لو مدفعتيش إيجار بقلم منال علي
لو مدفعتيش إيجار الورشة المتأخر، سيبي المفاتيح واطلعي برة النهاردة!.. الجملة دي مكنتش بتاعتي، بس ده نفس الصوت والوجع اللي بيتردد في ودنك لما الدنيا تضيق بيك وتديك ضهرها. أنا مسمعتش الجملة دي بالظبط يوم الثلاثاء اللي فات، بس حسيت بنفس الطعنة في صدري لما زبون رمى المفاتيح في وشي على المكتب، واتعامل معايا كأني حتة خردة ملهاش قيمة. بقلم منال علي
أنا اسمي فادية منصور، عندي ستة وتلاتين سنة، وشغالة ميكانيكية من لما كنت عيلة صغيرة تقريباً. شغالة في ورشة قديمة ومكركبة على أطراف شبرا الخيمة، من الورش اللي بقع الزيت فيها بقت جزء من بلاط الأرضية، والكوريك بيعلق بمزاجه، وكاتيل الشاي مات من سنين ومحدش فكر يشري غيره عشان كل واحد بكلمة ومحدش عاوز يصرف جنيه زيادة. بقلم منال علي
الورشة مش واسعة ولا حديثة، بس أنا حافظة كل شبر فيها. عارفة أنهي رافع لازم تطلع بيه بحذر عشان ميتزحلقش، وأنهي صامولة مصدية لدرجة إنها ممكن تضيع من عمرك نص ساعة كاملة عشان تفكها.. وعارفة كمان إزاي ألقط الزبون المقرف والمستغل من أول ما يخطب برجله عتبة الورشة. بقالي سبعتاشر سنة في الكار ده.. سبعتاشر سنة والشحم محبوك تحت ضوافري، ويومية شغل بتوصل ل ١٢ ساعة، لدرجة إني ساعات برمي جسمي في كابينة العربية الربع نقل بتاعتي قدام البيت وأروح في النوم من كتر التعب قبل ما أقدر حتى أطلع السلم بقلم منال علي
وفي البيت، مستنياني الأسباب التلاتة اللي مخليني واقفة على رجلي ومبستسلمش تلات توائم.. تلات حتت من قلبي عندهم ست سنين.
بنتي فرحة، اللي ورثت نظرة عين أمي القوية وضحكة بتنور عتمة الأيام الصعبة.. وإخواتها كريم وياسين، اتنين عكس بعض تماماً لدرجة متصدقش إنهم اتولدوا في يوم واحد؛ كريم شقي ومبيفصلش، دايماً بيفك في لعب العربيات ويكسرها عشان يشوف اللي جواها، وياسين هادي وراسي، من العيال اللي بتلاحظ الحاجات اللي الكبار نفسهم مبيشوفوهاش بقلم منال علي
أبوهم سابنا ومشي لما كان عندهم تمان شهور بس.. في صباحية يوم من الأيام لم هدومه في شنطة، وقال إنه مش قادر يشيل الحمل ده، واختفى ومشفناهوش تاني. مش هكدب عليكم.. في جروح في القلب مبتلمش أبداً، الواحد بس بيتعلم إزاي يمشي بيها وسط الناس من غير ما يخليهم يشوفوا كسرة عينه بقلم منال علي
أمي، الحاجة كريمة، جات عاشت معايا عشان تساعدني. ست عندها اتنين وسبعين سنة، ونظرة عيونها قادرة تقول عشرين كلمة من غير ما تفتح بقها. هي اللي بتسرح شعر فرحة كل يوم الصبح ضفيرتين، وهي اللي بتعملهم فطور يرم العظم، وهي اللي سندتني لما الدنيا اتهدت فوق دماغي. يوم ما أبو العيال سابنا ورجعت من الورشة حاسة إن الدنيا بتلف بيا، لقيتها شلت اتنين على كتافها والتالت نايم على الكنبة، وبصتلي وقالت بكلمتين طيب.. تعالي بقا نشوف هنعدي المحنة دي إزاي.
