رجعت بيتي بقلم صافي هاني

لمحة نيوز

الباب.
الظل من الداخل اقترب بسرعة لأول مرة، وصوته اتغير ابعدي عن الشق ده مش ليكي.
لكن إيدي ما اتحركتش.
لأن في اللحظة دي الصورة رجعت.
مش ذكريات كبيرة أو مشاهد كاملة.
مجرد لحظة واحدة.
إيدي أنا وهي بتضغط على زر صغير جنب القفل.
زر ماكنتش شيفاه قبل كده.
وفجأة سمعت صوت فتح ميكانيكي تحت البيت كله.
كأن حاجة اتفكت من مكانها.
الأرض اللي حوالينا في الذكرى بدأت تتكسر بس مش بعنف.
بهدوء.
كأن النظام اللي ماسك كل ده بدأ يفقد توازنه.
الست بالأحمر صرخت لا! إنتي كده بتفكي الربط!
رايان حاول يقرب مني، لكن إيده كانت بتعدي من خلالي كأنه بقى مجرد صدى إيميلي إنتي فين دلوقتي؟!
إيثان الأول بدأ يختفي نصه ماما أنا بخف
لكن إيثان التاني ثبت مكانه وقال لأول مرة بنبرة مختلفة أخيرًا
وبعدين بصلي مباشرة إنتي فهمتي إننا مش شخصين إحنا نتيجة قرار.
الظل حاول يرجع الباب يتقفل من جوه، لكن النور بدأ يتمدد عكسه.
والباب بدل ما يقفل أو يفتح
بدأ يتحلل.
كأن القاعدة نفسها بتتفك.
صوت عميق خرج من تحت كل حاجة إعادة ضبط غير مكتملة
وفجأة
الأرض كلها وقعت في سكون.
والبيت
اختفى.
وبقيت واقفة لوحدي في فراغ أبيض.
مفيش ظل.
مفيش أطفال.
مفيش بيت.
بس فيه صوت صغير قريب جدًا مني
إنتي اختاريتي تكسري النظام مش تقفليه.
لفّيت ببطء.
وكان قدامي نفس الباب.
بس المرة دي مفتوح نص فتحة بس.
ومن جوه مفيش وحش.
فيه طفل واحد بس قاعد على الأرض، رافع راسه، مستني.
وبصلي وقال
دلوقتي اختاري اسمي الحقيقي الفراغ الأبيض حواليا كان صامت بشكل يخوّف كأنه مش مكان، كأنه ما قبل البداية.
والطفل اللي قدامي كان قاعد بهدوء،
مش بيبكي، مش بيخاف كأنه مستني من زمان قوي.
اختاري اسمي الحقيقي.
الجملة وقفت في دماغي زي قفل تقيل.
بصيت له وحاولت أفتكر أي حاجة ثابتة. أي اسم. أي لحظة ما اتكسرتش.
لكن اللي كان بيرجع مش اسم كان إحساس.
إحساس إن فيه طفل واحد بس كنت بشوفه لكن كنت دايمًا بشوفه بشكلين.
بشكل بريء
وبشكل فاهم أكتر من سنه.
وكأن الحقيقة كانت متقسمة عشان أنا أقدر أعيش.
الطفل قدامي مد إيده الصغيرة على الأرض، ورسم خط بسيط في الفراغ.
أنا مش عايز أبقى اتنين تاني.
صوته كان أهدى من أي حاجة سمعتها.
الست بالأحمر ظهرت كظل خافت بعيد لو اخترتي اسم غلط هيبقى فيه نسخة هتفضل موجودة للأبد.
رايان كان صوته بعيد جدًا كأنه جاي من عالم تاني اختاري أي حاجة بس ترجعي ابني!
لكن إيثان أو الطفل ما اتحركش.
بس عينه كانت بتقول كل حاجة.
هنا فهمت.
مش مطلوب مني أفتكر الاسم.
مطلوب مني أقرر هو مين من غير خوف.
قربت منه خطوة.
وقلت بصوت واضح لأول مرة
إنت مش اتنين
سكتت لحظة، والفراغ كله كأنه بيحبس نفسه معايا.
إنت واحد اتقسم عشان ينجو.
الطفل رفع عينه بسرعة.
وفي اللحظة دي الخط اللي في الأرض نور.
والصوت اللي كان بيطلب الاسم اتبدل بصوت واحد بس
إعادة دمج.
النسختين اللي كانوا لسه موجودين في الإحساس بدأوا يقربوا من بعض.
واحد بيخاف. وواحد فاهم.
وببطء اتحركوا ناحيتي.
والبيت، والظل، والباب بدأوا يرجعوا يتكوّنوا تاني حواليينا.
لكن المرة دي مش كسر.
دي كانت بداية رجوع مختلف.
والطفل قال بهدوء وهو بيقرب
إنتي أول مرة متختاريش الخوف.
وقبل ما يلمس إيدي
العالم كله رجع يفتح تاني الصوت كان زي طَقّة خفيفة وبعدها
الدنيا رجعت مرة واحدة.
بس الرجوع ده ماكنش زي الأول.
مافيش بيت متكامل.
