دفنت مراتى بعد سنه
المحتويات
السنين بعدها.
بعد افتتاح الدار بأشهر...
كان فيه طفل صغير جديد جه يعيش هناك.
عنده سبع سنين.
هادئ.
وخجول.
وفي أول يوم ليه...
وقف قدام صورة فريدة الكبيرة المعلقة في المدخل.
وبص لها طويل.
وبعدين سأل المشرفة
مين دي؟
ابتسمت المشرفة وقالت
دي صاحبة المكان.
فكر شوية.
ثم قال
شكلها طيبة أوي.
ابتسمت المشرفة.
وقالت
أيوة... كانت طيبة جدًا.
الطفل فضل باصص للصورة.
وبعدين قال جملة خلت كل الموجودين يسكتوا
حاسس إنها شبه أمي.
وفي اللحظة دي...
عرفت إن بعض الناس لا يرحلون أبدًا.
قد يختفون من الدنيا...
لكن الرحمة اللي تركوها وراءهم تفضل تعيش في قلوب ناس عمرهم حتى ما قابلوهم.
وكانت فريدة واحدة من الناس دول.
النهاية الحقيقية. بعد سنوات طويلة...
أصبحت دار فريدة معروفة في كل المنطقة.
مش لأنها أكبر دار.
ولا لأنها أغنى دار.
لكن لأن كل طفل كان يدخلها يشعر أنه دخل بيتًا حقيقيًا.
بيت فيه دفء.
وفيه حب.
وفيه ناس لا تنظر إليه كحالة أو رقم.
بل كابن.
وفي أحد الأيام الشتوية...
كنت قد تجاوزت السبعين من عمري.
أصبحت حركتي أبطأ.
وشعري أبيض بالكامل.
لكنني كنت أحرص على زيارة الدار كل أسبوع.
في ذلك اليوم، كنت جالسًا في المكتب الصغير داخل الدار.
وفجأة دخلت المشرفة وقالت
يا حاج سليم... فيه بنت عايزة تقابلك.
استغربت.
بنت مين؟
بتقول إن عندها حاجة تخص الست فريدة.
وقفت فورًا.
قلبي خفق بطريقة غريبة.
بعد كل هذه السنين؟
دخلت فتاة في العشرينات من عمرها.
ملامحها هادئة.
وكانت تحمل حقيبة جلدية قديمة.
جلست أمامي.
وقالت
حضرتك سليم؟
أيوة.
فتحت الحقيبة.
وأخرجت دفترًا قديمًا.
بمجرد أن رأيته...
عرفته.
كان دفتر يوميات فريدة.
الدفتر الذي ظننته ضاع بعد وفاتها.
شهقت
إنتِ جبتيه منين؟
قالت
أنا حفيدة السيدة أمينة.
تذكرت الاسم فورًا.
كانت جارة والدة فريدة القديمة.
كملت الفتاة
جدتي توفت الشهر اللي فات.
وسكتت لحظة.
وقبل ما تموت طلبت مني أوصل الدفتر ده ليك.
أخذت الدفتر بيد مرتجفة.
وقلبت صفحاته.
حتى
وهناك...
وجدت كلمات لم أرها من قبل.
كانت آخر كلمات كتبتها فريدة قبل الولادة بيوم واحد.
إذا وصل هذا الدفتر إلى سليم يومًا...
فأريد أن يعرف شيئًا واحدًا.
أنا لا أخاف الموت.
أنا فقط أخاف أن يكبر ابني وهو لا يعرف كم أحببته.
وأخاف أن يعيش سليم وحيدًا وهو يظن أن سنة واحدة كانت كل ما أعطيته له.
الحقيقة أنني أعطيته عمري كله.
حتى لو كان العمر سنة.
لم أستطع إكمال القراءة.
أغلقت الدفتر.
وأجهشت بالبكاء.
بعد أكثر من أربعين عامًا...
كانت قادرة على هز قلبي بنفس القوة.
في تلك الليلة...
طلبت من آدم ويوسف أن يأتيا.
جلسنا نحن الثلاثة في دار فريدة.
كما كنا نفعل دائمًا.
أخرجت الدفتر.
وقرأت لهما الكلمات الأخيرة.
ساد الصمت.
ثم قال يوسف بصوت منخفض
سبحان الله...