وأدينا بنعدي.. وبنحاول بقلم منال علي
بس الفلوس دايماً بتخلص قبل الشهر ما يخلص.. أنا مش بقول كدة عشان أصعب عليكم، بس هي دي
اليوم داك كان يوم مشحون وضغط رهيب.. عربيات كتير مركونة، وتاجر القطع اتأخر عليا، وزبون غلس رجع وشه أحمر وصوته جايب آخر الشارع وهو بيشاور بصباعه في وشي
إنتي مصلحتِيش أي حاجة في العربية!
حاولت أفهمه بالهداوة إني عملت الحاجة اللي هو وافق عليها وكتبتها في الفاتورة، بس العربية فيها عيب تاني خالص في الموتور ومكنش راضي يدفعلها.. مكنش عاوز يفهم، كان عاوز يفرغ غضبه في أي حد وخلاصبقلم منال علي
ورشتك دي ورشة تعبانة.. وأنا هخرب بيتك وهعملك فضيحة على الفيس بوك!
وقفت والجلدة في إيدي، ببلع ريقي وبكتم غيظي المعتاد.. الإحساس المر ده لما تلاقي الناس بتبصلك كأنك مجرد ميكانيكي ملهاش لازمة ولا كرامة، كأنك مش أكتر من بقعة زيت على الأرض.
وعلى أخر النهار، وأنا بكنس تحت واحد من الروافع، المقشة خبطت في حاجة ناشفة.. وطيت وجبتها؛ طلعت محفظة جلد سودا، قديمة وطرية من كتر الاستخدام.
فتحتها وأنا بفتكر إني هلاقي فيها بطاقة ورقتين ب خمستاشر جنيه..
لكن الصدمة..بقلم منال علي
المحفظة كانت مليانة رزم فلوس.. متستفة بعناية ومربوطة بأستك.. مئات ومتينات جديدة مفرودة.
دمي نشف في عروقي.. ووقفت متجمدة مكانى.
المبلغ ده كان أكتر من أي فلوس مسكتها في إيدي مع بعض من سنين.. أكتر بكتير من اللي بجمعه في حساب الورشة الصغير.. أكتر من شقى شهرين شغل متواصل من غير نوم.
الإيجار المتأخر فاضل عليه تلات أيام وصاحب الملك مبيترحمِش.. فواتير الكهربا متراكمة.. والكوتشي بتاع بنتي مش مستحمل رقعة تانية بقلم منال علي
بالفلوس دي.. كنت هتنفس.. كنت هقفل ديوني وأرتاح شوية.
وأه.. فكرت.. طبعاً فكرت.. ومفيش غير حد منافق هو اللي هيقول مفكرتش. لما تعيش شهور طويلة وأنت بتعمل حساب القرش والمليم وبتفضل تأجل في الطلبات عشان خايف الخدمة تتقطع عن عيالك.. عقلك بيعمل الحسبة دي لوحده في ثانية واحدة.. ثانية واحدة بس بتمر فيها كل هموم الدنيا قدام عينك.
لكن بصيت بتركيز أكتر جوة المحفظة..بقلم منال علي
لقيت في جيب صغير بطاقة شخصية لراجل عجوز.. داخل على تمانين سنة، شعره شايب أبيض بالكامل ونظرته تعبانة.. اسمه عم عبد الحميد. وجنب البطاقة ورقة صغيرة مكتوبة بخط إيد بطيء وواضح رقم تليفون للطوارئ وعنوان بيت.
قفلت المحفظة وإيدي بتترعش..
شيلتها في صندوق العدة بتاعي، وقفت الورشة وروحت لبيتي وعقلي عامل زي الغلاية.. أفكار بتاخدني وأفكار بتجيبني.. طمع وخوف.. وكسوف من نفسي بقلم منال علي
لما دخلت البيت، لقيت أمي بتغرف شوربة الخضار.. والعيال بيذاكروا على الطبلية الصغير؛ فرحة مطلعا طرف لسانها وبترسم بتركيز، وكريم وياسين بيتخانقوا بصوت واطي على قلم رصاص
مامااا! فرحة صرخت وجريت على
بوست راسها وشميت ريحتها الطيبة..
أمي لفت وبصتلي من عند البوتاجازبقلم منال علي
مالك يا فادية؟ وشك أصفر كأنك شايفة عفريت!
مفيش يا أمي.. بس يوم كان طويل وهلاك.
