جوزى رجع فجأه
المحتويات
السلم.
نزلنا كلنا بسرعة.
ولما وصلنا مدخل العمارة...
شوفناه.
راجل في آخر الثلاثينات.
ضعيف جدًا.
وشعره فيه خصل بيضا كتير.
لكن ملامحه هي نفسها.
نفس صورة عماد القديمة اللي كانت معلقة في بيت أهله.
الحاجة كريمة صرخت
ابني!
وجريت عليه.
وهي بتعيط بشكل عمرنا ما شفناه.
حتى الحاج جلال، الراجل الصلب اللي عمره ما كان بيبكي قدام حد...
دموعه نزلت.
أما عماد...
فكان واقف ساكت.
كأنه مش مصدق إنه رجع فعلًا.
بعد ساعات من البكاء والأسئلة ...
حكى قصته.
بعد ما ساب البيت، سافر يشتغل في مدينة بعيدة.
وبعدين سافر لدولة تانية مع مجموعة عمال.
في البداية الدنيا كانت ماشية.
لكن الشركة نصبت عليهم.
وخسر كل حاجة.
ومع الوقت...
بقى بين شغلانة وشغلانة.
وكان كل ما يفكر يرجع...
الخجل يمنعه.
كان حاسس إنه فشل.
وإنه كسر كلامه.
لأنه وعد إنه يرجع ناجح.
لكن السنين جرت.
والرجوع بقى أصعب.
لحد ما أصيب بوعكة صحية شديدة من شهور.
وقتها اكتشف حاجة غيرت كل تفكيره.
إن الإنسان ممكن يخسر فلوس وشغل وأحلام...
لكن لو خسر أهله، يبقى خسر كل حاجة.
فسأل وبحث لحد ما وصل للعنوان.
ورجع.
البيت كله سامحه تقريبًا من أول يوم.
إلا شخص واحد.
الحاج جلال.
كان فرحان برجوع ابنه.
لكن فيه وجع قديم جواه.
وجع سنين كاملة عاشها وهو مش عارف ابنه حي ولا ميت.
وفي ليلة هادئة، بعد ما الكل نام...
سمعت صوتهم في البلكونة.
عماد كان واقف قدام أبوه.
وقال
سامحني يا حاج.
الحاج جلال فضل ساكت.
ثم قال
تعرف أصعب حاجة كانت إيه؟
إيه؟
إني كل يوم أصحى وأسأل نفسي ابني جعان؟ تعبان؟ عايش أصلًا؟
وسكت شوية.
ثم أضاف
كنت مستعد أسامح أي حاجة... بس كنت محتاج أعرف إنك بخير.
عماد نزل رأسه ودموعه نزلت.
ولأول مرة من يوم رجع...
ضيّع خمسة عشر سنة من الغياب في لحظة واحدة.
وأنا
وافتكرت يوم ما أهله خرجوا من بيتنا.
وافتكرت كل المشاكل اللي عدت علينا.
واكتشفت حاجة مهمة
إن العائلات مش العائلات اللي عمرها ما بتغلط.
العائلات الحقيقية هي اللي بتعرف ترجع لبعض بعد الغلط.
ومن يومها رجع عماد يعيش قريب من أهله.
ورجعت السفرة تكبر.
واللمة ترجع.
لكن بعد ستة أشهر فقط...
وصل خطاب رسمي قلب حياة عماد كلها من جديد.
خطاب كان متعلق بسر قديم جدًا...
سر اختفاء خمسة عشر سنة كاملة.
يتبع... بعد ستة أشهر من رجوع عماد، بدأت الحياة تستقر من جديد.
عماد اشتغل في ورشة صغيرة مع صديق قديم، وبقى يزور أهله كل يوم تقريبًا.
وكأنّه بيحاول يعوض كل دقيقة ضاعت من عمره.
لحد صباح يوم هادئ...
وصل جواب مسجل باسمه.
عماد استغرب.
لأنه ماكانش متوقع أي مراسلات أصلًا.
فتح الظرف قدامنا.
وفي ثواني...
اتغير لون وشه.
ياسين أخد الورقة من إيده وقرأها.
ثم رفع عينه بصدمة.
إيه ده؟
الحاج جلال قرب منهم.
أما الحاجة كريمة فكان قلبها هيقف من الخوف.
الخطاب كان من مكتب محاماة.
وبيبلغ عماد إن شخصًا توفي قبل أسابيع، وترك وصية باسمه.
المفاجأة؟
إن الاسم كان اسم سالم النجار.
الرجل اللي سافر عماد معاه من خمسة عشر سنة.
نفس الرجل اللي اختفى من حياته فجأة بعد أزمة الشركة.
والأغرب...
إن الوصية كانت بتطلب حضور عماد بنفسه لاستلام ملف خاص محفوظ منذ سنوات.
في البداية افتكرنا الموضوع نصب.
لكن بعد مراجعة الأوراق والمحامي...
طلع كل شيء قانوني وحقيقي.
بعد أيام، سافر عماد مع ياسين للمحافظة اللي فيها المكتب.
ورجعوا بعد يومين.
لكنهم رجعوا بملف قديم.
ملف أصفر متآكل من الزمن.
وفيه عشرات الأوراق والصور.
جلسنا كلنا حول الترابيزة.
وبدأ عماد يقلب المحتويات.
وفجأة سقطت صورة قديمة.
صورة لعماد وهو شاب صغير.
واقف جنب سالم.
وخلفهم قطعة أرض واسعة.
