لما بابا دخل على المستشفى بقلم روماني مكرم
الاتنين مش فاهمة.
رقم غلط؟
أي رقم؟
المحاسب فتح الملف ببطء.
وقبل ما يطلع أول ورقة...
قال
وعشان كده لازم نتأكد من كشف الحساب الأصلي قبل ما حد ياخد أي قرار.
وفي اللحظة دي بالذات...
اتحولت كل الأنظار ناحية الظرف البني اللي بابا كان جايبه من أول اليوم.
لأن الإجابة اللي بيدور عليها الجميع ممكن تكون مستخبية فيه من البداية...
يتبع...بابا قرب الظرف البني منه أكتر، والمحاسب فتح الملف اللي معاه على آخره.
الأوضة كلها كانت ساكتة.
ولا حد بقى مهتم بالشقق، ولا بالأقساط، ولا حتى بالرسائل.
الكل عايز يعرف
إيه الرقم الغلط اللي ممكن يقلب كل اللي عرفناه؟
المحاسب طلع ورقة مطبوعة وقال
أنا راجعت التحويلات اللي كانت بتدخل الحساب.
ثم بص لطارق.
وفي حاجة غريبة جدًا.
طارق بلع ريقه.
أما أنا فكنت حاسة إن قلبي هينفجر من التوتر.
المحاسب كمل
كل التحويلات كانت جاية بانتظام.
بابا هز رأسه وده طبيعي.
اللي مش طبيعي إن الحساب اللي كانت بتدخله التحويلات اتغير مرة من غير ما صاحب التحويلات يلاحظ.
الأوضة كلها اتجمدت.
بابا انتفض في مكانه.
إزاي؟
المحاسب أخرج ورقة تانية.
وأشار لتاريخ قديم.
بعد الجواز بحوالي أربعة شهور.
أنا بقيت أبص للورق وأنا مش فاهمة.
المحاسب قال
قبل التاريخ ده كانت التحويلات داخلة على حساب.
ثم أشار لسطر آخر.
وبعده دخلت على حساب مختلف.
بابا خطف الورقة.
وبدأ يقارن الأرقام.
وفجأة...
ملامحه اتغيرت.
لأن رقم الحساب فعلًا مختلف.
رقم واحد بس في الآخر متغير.
رقم صغير جدًا.
لكن كفاية يودي الفلوس كلها لمكان تاني.
أنا همست
يعني إيه؟
المحاسب رد بهدوء
يعني فيه جزء كبير من التحويلات ما راحش للحساب اللي إحنا فاكرينه.
حتى طارق رفع رأسه فجأة.
واضح إن المعلومة صدمته هو كمان.
بابا قال بحدة
مستحيل.
المحاسب هز رأسه.
عشان كده جئت بنفسي.
ثم أخرج كشفًا آخر.
وقال
وفيه حاجة أغرب.
الكل سكت.
الحساب الثاني ده مش باسم طارق.
شهقة خرجت من الحاجة كريمة.
أما أنا فحسيت برجلي بتتلج.
قلت
باسم مين؟
المحاسب قلب الصفحة الأخيرة.
وبص للاسم المكتوب.
ثم رفع عينه ناحية بابا.
وقال
الاسم موجود هنا... لكن قبل ما نقفز لاستنتاجات لازم نتأكد رسميًا.
بابا مد إيده بسرعة وأخذ الورقة.
قرأ الاسم.
وفجأة اتجمد مكانه.
أنا عمري ما شفت الصدمة دي على وشه.
ولا حتى يوم وفاة جدي.
قلت بلهفة
مين؟
لكنه ما ردش.
بس فضل باصص للاسم.
ثواني.
ثم رفع عينه ببطء شديد.
ونظر ناحية باب الأوضة.
في نفس اللحظة بالضبط...
كان فيه شخص واقف عند الباب.
واضح إنه سمع آخر جزء من الكلام.
وشه شاحب.
وعينيه مليانة ارتباك.
وأول ما وقعت عين بابا عليه...
قبض على الورقة بقوة.
وقال بصوت منخفض لكنه سمعه الجميع
مستحيل...
أما الشخص الواقف عند الباب...
فبدا كأنه عرف أن السر الذي ظل مخفيًا شهورًا طويلة أوشك أن ينكشف أخيرًا.
يتبع...الشخص الواقف عند الباب اتجمد مكانه، كأنه كان ناوي يدخل ويخرج في نفس اللحظة.
بابا بص له نظرة طويلة.
نظرة ما فيهاش صدمة بس فيها فهم مرعب بدأ يتكوّن.
قال بهدوء خطير اقفل الباب وتعالى.
الراجل اتردد.
المحاسب بص في الورق بسرعة، وبعدين همس ده لازم نوقف عنده قبل أي تصعيد.
أنا ما بقيتش فاهمة حاجة.
كل اللي كنت عايشاه كان بيتقلب كل دقيقة.
الشخص دخل ببطء.
خطوة خطوتين ووقف في نص الأوضة.
وبمجرد ما نور الإضاءة وقع على وشه
الحاجة كريمة شهقت إنت؟!
أنا بصيت.
وكان موظف قديم عند طارق.
اللي كان بييجي البيت مرة أو مرتين من زمان.