استنيت لحد ما العيال ناموا.. وقفت دقايق أبص عليهم وهم بيتنفسوا بهدوء في سريرهم.. دي الحركة اللي بعملها دايماً لما بحس إني بتهد ومحتاجة افتكر أنا ببتذل وبشقى لمين وليه.
خرجت الصالة وبصيت لأميبقلم منال علي
أنا نازلة مشوار صغير يا أمي.. خلي بالك من العيال.
رفعت راسها وبصتلي باستغراب عشان الوقت متأخر
دلوقتي يا فادية؟
أه.. مشوار ضروري لازم يخلص الليلة دي.
فضلت تقرا ملامح وشي بنظراتها اللي بتخترق الروح.. وفي الآخر هزت راسها وقالت ربنا معاكي يا بنتي.
طلعت المحفظة من صندوق العدة وركبت عربيتي القديمة، ومشيت في شوارع شبرا الهادية لحد ما وصلت للعنوان.
بيت عم عبد الحميد كان في حتة هادية ورايقة.. نور اللمبة السهاري منور في البلكونة الصغير.. ونور التلفزيون الأزرق باين من الشباك المفتوح.
وقفت دقيقة جوة العربية.. وسألت نفسيبقلم منال علي
طب لو افتكر إني سرقتها؟ لو اتصل بالشرطة؟ لو الحكاية اتقلبت عليا؟
بس نزلت.. وتوكلت على الله.
خبطت على الباب خبطتين.. وسمعت صوت خطوات بطيئة وتقيلة.. الباب اتفتح.
راجل عجوز ساند على عكاز خشب، وبصلي بشك واستغراب.
طلعت المحفظة من جيبي ومديت إيدي بيهابقلم منال علي
تقريباً دي بتاعتك يا حاج.. لقيتها في الورشة تحت الرافع وأنا بنضف.
عيونه وسعت وجسمه اتنفض.. مسك المحفظة بإيد بتترعش، فتحها وبص جواها.. ملامح الوش التعبانة والمهمومة اتبدلت في ثانية لراحة تامة ودموع نزلت من عيونهبقلم منال علي
أنا كنت فاكر إن شقايا راح.. دي فلوس المعاش والجمعية اللي هسدد بيها ديوني..
بصلي والدموع مغرقة وشهبقلم منال علي
افتكرت إنها ضاعت للأبد وإن حد طمع فيها..
الحمد لله إني لقيتها قولتله والدمعة فرت من عيني أنا كمان والحمد لله إني قدرت أوصلهالك بالسلامة.
طلع ورقة ب متين جنيه ومد إيده ليا
والنبي يا بنتي تاخدي دول.. حاجة بسيطة تعبر عن شكري.
هزيت راسي ورفضت بابتسامةبقلم منال علي
لا يا حاج.. مش هينفع والله.
ليه يا بنتي بس؟ ده حقك وحلاوتك.
لأني رجعتها عشان ده الأصول وده الصح.. مش عشان مستنية مقابل.
فضل يبصلي بتمعن لثواني طويلة كأنه بيحاول يفهم الست اللي واقفة قدامه دي اتخلقت من أنهي طينةبقلم منال علي
إنتي بنت أصول بجد يا فادية.. ومن القليلين في الزمن ده.
حب يعزمني أدخل بس اعتذرت وقولتله إن أمي مستنياني والعيال نايمين لوحدهم.
عندك عيال؟
تلاتة.. توائم.. عندهم ست سنين.
ضحك ضحكة صافية من قلبه وقالبقلم منال علي
عشان كدة الوش باين عليه شقى الأيام.. ربنا يخليهم ويطرح فيهم البركة يا بنتي.
اتوادعنا ورجعت بيتنا.. وحاسة بوزن تقيل أوي انزاح عن صدري.. حاسة بإن الهوا خفيف وبيدخل قلبي يطهره.
ليلتها.. نمت نومة ممرتش عليا من سنين.
لكن تاني يوم الصبح..بقلم منال علي
صوت خبطات قوية ومنتظمة على الباب فزعتني من النوم.. بصيت في الساعة لقيتها سبعة ونص الصبح!
فتحت الباب وأنا لسة بنعاسي وبطرحتي..
