دفنت مراتى بعد سنه
المحتويات
إنها تتحكي.
لكن محمود لسه ما خلصش كلامه.
بصلي وقال
وفي حاجة تانية لازم تعرفها...
ثم مد إيده في جيبه.
وأخرج ظرف صغير.
وقال
فريدة سابت الرسالة دي قبل الولادة بيومين... وقالت لو حصل لها حاجة أوصلها لسليم.
أخدت الظرف وإيديا بترتعش...
ولما فتحته وقريت أول سطر...
انهرت من البكاء.
لأن فريدة كانت كاتبة
لو بتقرأ الرسالة دي يا سليم... يبقى أنا خلاص سبت الدنيا، بس فيه سر صغير كنت مستنية أقولهولك بنفسي...فتحت الرسالة وإيديا بترتعش.
الدموع كانت مغرقة الورقة لدرجة إني كنت بشوف السطور بالعافية.
وكان أول سطر
يا سليم... لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى أنا مقدرش أقولك الكلام ده بنفسي. سامحني إني خبيت عليك، لكن والله ما كان الخوف على نفسي... كان الخوف عليك.
وقفت عند الجملة دي.
قلبي انقبض.
وكملت قراءة.
يوسف مش ابني الحقيقي... لكنه ابني في قلبي من يوم ما كان رضيع. بعد وفاة أمه وأبوه، اتعلقت بيه بشكل كبير. كنت بروح له كل يوم، وأقضي معاه ساعات طويلة. ومع الوقت بقى يناديني ماما، وكل ما كنت أحاول أصلح له المعلومة كان يعيط ويتمسك بيا أكتر.
تنفست الصعداء.
لكن الرسالة لسه فيها كلام أكتر.
لما عرفتك يا سليم، كنت ناوية أحكيلك كل حاجة. والله كنت ناوية. لكن كل مرة كنت بخاف. بخاف تفتكر إن في راجل في حياتي، أو إن ليا ماضي خبيته عليك.
مسحت دموعي.
وفريدة كانت فعلاً من النوع اللي يشيل الهم لوحده.
كملت.
بعد جوازنا، كنت بقول كل يوم بكرة أقوله. وبعدها حملت، والدنيا اتلخبطت، وتعبي زاد، وموت أمي كسرني. وكل يوم كنت بأجل الموضوع.
في آخر الرسالة كان فيه سطر مكتوب بخط مهزوز
لو جرالي حاجة، أوعى تحرم يوسف من زيارتك. الولد ده اتيم مرتين، ومايستحملش يتم للمرة التالتة.
قفلت الرسالة وأنا مش قادر أوقف بكائي.
رفعت عيني لمحمود.
لقيته هو كمان بيعيط.
وقال
كانت بتعتبره ابنها فعلاً.
بصيت ليوسف.
كان قاعد
طفل فقد أمه الحقيقية وهو رضيع.
وبعدين فقد الأم الوحيدة اللي عرفها في حياته.
مشيت ناحيته.
قعدت على ركبتي قدامه.
وقلت
يوسف.
رفع عينه ليا.
نعم؟
فريدة كانت بتحبك أوي.
هز راسه ودموعه بتنزل.
عارف.
سكت شوية.
وبعدين قال
هي كانت بتقولي إن ربنا هيبعتلي أخ صغير ألعب معاه.
اتجمدت مكاني.
لأن فريدة كانت فعلاً حامل بابني.
الولد كمل بصوت مكسور
هو جه؟
حطيت إيدي على كتفه.
وقلت
أيوة... جه.
ينفع أشوفه؟
بصيت لمحمود.
بصلي.
وبدون أي كلام فهمنا بعض.
قلت
مش بس تشوفه... ده هيعرف إن عنده أخ كبير بيحبه.
يوسف انفجر في العياط.
ورمى نفسه في حضني.
وأنا حضنته بقوة.