نظر إليه آدم.
فابتسم يوسف وأكمل
ست عاشت سنة واحدة مع سليم.
وأشار إلى الأطفال الذين يلعبون في فناء الدار.
لكنها غيرت حياة مئات الأطفال.
نظرنا جميعًا من النافذة.
كان الأطفال يضحكون.
ويركضون.
ويتشاجرون.
ثم يتصالحون.
كما يفعل الأطفال دائمًا.
بعد أشهر قليلة...
شعرت أن صحتي لم تعد كما كانت.
وكنت أعلم أن الرحلة تقترب من نهايتها.
وفي إحدى الليالي...
طلبت من آدم أن يفتح الخزانة القديمة.
وأعطيته كل رسائل فريدة.
وقلت له
احتفظ بيها.
سألني
ليه بتقول كده يا بابا؟
ابتسمت.
ونظرت إلى صورة فريدة المعلقة على الحائط.
وقلت
عشان الحب الحقيقي ما يتدفنش مع أصحابه.
وبعد سنوات...
عندما كان الزوار يدخلون دار فريدة...
كانوا يجدون لوحة صغيرة عند المدخل.
مكتوب عليها
بعض الناس يعيشون عمرًا طويلًا ويُنسَون...
وبعضهم يعيشون قليلًا...
لكن أثرهم يبقى للأبد.
وتحت العبارة مباشرة...
كان هناك اسمان فقط
فريدة و سليم
تمت. بعد رحيل سليم بسنوات...
بقى آدم ويوسف هما اللي بيديروا دار فريدة.
وكانوا محافظين على كل حاجة زي ما هي.
مكتب سليم الصغير.
صورة فريدة.
الرسائل القديمة.
حتى كرسيه الخشبي اللي كان بيحب يقعد عليه.
محدش
وفي يوم...
كانت الدار بتحتفل بمرور خمسين سنة على تأسيسها.
الصحافة والتلفزيون كانوا موجودين.
وأطفال كتير كبروا واتخرجوا وبقوا دكاترة ومهندسين ومدرسين رجعوا يحضروا الاحتفال.
وفي وسط الزحمة...
دخل رجل في الأربعينات من عمره.
ملامحه مألوفة بشكل غريب.
لكنه كان غريب عن الجميع.
وقف قدام صورة فريدة وسليم مدة طويلة.
لحد ما قرب منه يوسف.
وقال
حضرتك محتاج مساعدة؟
الرجل ابتسم.
لكن دموعه كانت في عينيه.
وقال
أنا جيت أشكرهم.
استغرب يوسف.
تعرفهم؟
هز رأسه.
وقال
لأ...
ثم أشار للصورة.
بس هما غيروا حياتي.
أخده يوسف لمكتبه.
وبدأ يسمع حكايته.
قال الرجل
أنا أول طفل دخل دار فريدة بعد افتتاحها.
اتسعت عينا يوسف.
كان فاكر الحكاية.
الطفل الهادئ اللي وقف قدام صورة فريدة وقال
حاسس إنها شبه أمي.
قال الرجل وهو يبتسم
أنا الطفل ده.
وساد الصمت.
أكمل الرجل
أنا دخلت الدار وأنا عندي سبع سنين.
ماكنش عندي حد.
ولا بيت.
ولا أمل.
ونزلت دمعة من عينه.
لكن المكان ده اداني أسرة كاملة.
حكى كيف درس.
وكبر.
واتخرج.
وسافر.
وبنى حياته.
ثم فتح حقيبته.
وأخرج ظرفًا كبيرًا.
ووضعه على المكتب.
قال يوسف
إيه ده؟
ابتسم الرجل.
وقال
تبرع.
فتح يوسف الظرف.
فتجمد مكانه.
كان بداخله عقد أرض ضخمة.
قيمتها ملايين.
شهق يوسف
حضرتك بتهزر؟!
ضحك الرجل.
وقال
أنا مليش فضل في اللي وصلتله.
ثم أشار إلى صورة فريدة.
الفضل بدأ من هنا.
بعد شهور...
تم بناء مبنى جديد بالكامل داخل الدار.
أكبر.
وأحدث.
ويتسع لعشرات الأطفال الجدد.
وعند افتتاحه...
وقف آدم أمام الجميع.
