن الحقيقة... إن ربنا عوضني عنها بمئات الأبناء والإخوة والأحفاد.
كانت الدموع في عيون الجميع.
أما آدم فرفع نظره إلى يوسف الجالس بجواره.
وقد أصبح شيخًا كبيرًا مثله.
ومد يده إليه.
فتشابكت أيديهما كما حدث أول مرة عند قبر فريدة قبل عشرات السنين.
وقال آدم بصوت ضعيف
أمي كانت صح.
إيه اللي كانت صح فيه؟ سأل يوسف.
ابتسم آدم.
وقال
إن الحب ما بيموتش.
ثم أغمض عينيه بهدوء.
ورحل.
بعد أيام...
نفذوا وصيته.
ودفنوه بجوار أبيه سليم.
وفي الجهة الأخرى...
كان قبر فريدة.
القبر الذي بدأت عنده الحكاية كلها.
وقف يوسف وحده بين القبور الثلاثة.
ينظر إلى الأسماء المنقوشة على الشواهد.
فريدة.
سليم.
آدم.
تنهد طويلًا.
ثم ابتسم رغم دموعه.
وقال بصوت خافت
أهو رجعلك يا أمي.
ووضع ثلاث وردات بيضاء.
ورحل ببطء.
وبعد سنوات...
اختفت أسماء كثيرة.
وتغيرت وجوه كثيرة.
لكن دار فريدة بقيت.
وكل طفل كان يدخل من بابها كان يرى لوحة صغيرة معلقة عند المدخل.
مكتوب عليها
إذا استطعت أن تجعل حياة إنسان واحد أفضل... فقد عشت حياتك كما ينبغي.
وتحت العبارة لم يكن هناك لقب ولا منصب.
فقط ثلاثة أسماء
فريدة سليم آدم
أما يوسف...
فكان اسمه مكتوبًا في سجل المؤسسين.
لأن الطفل الذي وقف يومًا يبكي عند قبر امرأة ظنها أمه...
أصبح جزءًا من أعظم أثر تركته في الدنيا.
وهكذا انتهت الحكاية.
لا بسرٍّ مخيف.
ولا بثروةٍ مدفونة.
ولا
بل بشيء أبقى من كل ذلك
إنسان رحل مبكرًا... لكن الحب الذي تركه خلفه عاش لأجيال.
النهاية.