جوزى رجع فجأه

لمحة نيوز

لكده.
برضه ما ردش.
كنت فاكرة إني هعرف أحل كل حاجة لوحدي.
ياسين قال بهدوء
والغلط الأكبر إنك كنتِ مستعدة تورطي بيتي ومراتي وبنتي من غير ما تقولي كلمة.
شاهيناز نزلت عينيها للأرض.
لأنها عارفة إنه عنده حق.
بعد ساعة تقريبًا، كانوا خلصوا جمع حاجتهم.
وقبل ما يخرجوا، حصل موقف ما انساهوش طول عمري.
الحاجة كريمة وقفت قدامي.
أنا اتوترت.
افتكرت إنها هتلومني أو تحملني اللي حصل.
لكنها فجأة قالت
سامحيني يا مريم.
أنا اتجمدت مكاني.
سامحيني لو تعبتك.
يا حماتي...
لا... اسمعيني.
ودموعها نزلت.
أنا كنت شايفة تعبك كل يوم... بس كنت بقول دي زوجة ابني ولازم تستحمل.
وبصراحة... ظلمتك.
ما عرفتش أرد.
لأن دي أول مرة أسمع منها كلمة اعتذار من يوم اتجوزت.
وبعدين عملت حاجة أغرب.
راحت ناحية نور..
وقالت
ادعيلي لما تكبري يا بنتي.
حتى ياسين نفسه اتأثر.
أما شاهيناز فكانت واقفة تبكي في صمت.
وقبل ما تمشي، مدت لي ظرف صغير.
استغربت.
ده إيه؟
قالت
افتحيه بعد ما أمشي.
ومشيت.
هم كلهم خرجوا.
والبيت رجع هادي لأول مرة من أسبوعين.
قعدت على الكنبة وفتحت الظرف.
لقيت فيه ورقة واحدة.
ومبلغ فلوس.
الورقة كان مكتوب فيها
أنا عارفة إني غلطت في حقك كتير. والفلوس دي تمن كل طلبات البيت اللي كنت بخليكي تدفعيها من جيبك وأنا عاملة نفسي ناسية. مش هتسامحيني دلوقتي. بس يمكن في يوم من الأيام تعرفي إني ندمانة بجد.
فضلت باصة للورقة فترة طويلة.
وبصراحة...
ما كنتش متوقعة منها الحركة دي.
عدت شهور.
والحياة رجعت طبيعية.
شاهيناز اشتغلت فعلًا في مركز تجميل.
وبدأت تسدد ديونها جنيه جنيه.
الحاج جلال أصلح شقته.
والحاجة كريمة بقت كل أسبوع تتصل تسأل على نور وتطمن عليها.
أما ياسين...
ففي يوم وإحنا قاعدين على البلكونة بعد ما نور نامت، قال لي
عارفة أنا ليه اتعصبت اليوم ده؟
ابتسمت عشان أهلك ما ساعدونيش؟
هز راسه.
وقال
لا.

أمال؟
بص لي وقال
عشان أول مرة أشوفك تعبانة للدرجة دي... وساكتة.
مسك إيدي.
وأضاف
البيت اللي الست فيه مكسورة ومجهدة طول الوقت مش بيت ناجح... حتى لو كل الناس فيه مرتاحة.
وقتها حسيت إن كل التعب اللي فات راح.
لأن أغلى حاجة مش إن حد يدافع عنك وقت الخناقة...
أغلى حاجة إن يكون فيه حد شايف تعبك من غير ما تتكلمي.
ومن يومها...
نور كبرت وسط بيت صغير.
مش غني.
ومش كامل.
لكن فيه احترام ورحمة.
وده كان أغلى من أي حاجة تانية. النهاية. لكن الحقيقة...
ما كانتش النهاية دي آخر فصل في الحكاية.
بعد حوالي سنة كاملة، كانت نور بدأت تمشي وتتكلم كلمات صغيرة تضحكنا كل يوم.
والعلاقة بين ياسين وأهله اتحسنت تدريجيًا.
زيارات خفيفة.