مافيش جنينة.
مافيش سلسلة.
فيه غرفة بيضا وجدرانها لسه بتتكوّن كأنها بتتكتب قدامنا.
والطفل قدامي كان لسه ماسك إيدي.
بس ملامحه بدأت تتغير.
مش طفل واحد ومش اتنين.
كانوا بيتجمعوا في شكل واحد ببطء، زي صورة بتترسم من جديد.
رايان كان واقف على بعد خطوات، لكن صوته كان واضح أخيرًا إيميلي ده ابني؟
ما رديتش بسرعة.
لأني كنت شايفة الحقيقة بتتكوّن قدامي.
الست بالأحمر اختفت تقريبًا بقت مجرد أثر صوت الدمج مش دايم لازم تثبيت
الطفل بصلي وقال بهدوء لو سبتيني دلوقتي هتفضلي فاكرة كل حاجة بس هتعيشي لوحدك جواها.
سكت.
وبعدين كمل ولو ثبتيني هنبقى حياة واحدة بس من غير شقوق.
مد إيده التانية ناحيتي.
وفي اللحظة دي، فهمت إن القرار مش بس عن طفل.
ده عن الذاكرة نفسها.
عن إني أعيش كاملة أو أعيش واعية زيادة عن اللازم.
قربت أكتر.
رايان صرخ ما تعمليش كده من غير ما تفهميني!
لكن صوته كان بيبعد.
كل حاجة كانت بتبعد إلا الطفل وإيدي.
وبهدوء شديد
حطيت إيدي على راسه.
وقلت
أنا مش عايزة أنسى أنا عايزة أفهم من غير ما أتكسر.
لحظة الصمت اللي بعدها كانت مطولة كأن العالم كله بيعيد حساباته.
وبعدين
الطفل ابتسم.
وقال يبقى هنكمل كده.
وفجأة، النور حواليه دخل فيه بالكامل.
وملامحه استقرت.
مش اتنين.
مش ظل.
طفل واحد بس.
بصلي وقال بهدوء أنا إيثان.
والغرفة بدأت تتشكل حوالينا من جديد بس المرة دي كانت ثابتة.
والصوت الأخير اللي سمعته قبل ما كل حاجة تهدأ كان جاي من بعيد جدًا
النظام اتعاد لكن الذاكرة فضلت.
وسكت العالم.
وبقيت
واقفة وابني ماسك إيدي
بس المرة دي، الحقيقة كانت عايشة بينا احنا الاتنين الهدوء اللي جه بعده ماكانش هدوء راحة كان هدوء اكتمال.
الغرفة البيضاء بدأت تاخد شكلها النهائي ببطء، زي بيت بيتبني من جديد على ذاكرة واحدة بس، مش شقوق ولا نسخ ولا أصوات متكسّرة.
إيثان كان ماسك إيدي، عينه ثابتة في عيني بس المرة دي مفيش خوف، ولا ارتباك.
بس فيه سؤال واحد لسه عايش بينهم.
ماما قالها بهدوء.
هنرجع نعيش هناك تاني؟
لفيت بصيت حواليا.
رايان كان واقف بعيد، شكله مشوش، كأنه بيحاول يفتكر حاجة مش موجودة بالكامل في دماغه. الست بالأحمر ما بقاش لها أثر. والبيت اللي تحت الأرض اختفى كأنه ماكانش موجود غير عشان يوصلنا للحظة دي.
قربت خطوة من إيثان، ومسحت على شعره.
هنعيش بس مش زي الأول.
سكت لحظة.
ولا زي الكابوس اللي فات.
إيثان هز راسه ببطء، كأنه فاهم حتى من غير شرح.
وفجأة الباب الأبيض اللي ورا الغرفة بدأ يتفتح لوحده.
بس المرة دي ماكانش باب خوف.
كان باب خروج.
صوت هادي خرج من الاتجاه ده، مش معروف مصدره العودة اختيار مش عقوبة.
رايان بصلي أخيرًا، وصوته كان فيه ارتباك حقيقي إنتي هتسيبيني هنا؟
سكت.
وبعدين رديت بهدوء أنا ما سبّتش حد قبل كده أنا بس كنت بدور على الحقيقة.
مسكت إيد إيثان أكتر.
وخطينا سوا ناحية الباب.
وقبل ما نعدي، إيثان بص وراه لحظة، كأنه بيودّع حاجة مش مرئية وبعدين رجع بصلي وقال
المرة دي مفيش حد هيختفي لوحده.
ابتسمت.
ودخلنا.
والنور ابتلعنا بهدوء.
ولما فتحت عيني تاني
ماكنش فيه حفرة.
ماكنش فيه ظل.
ولا سلسلة.
كان فيه بيت عادي
وصوت طفل بيجري في الممر لأول مرة من
غير خوف.
لكن في آخر لحظة
على الحيطة جنب الباب
كان فيه خدش صغير قديم جدًا مكتوب فيه كلمة واحدة
رجوع.
وساعتها بس فهمت إن
النهاية مش إغلاق.
دي بداية اختيار جديد كل يوم.

تم نسخ الرابط