في اللحظة دي حسيت إن فريدة، حتى بعد رحيلها، كانت لسه بتجمع القلوب حواليها.
عدت الشهور.
وكبر ابني وسط حب ناس كتير.
وأصبح يوسف يزورنا كل أسبوع.
يلعب مع أخوه الصغير.
ويحكيله عن ماما فريدة.
عن طيبتها.
وضحكتها.
وقلبها الكبير.
وفي كل سنة يوم وفاتها، كنا نروح سوا نزور قبرها.
أنا.
وابني.
ويوسف.
ونقف قدام القبر في هدوء.
لحد ما قال يوسف مرة وهو شاب كبير
عارف يا عمو سليم؟
إيه يا ابني؟
ابتسم وهو باصص على اسم فريدة المكتوب على شاهد القبر.
وقال
في ناس بتخلف أطفال... وفي ناس بتخلف حب يعيش بعد ما يمشوا.
ساعتها ابتسمت وسط دموعي.
وعرفت إن فريدة ما ماتتش فعلاً.
لأن الإنسان بيعيش طول ما أثره الطيب عايش في قلوب اللي حبهم بعد سنين من اليوم ده...
بقى يوسف في الجامعة، وابني آدم دخل المدرسة، والعلاقة بينهم كانت أقرب لعلاقة أخين بجد.
يوسف كان أول واحد يجري على البيت لو آدم تعب.
وأول واحد يحضر عيد ميلاده.
وأول واحد يزعل لو شافه حزين.
وأحيانًا كنت أبص لهم من بعيد وأفتكر كلام فريدة
ربنا هيبعتله أخ صغير.
وكأنها كانت شايفة المستقبل.
في يوم من الأيام، كنت برتب حاجات قديمة في الدولاب.
لقيت صندوق خشب
كان بين هدوم فريدة.
فتحت الصندوق.
لقيت صور قديمة.
وصور أكتر.
وخطابات.
وذكريات.
وفي آخر الصندوق...
لقيت ظرف مكتوب عليه
يفتح بعد عشر سنوات.
اتجمدت.
لأن عشر سنين كانوا بالفعل عدوا.
فتحت الظرف بحذر.
وكان جواه جواب قصير.
لكن كل كلمة فيه كانت بتوجع وتطبطب على القلب في نفس الوقت.
يا سليم...
لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى ربنا كتب ليوسف وآدم يكبروا.
وكتبلك تعيش العمر اللي كنت بدعيلهولك.
أنا مش عارفة هيحصل إيه بعدي.
لكن أعرف حاجة واحدة.
إن الحب الحقيقي عمره ما بينتهي بالموت.
ولو يوسف لسه بيزورك...
قوله إني فخورة بيه.
ولو ابني كبر...
قوله إن أمه كانت بتحبه قبل ما تشوفه.
وقفت عن القراءة.
لأن دموعي غطت الورقة كلها.
في نفس الليلة...
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت يوسف واقف.
لكن ملامحه كانت مختلفة.
متوتر.
ومسك ملف في إيده.
قلت
خير يا ابني؟
ابتسم بتردد.
وقال
محتاج أكلمك في حاجة مهمة.
دخل وقعد.
وبعد لحظات من الصمت...
فتح الملف.
وأخرج منه عقد شقة.
وعقد محل.
وأوراق كتير.
أنا استغربت.
قلت
إيه ده؟
بصلي بعينين مليانين دموع.
وقال
دي أول ممتلكات اشتريتها من شغلي.
ابتسمت بفخر.
وقلت
ربنا يباركلك.
لكنه هز رأسه.
ودفع الأوراق ناحيتي.
كل ده باسم آدم.
اتصدمت.
ليه؟!
يوسف ابتسم.
وقال
لأن فريدة كانت أمي في قلبي... وآدم هو الحاجة الوحيدة اللي فضلت منها في الدنيا.
سكت لحظة.
ثم أكمل
وأنا طول عمري كنت يتيم... وهي ادتني إحساس إن عندي أم.