مكالمات.
وسلام من بعيد.
لحد يوم جمعة، وإحنا قاعدين بنتغدى، جرس الباب رن.
فتحت.
لقيت شاهيناز واقفة.
بس مش شاهيناز اللي أعرفها.
لا ضوافر طويلة.
لا مكياج مبالغ فيه.
ولا نظرة التعالي القديمة.
شايلة ملف في إيدها وكيس حلويات في الإيد التانية.
دخلت وقعدت.
وبعد شوية طلعت ورقة من الملف وحطتها قدام ياسين.
إيه ده؟
آخر إيصال سداد.
سداد إيه؟
ابتسمت لأول مرة من قلبها.
آخر قسط من الديون.
ياسين سكت.
وأبوه اللي كان موجود وقتها دمعت عينه.
أما حماتي وهي بتعيط.
شاهيناز ضحكت وسط دموعها وقالت
أول مرة أنام من غير ما أخاف من مكالمة أو رسالة.
البيت كله فرح لها.
حتى أنا.
لأن الإنسان لما يعترف بغلطه ويصلحه، يستحق فرصة جديدة.
لكن المفاجأة الأكبر كانت بعد كده بشهرين.
ياسين رجع من الشغل ومعاه ظرف.
وقال
عندي خبر.
بصيت له باستغراب.
خير؟
ناولني الظرف.
فتحته.
ولقيت عقد تعيين.
ده إيه؟
ابتسم.
وظيفة في حضانة كبيرة.
اتجمدت مكاني.
وظيفة لمين؟
ليكي.
عيوني وسعت.
أنا؟
أيوة.
بس أنا ما قدمتش أصلًا.
ضحك.
المديرة كانت أم لطفل كان عندك زمان في الحضانة قبل ما تسيبي الشغل.
فاكراكي
لحد دلوقتي.
وسألت عليكي.
وقبل ما تكملي كلام، قال
نور كبرت شوية... ولو حابة ترجعي لشغلك، أنا معاكي.
وقتها حسيت إني رجعت أتنفس من جديد.
لأني طول السنين دي كنت أم.
وزوجة.
وربة بيت.
لكن جوايا كان لسه فيه جزء من مريم المدرسة.
وبعد شهور قليلة رجعت أشتغل.
ورجعت أضحك.
وأحس إني ليا عالم خاص بيا.
وفي أول يوم شغل، وأنا خارجة من البيت، ياسين نادى عليّ.
لفيت له.
قال
فاكرة اليوم اللي رجعت فيه من الشغل وشوفتك شايلة نور وبتعيطي من التعب؟
هززت رأسي.
ابتسم وقال
الحمد لله إني رجعت بدري اليوم ده.
سألته
ليه؟
رد وهو شايل نور بين إيديه
لأن اليوم ده أنقذ بيتنا كله... قبل ما يضيع مننا واحنا مش واخدين بالنا.
ابتسمت.
ونزلت شغلي.
وأنا متأكدة إن أصعب الأيام أحيانًا...
هي نفسها اللي بتفتح باب لأجمل البدايات. 
تمت. مرّت ثلاث سنين.
نور بقت في الحضانة.
وأصبحت البنت المدللة عند الكل.
خصوصًا عند جدتها الحاجة كريمة، اللي بقت كل ما تشوفها وتقول
دي اللي صلحت اللي اتكسر بينا كلنا.
الحياة كانت مستقرة.
مش كاملة.
بس هادئة.
وده كان كفاية.
لحد يوم من الأيام...
كنت راجعة من الشغل، ولقيت ياسين قاعد في الصالة ووشه متغير.
أول ما دخلت، قال
اقعدي يا مريم... عايز أكلمك.
قلبي اتقبض.
قعدت بسرعة.
خير؟
ناولني ظرف أبيض.
كان مكتوب عليه اسم ياسين.
والمرسل...
شركة كبيرة في الإمارات.
فتحت الخطاب.
وقريت أول سطر.
وبصيت له بذهول.
عرض شغل؟
هز رأسه.
