جوزى رجع فجأه

لمحة نيوز


وكانت تلك من آخر الذكريات الجميلة التي احتفظت بها العائلة معه.
وبعد أشهر قليلة...
رحل الحاج جلال بهدوء وهو محاط بأسرته.
الحزن كان كبيرًا.
لكن الغريب أن الجميع كانوا يشعرون بالامتنان أيضًا.
لأنه رحل بعدما رأى أولاده متصالحين.
ورأى بيته مجتمعًا من جديد.
وبعد انتهاء العزاء بأيام...
اجتمعوا لفتح الظرف الذي تركه.
كانت ورقة واحدة فقط.
كتب فيها
لو أنتم بتقرأوا الرسالة دي،
يبقى أنا مشيت.
عايزكم تفتكروا حاجة واحدة بس.
الفلوس بتروح.
البيوت بتتباع.
وحتى العمر بيخلص.
لكن اللي بيكسب أهله... عمره ما بيخسر.
ولو عايزين تكرموني بجد...
خليكم سند لبعض.
انتهت الرسالة.
لكن أثرها لم ينتهِ أبدًا.
لأنها أصبحت القاعدة التي عاشت عليها

العائلة كلها بعد ذلك.
تمت بعد عشرين سنة كاملة...
كانت نور واقفة على منصة كبيرة في حفل تخرجها.
القاعة مليانة ناس.
أمها مريم في الصف الأول.
وياسين بجانبها، شعره بدأ يشيب من الجانبين.
وشاهيناز قاعدة جنب الحاجة كريمة، وكل واحدة فيهم ماسكة منديل من كتر التأثر.
أما عماد...
فكان واقف في آخر القاعة يصفق بأعلى ما عنده.
لما نادوا اسم نور، استلمت شهادتها وسط تصفيق الجميع.
لكن بدل ما تنزل مباشرة، طلبت الكلمة.
مسكت الميكروفون وقالت
النجاح ده مش بتاعي لوحدي.
ثم أشارت ناحية أسرتها.
وأنا صغيرة ماكنتش فاهمة ليه ماما كانت دايمًا تقول إن البيت بيتبني بالرحمة قبل الفلوس.
ولا كنت فاهمة ليه بابا كان بيحكيلي عن جدي الله يرحمه كل
شوية.
لكن النهارده فهمت.
القاعة كلها سكتت.
وأكملت
جدي ساب لنا رسالة قصيرة... لكنها غيرت حياة عيلتنا كلها.
ثم أخرجت ورقة مطوية من حقيبتها.
نفس الرسالة التي تركها الحاج جلال قبل رحيله.
وقرأت آخر سطر فيها
اللي بيكسب أهله... عمره ما بيخسر.
في اللحظة دي...
انهارت الحاجة كريمة من البكاء.
وياسين أخفى دموعه بصعوبة.
أما مريم فافتكرت كل شيء.
افتكرت يوم كانت شايلة نور الرضيعة في المطبخ وحدها.
وافتكرت يوم وقف ياسين يدافع عنها.
وافتكرت كل الأزمات والخلافات والدموع.
وفهمت أن تلك اللحظة كانت نقطة التحول الحقيقية.
لو ياسين يومها سكت...
كان ممكن البيت كله يضيع.
ولو كل واحد تمسك بكبريائه...
كان ممكن العيلة تتفكك للأبد.
بعد الحفل،
اجتمعت الأسرة كلها على سفرة كبيرة.
مثلما كان الحاج جلال يحب.
كرسيه ظل فارغًا.
لكن روحه كانت حاضرة في كل ضحكة وكل كلمة.
وفي نهاية السهرة، رفعت نور كوب العصير وقالت
نخب جدو.
فضحك الجميع.
ورفعوا أكوابهم.
وقالت
ونخب اليوم اللي اتعلمنا فيه إن احترام الإنسان اللي معانا أهم من أي حاجة تانية.
نظر ياسين إلى مريم.
ثم أمسك يدها كما فعل قبل سنوات طويلة.
وقال بهدوء
الحمد لله إني رجعت بدري اليوم ده.
ابتسمت مريم والدموع في عينيها.
لأنها عرفت أنه يقصد ذلك اليوم البعيد...
اليوم الذي دخل فيه البيت ورآها منهكة تحمل طفلتهما وحدها.
اليوم الذي قال فيه جملته الشهيرة
بكرة الصبح تشيلوا حاجتكم وتطلعوا برة بيتي.
جملة بدت وقتها كأنها
نهاية.
لكنها كانت في الحقيقة...
بداية أجمل شيء حدث لهذه العائلة كلها.
النهاية.

تم نسخ الرابط