وفي ظهر الصورة جملة مكتوبة بخط اليد
لو حصل لي حاجة... الأرض دي حق عماد.
سكت الجميع.
وبدأنا نقرأ بقية المستندات.
واتضح أن سالم كان اشترى قطعة أرض صغيرة وقت سفرهم.
وسجل جزءًا منها باسم عماد كشريك مستقبلي.
لكن بسبب الظروف والانهيارات المالية والسنوات الطويلة...
عماد لم يعرف شيئًا عن الموضوع.
أما سالم فظل يبحث عنه سنوات دون أن يجده.
وقبل وفاته...
كتب كل التفاصيل في وصيته.
بعد مراجعات طويلة، ثبتت الحقوق رسميًا.
وكانت المفاجأة الكبرى أن المنطقة التي كانت فيها الأرض تحولت مع السنين إلى منطقة عمرانية مطلوبة جدًا.
وأصبحت الأرض تساوي أضعافًا مضاعفة مما كانت عليه.
عماد جلس صامتًا طويلًا.
ثم قال
سبحان الله.
خير؟
ابتسم وسط دموعه.
وقال
طول عمري كنت فاكر إن السنين دي كلها ضاعت.
لكن ربنا كان مخبي لي رزق ماكنتش أتخيله.
الحاج جلال ربّت على كتفه.
وقال
الرزق الحقيقي مش الأرض.
عماد ابتسم.
عارف.
أمال إيه؟
نظر لأمه الجالسة بجواره.
ثم لأخيه ياسين.
ثم إلى البيت المليء بالضحك بعد سنوات من الحزن.
وقال
الرزق الحقيقي إني رجعت ألاقيكم لسه مستنييني.
بكت الحاجة كريمة.
وبكى الحاج جلال.
أما نور، التي لم تفهم شيئًا من الكلام، فجرت نحو عماد وقالت
عمو... هتجيب لي شوكولاتة؟
فضحك الجميع.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة جدًا...
ضحكة صافية ملأت البيت كله.
وكأن الحياة كانت تقول لهم
مهما طال الغياب... أحيانًا تكون أجمل المفاجآت في آخر الطريق.
النهاية الحقيقية. مرّت سنتان بعد ما عماد استلم الأرض.
وبدل ما يبيعها كلها ويصرف الفلوس، عمل حاجة محدش كان متوقعها.
باع جزء صغير فقط.
واستخدم الباقي في مشروع عائلي.
ورشة كبيرة تطورت مع الوقت وبقت مصنع صغير.
ياسين دخل شريك.
والحاج جلال بقى يروح كل يوم رغم سنه الكبير، لمجرد إنه يحس إنه وسط أولاده.
حتى شاهيناز اشتغلت في إدارة المبيعات بعد ما اكتسبت خبرة من شغلها.
ولأول مرة من سنين طويلة...
العيلة كلها كانت شغالة مع بعض بدل ما تكون متفرقة.
لكن الحياة، زي عادتها، ما بتديش السعادة كاملة مرة واحدة.
في شتاء سنة من السنين، الحاج جلال تعب فجأة.
في الأول قال إنه مجرد إرهاق.
لكن الإرهاق بقى دوخة.
والدوخة بقت إغماءات متكررة.
وبعد الفحوصات...
الدكتور طلب يقابل الأسرة كلها.
الجو في العيادة كان ثقيل.
والدكتور قال بهدوء
الحالة محتاجة متابعة دقيقة جدًا في الفترة الجاية.
الحاجة كريمة بدأت تبكي.
أما الحاج جلال فكان أهدى واحد في المكان.
خرج من العيادة، وجمع أولاده في البيت مساءً.
عماد.
ياسين.
شاهيناز.
وقعد يبص لهم واحد واحد.
ثم قال
عايز أقول لكم حاجة قبل ما أي ظرف يحصل.
ياسين قاطعه بسرعة
بعد الشر عليك يا حاج.
ابتسم الحاج جلال.
اسمعني بس.
سكتوا جميعًا.
وقال
زمان كنت فاكر إن الأب القوي هو اللي صوته عالي والكل يسمع كلامه.
ونظر ناحية عماد.
ودفعت تمن الفكرة دي سنين من عمري.
عماد نزل عينيه.
أما الحاج جلال فأكمل
واتعلمت متأخر إن القوة الحقيقية إن البيت يفضل متماسك.
ثم التفت لياسين.
يوم ما وقفت مع مراتك ودافعت عنها... كنت أذكى مني وأنا في سنك.
سكت ياسين.
لأنه لأول مرة يسمع الجملة دي من أبوه.
ثم أخرج الحاج جلال ظرفًا صغيرًا.
ووضعه فوق الطاولة.
وقال
ده مش هيتفتح إلا بعد ما أمشي من الدنيا.
الحاجة كريمة صرخت
بطل الكلام ده!
فضحك وقال
كلنا هنمشي يا أم عماد... بس مش النهارده.
مرّت الشهور.
والحاج جلال استمر يحارب المرض بصبر.
وكان كل يوم يقضيه وسط أولاده وأحفاده كأنه هدية.
وفي صباح يوم ربيعي جميل.
جلس في الجنينة الصغيرة أمام البيت.
ونور، التي أصبحت بنتًا كبيرة نسبيًا، كانت تلعب بجانبه.
سألته
جدو؟
ابتسم.
نعم يا نور؟
إنت بتحبنا قد إيه؟
ضحك.
ثم فرد ذراعيه لأقصى مدى.
وقال
قد الدنيا دي كلها.
فضحكت نور
متابعة القراءة