مدير تشغيل.
مرتب كام؟
قال الرقم.
أنا شهقت.
كان أكبر من دخله الحالي بأكتر من تلات أضعاف.
لكن الفرحة ما ظهرتش على وشه.
قلت
طب ما دي فرصة عظيمة!
سكت شوية.
ثم قال
المشكلة إن العقد أربع سنين.
وساعتها فهمت.
هيكرر نفس الغربة اللي عاشها زمان.
لكن المرة دي عنده زوجة وبنت.
قعدنا أسابيع نفكر.
كل يوم رأي.
كل يوم حيرة.
نور متعلقة بيه.
وأهله بقوا قريبين مننا
تاني.
وشغلي بدأ يستقر.
لكن في المقابل...
المبلغ كان كفيل يغير مستقبلنا كله.
وفي ليلة طويلة جدًا...
سألني
لو مكانك... تعملي إيه؟
بصيت له وقلت
القرار اللي يخليك بعد عشر سنين ما تندمش عليه.
فضل ساكت.
ثم ابتسم.
كأنه أخيرًا عرف الإجابة.
وبعد أسبوع...
جمعنا كل العيلة.
وأعلن قراره.
الجميع توقع إنه وافق على السفر.
لكن ياسين قال
اعتذرت عن الوظيفة.
الصالة كلها سكتت.
حتى أنا اتفاجئت.
الحاج جلال قال
إيه؟!
الحاجة كريمة شهقت.
أما ياسين فكمل بهدوء
الفلوس مهمة.
طبعًا مهمة.
لكني ضيعت سنين كتير من عمر بنتي وأنا بجري ورا الشغل.
دلوقتي عندي فرصة أشوفها تكبر قدامي.
وبص لي أنا ونور.
وقال
وفي حاجات لما تضيع... الفلوس ما بترجعهاش.
عدت الشهور.
ويمكن ماديًا ما بقيناش أغنى ناس.
لكننا كنا مرتاحين.
لحد ما حصل شيء ما حدش كان متوقعه.
في صباح يوم عادي جدًا...
رن جرس الباب.
فتحت.
ولقيت راجل كبير واقف.
شعره أبيض بالكامل.
وشكله مرهق.
قال بهدوء
لو سمحتي... الأستاذ ياسين موجود؟
أيوة.
قولي له... عماد رجع.
جسمي كله اتجمد.
لأن الاسم ده...
كان اسم الشخص الوحيد اللي ممنوع يتذكر في العيلة كلها.
اسم أخ ياسين الأكبر...
اللي اختفى من أكتر من خمسة عشر سنة من غير أثر.
ولأول مرة...
بدأ سر قديم جدًا يخرج للنور. 
يتبع...ياسين أول ما سمع الاسم، وقف من مكانه فجأة لدرجة إن الكرسي وقع وراه.
مين؟
الراجل العجوز كرر بهدوء
عماد... أخوك.
الصالة كلها سكتت.
الحاج جلال كان موجود وقتها.
أول ما سمع الاسم، وشه شحب.
أما الحاجة كريمة فحطت إيدها على قلبها وقعدت على أقرب كرسي.
لأن عماد ما كانش مجرد ابنهم الكبير.
عماد كان جرح مفتوح في العيلة كلها.
من خمسة عشر سنة، خرج من البيت بعد خناقة كبيرة مع أبوه.
وكان وقتها عنده 24 سنة.
وساب ورقة صغيرة كتب فيها
لما أبقى حاجة... هرجع.
ومن يومها اختفى.
لا تليفون.

لا عنوان.
لا خبر.
سنين طويلة عدت.
وأهله قلبوا عليه المستشفيات والأقسام والمحافظات.
وفي الآخر فقدوا الأمل.
حتى الحاجة كريمة كانت كل عيد تحط طبقه المفضل على السفرة وتعيط.
كأنها مستنية معجزة.
ويبدو إن المعجزة وصلت أخيرًا.
ياسين قال للراجل
هو فين؟
رد
تحت... مش قادر يطلع
تم نسخ الرابط