وقال
المبنى ده مش مجرد مبنى.
ثم أشار للصورة الكبيرة لفريدة وسليم.
وأضاف
ده دليل إن عمل الخير عمره ما بيضيع.
وفي نهاية الحفل...
كانت طفلة صغيرة تمسك يد آدم.
وسألته
عمو آدم؟
ابتسم.
نعم يا حبيبتي؟
قالت
مين الست اللي في الصورة؟
نظر آدم إلى صورة أمه.
ثم ركع أمام الطفلة.
وقال بابتسامة دافئة
دي ست كانت بتحب الناس كلها.
فكرت الطفلة قليلًا.
ثم قالت
يعني
امتلأت عينا آدم بالدموع.
ورد بهدوء
أيوة.
كانت بطلة.
ثم رفع رأسه نحو الصورة.
وشعر لأول مرة منذ سنوات طويلة...
أن فريدة ما زالت هناك.
في ضحكة كل طفل.
وفي دمعة كل محتاج تمت مساعدته.
وفي كل قلب عرف معنى الرحمة بسببها.
وهكذا...
تحولت سنة واحدة من الحب...
إلى عشرات السنين من الخير.
وإلى حكاية ظل الناس يحكونها جيلًا بعد جيل.
النهاية الأخيرة فعلًا. مرت سنوات أخرى...
وأصبح اسم دار فريدة معروفًا في محافظات كثيرة.
لم يعد المكان مجرد دار أيتام.
بل صار بيتًا لكل طفل فقد الأمان.
وكان آدم ويوسف كلما كبر عمرهما، زاد تعلقهما بالمكان.
وكأنهما يحرسان وصية قديمة تركتها فريدة خلفها.
وفي أحد الأيام...
كان يوسف يرتب أوراقًا قديمة داخل مخزن الدار.
مكان لم يُفتح منذ سنوات طويلة.
صناديق خشبية.
ملفات قديمة.
وصور باهتة أكل الزمن أطرافها.
وأثناء التنظيف...
وجد صندوقًا صغيرًا مغلقًا بقفل صدئ.
استغرب.
لأن الصندوق لم يكن موجودًا ضمن مقتنيات الدار.
كسر القفل.
وفتحه.
فوجد بداخله ملفًا قديمًا جدًا.
وعليه اسم واحد فقط
فريدة حسن.
تجمد مكانه.
ونادى آدم فورًا.
جلسا معًا يفتحان الملف.
كانت بداخله أوراق قديمة تعود لأكثر من خمسين سنة.
تقارير.
خطابات.
وأوراق رسمية.
لكن وسط كل ذلك...
وجد آدم ظرفًا أصفر اللون.
مكتوبًا عليه بخط فريدة
لا يُفتح إلا إذا كبر آدم.
نظر الاثنان لبعضهما.
ثم فتحاه بحذر.
كانت الرسالة قصيرة.
لكنها مختلفة عن كل الرسائل السابقة.
يا آدم...
لو قرأت هذه الرسالة فأنت رجل الآن.
وأريدك أن تعرف شيئًا لم أخبر به أحدًا.
توقف آدم.
وقلبه بدأ يخفق.
وأكمل القراءة.
أنت لم تأتِ إلى الدنيا لتنقذني من وحدتي فقط...
بل جئت لتكمل رسالة بدأت قبل أن تولد.
ارتجفت يداه.
وأكمل.
كل طفل حزين ستراه في حياتك...
تذكر أنه كان يمكن أن يكون ابنك.
وكل يد تمتد تطلب المساعدة...
عاملها كما كنت أتمنى أن يُعامل ابني لو لم أكن موجودة.
صمت طويل ملأ الغرفة.
ثم ظهرت ابتسامة حزينة على
وقال
حتى وهي مشيت... كانت بتفكر في غيرها.
هز يوسف رأسه.
وقال
عشان كده لسه عايشة.
في تلك الليلة...
جلس آدم وحده أمام صورة أمه.
لأول مرة شعر أنه يعرفها حقًا.
ليس من خلال الحكايات فقط.
بل من خلال قلبها.
من خلال كلماتها.
من خلال أثرها الذي امتد لعقود.
وفي العام التالي...
قرر آدم إنشاء مشروع جديد.
مركز مجاني
متابعة القراءة