نزلت دموعي.
أما هو فقال
دلوقتي جه دوري أرد جزء صغير من الجميل.
مرت سنوات أخرى.
وأصبح آدم طبيبًا.
وأصبح يوسف رجل أعمال ناجحًا.
لكن رغم كل النجاح...
كانوا كل سنة يروحوا سوا لقبر فريدة.
يحطوا وردة بيضا.
ويقفوا دقائق في صمت.
وفي إحدى الزيارات...
وقف آدم أمام القبر وقال
أنا ما شوفتكيش يا أمي... لكن شكراً.
سأله يوسف
شكراً على إيه؟
ابتسم
وقال
عشان علمتيني معنى الأمومة من غير ما أعيشها.
ثم وضع يده على كتف يوسف وأضاف
وعشان سيبتيلي أخ.
نظر الاثنان إلى القبر.
وكان الهواء يحرك أوراق الأشجار بهدوء.
وكأن فريدة تبتسم لهما من مكان بعيد...
راضية...
ومطمئنة...
لأن الحب الذي زرعته في الدنيا لم يمت برحيلها أبدًا.
تمت بعد الزيارة دي بسنة تقريبًا...
كنت قاعد في البلكونة، شعري كله شاب، وبشرب الشاي وقت الغروب.
آدم كان بقى دكتور شاطر، ويوسف بقى من أنجح الناس اللي أعرفهم.
وفي يوم لقيت الاتنين داخلين عليا البيت بشكل غريب.
وشهم فيه توتر وفرحة في نفس الوقت.
قلت وأنا بضحك
إيه؟ عاملين مصيبة؟
بصوا لبعض.
وبعدين يوسف قال
لا يا عمو سليم... بالعكس.
وقام آدم طلع علبة صغيرة من جيبه.
فتحها.
وكان جواها مفتاح قديم.
استغربت.
قلت
مفتاح إيه ده؟
آدم ابتسم وقال
فاكر الشقة اللي عشت فيها مع ماما فريدة؟
قلبي دق فجأة.
الشقة دي كنت بعتها من سنين طويلة بعد ما مقدرتش أكمل فيها لوحدي.
هززت راسي.
قال
إحنا اشتريناها.
بصيت لهم مذهول.
إنتوا عملتوا إيه؟!
يوسف ضحك وقال
لفينا ورا المالك الجديد شهور لحد ما وافق يبيعها.
سكت لحظة.
وأضاف
ورجعناها للعيلة.
في اللحظة دي حسيت إن دموعي هتنزل.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية.
قال آدم
تعالى معانا.
ركبت العربية وأنا مش فاهم حاجة.
ولما وصلنا...
لقيت العمارة نفسها.
نفس السلم.
نفس المدخل.
حتى شجرة الياسمين القديمة كانت لسه موجودة.
طلعت الشقة.
وإيدي بتترعش.
فتح آدم الباب.
دخلت.
واتجمدت.
كل حاجة تقريبًا كانت زي ما سبتها من عشرات السنين.
الصالون.
السفرة.
المكتبة.
حتى صورة فرحي أنا وفريدة كانت متعلقة على الحيطة.
مش قادر أتكلم.
ولا أتنفس.
ولا أصدق.
لفيت أبص حواليّ.
ولقيت لوحة كبيرة معلقة.
مكتوب عليها
دار فريدة لرعاية الأيتام.
بصيت لهم باستغراب.
يوسف قرب مني وقال
قررنا نحول الشقة لمكان
وسكت لحظة.
زي ما أنا كنت واحد منهم.
أما آدم فقال
وكل طفل يدخل هنا هيعرف مين كانت فريدة.
في اللحظة دي انهارت كل مقاومتي.
وقعدت على أقرب كرسي أبكي.
مش حزن.
لكن امتنان.
لأن الست اللي عاشت سنة واحدة معايا...
فضل أثرها يعيش عشرات
متابعة القراءة