ولقيت واقف قدام باب شقتي.. راجل ببدلة ميري وهيبة.. رئيس مباحث المنطقة وبصلي بنظرة صارمة وهو بيقول
حضرتك الأسطى فادية منصور؟
يتبع
صلوا على حبيبنا و شفيعنا محمد ﷺ
قلبها وقع في اللحظة اللي سمعت فيها كلمة مباحث.
رجليها اتسمرت في الأرض، وإيدها لسه ماسكة طرف الباب كأنها بتتأكد إن ده واقع مش حلم.
أيوه أنا فادية منصور في حاجة؟
الرجل بص حواليه بسرعة، وبعدين رجع يثبت عينه عليها ممكن نتكلم جوه دقيقة؟
نظرة سريعة رمتها على الصالة أمها واقفة وراها، ماسكة معلقة الشوربة، ووشها اتشد أول ما سمعت كلمة مباحث.
اتفضل بس في إيه؟ أنا معملتش حاجة غلط.
دخل بخطوات هادية، بس ثقيلة، كأنه شايل خبر تقيل.
فتح ملف صغير كان في إيده، وطلع ورقة فيها اسمها مكتوب بوضوح ومعاه صورة.
الصورة كانت للمحفظة.
قلبها اتقبض.
المحفظة دي تم الإبلاغ عنها مبلغ كبير جدًا اتسحب منه جزء إمبارح.
سكت ثانية، وبص في عينيها مباشرة والبلاغ جاي من صاحبها وبيقول إن آخر مكان كانت فيه ورشتك.
الهواء اتسحب من الرئة عندها.
أمها اتقدمت خطوة ورشتها؟! بنتي ما بتسرقش يا حضرة الظابط!
الظابط رفع إيده بهدوء أنا ما قلتش كده بس لازم أفهم حصل إيه.
فادية بلعت ريقها بصعوبة أنا لقيتها والله العظيم لقيتها تحت الرافعة ورجعتها لصاحبها بنفسي.
سكت لحظة وبعدين قال جملة خلت جسمها كله يتجمد المشكلة مش في إنها اتلقت
قرب خطوة المشكلة إن في كاميرات قديمة في الشارع بتثبت إن المحفظة اتفتحت جوه الورشة قبل ما تتسلم لصاحبها
سكت.
سكون تقيل كأن الورشة كلها وقفت نفس واحد.
أمها همست يا ساتر كاميرات إيه؟
فادية بصت له بذهول افتحها؟! أنا ما لمستش الفلوس! أنا بس
لكن صوت خبط جامد على الباب قطع كلامها.
كلهم لفوا ناحيته.
الظابط بص بسرعة وقال افتحي الباب حالًا.
فادية قربت، إيديها بترتعش، ولما فتحت
لقيت نفس الراجل العجوز.
عم عبد الحميد.
بس المرة دي مش بيعيط
كان ماسك عصاية، ووراها شابين، ووشه مختلف تمامًا مش وش الراجل المكسور إمبارح.
بص لفادية، وقال بصوت هادي بس مرعب قلتلك يا بنتي الفلوس دي مش كلها كانت فلوسي.
سكت لحظة
وبعدين كمل وفي حاجة تانية اختفت من المحفظة غير الفلوس.
الظابط رفع عينه بسرعة إيه هي؟
الراجل بص لفادية مباشرة وقال
الورقة اللي كانت جواها مش مجرد عنوان دي كانت دليل على حاجة لو اتكشفت ممكن تقفل الورشة دي للأبد.
وفجأة
التلفزيون اللي وراهم في الصالة
اتفتح لوحده على نشرة عاجلة
حادث غامض مرتبط بأموال مفقودة في عدة ورش بمنطقة شبرا
وفادية حست إن اللي جاي مش مجرد بلاغ.
ده بداية حاجة أكبر بكتير من محفظة ضاعتفادية وقفت مكانها عينيها رايحة بين التلفزيون والراجل العجوز والظابط، كأنها بتدور على نقطة تثبت عقلها فيها.
دليل إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة!
الراجل العجوز قرب خطوة، وصوته بقى أخفض الورقة اللي كانت في المحفظة فيها رقم حساب وتحويلات مش بتاع معاش وبس.
الظابط