طارق اتفاجئ أكتر من أي حد.
إنت بتعمل إيه هنا؟
الراجل ما ردش عليه.
بص للمحاسب الأول.
وبعدين لبابا.
وقال بصوت واطي أنا جيت عشان أصلح حاجة اتأخرت كتير.
بابا عقد حاجبيه إنت ليك علاقة بالحساب التاني؟
الراجل بلع ريقه.
وهز رأسه بالإيجاب.
الأوضة كلها سكتت.
المحاسب فتح الملف بسرعة وقال اتفضل وضّح.
الراجل خد نفس عميق.
وبدأ كلامه.
الحساب التاني
طارق اتقدم خطوة يعني إيه؟
الراجل بص له مباشرة.
يعني فيه توقيع اتضاف في وقت معين من غير ما صاحب الحساب يعرف.
الصمت ضرب الأوضة زي الصاعقة.
بابا قال توقيع مين؟
الراجل ما ردش فورًا.
بص في الأرض.
ثم رفع عينه ناحية طارق.
وقال الجملة اللي خلت الدم يتجمد في عروقي
توقيع حد من العيلة.
الحاجة كريمة صرخت إنت بتتهمني؟!
لكن الراجل هز رأسه بسرعة أنا ما باتهمش أنا بوضح اللي حصل في الملفات.
المحاسب فتح ورقة تانية بسرعة.
وبص لها.
ثم رفع عينه وقال التوقيع اللي على تحويلات الحساب التاني مطابق لتوقيع واحد بس في الملف.
بابا سأل فورًا مين؟
المحاسب سكت لحظة.
ثم قال
نفس الشخص اللي مضى على أول عقد ضمان
رفع الورقة قدامه.
وبص لاسمها.
الحاجة كريمة.
الأوضة انفجرت.
الحاجة كريمة وقعت على الكرسي وهي بتقول ده كذب! أنا عمري ما عملت كده!
لكن بابا ما اتكلمش.
كان باصص في الورق بس.
وبعدين قال بهدوء مخيف يبقى في توقيع اتزور.
المحاسب هز رأسه وده اللي كنت جاي أقوله فيه تلاعب حصل من الأول.
طارق فجأة رفع صوته أنا مكنتش أعرف حاجة!
لكن بابا قاطعه بس الفلوس دخلت وخرجت باسمك.
طارق سكت.
وفي اللحظة دي
الموظف القديم رجع خطوة لورا وقال وفي حاجة أهم من كده
كل العيون اتجهت له.
كمل الشخص اللي كان بيدير التحويلات فعليًا مش طارق.
سكون.
ثم قال الجملة الأخيرة
فيه حد تالت كان ماسك كل حاجة من ورا الكواليس.
بابا شد نفسه وقال مين؟
الراجل رفع عينه ببطء ناحية باب الأوضة
وقال
الشخص اللي برّه دلوقتي هو اللي بدأ كل ده.
كلنا لفينا في نفس اللحظة.
وبابا قال بصوت منخفض جدًا
افتح الباب
واللي دخل بعدها كان هيقلب الحقيقة كلها فوق دماغنا مرة واحدة
يتبع...بابا قال بصوت هادي لكن حاسم افتح الباب.
الموظف القديم مد إيده ببطء وفتح الباب.
اللي دخل ما كانش غريب.
ولا حد جديد.
كان نفس المحاسب القانوني اللي جه من
بس المرة دي وشه كان مختلف مفيهوش هدوء خالص.
كان ماسك ملف تقيل، وعينيه ثابتة على الكل.
قال أنا آسف إن الموضوع وصل لكده بس لازم الحقيقة تخلص النهارده.
طارق رجع خطوة لورا.
الحاجة كريمة همست إنت؟
المحاسب هز رأسه أيوه أنا اللي كنت براجع كل التحويلات من البداية.
بابا شد نفسه وقال يبقى قول.
المحاسب فتح الملف.
وقال
الحساب التاني والتوقيع والعمليات اللي كانت بتحصل كانت تحت إشراف واحد بس من البداية.
بص لطارق لحظة.
وبعدين بص للحاجة كريمة.
ثم قال الجملة الأخيرة
مش طارق لوحده ومش الحاجة كريمة لوحدها.
سكت.
الأوضة كلها حبست النفس.
وبعدين كمل
كان فيه ترتيب مالي تم بين الطرفين من زمان قبل الجواز حتى بهدف استثمار مشترك بس اللي حصل بعد كده إن الأمور خرجت عن السيطرة بسبب توسع الديون والمضاربات.
الصمت كان تقيل.
أنا بصيت لطارق.
وبصيت للحاجة كريمة.
وبصيت لبابا.
كل واحد فيهم كان باين عليه جزء من الحقيقة بس مش الحقيقة كلها.
بابا قال بهدوء يعني بنتي اتضحك عليها؟
المحاسب نزل عينه وقال اتستغلت ظروفها ومحدش كان قاصد الأذى في البداية لكن الإهمال والجشع عملوا اللي عملوه.
طارق قعد على الكرسي كأنه أخيرًا استسلم.
الحاجة كريمة كانت بتبكي بصمت.
وأنا كنت حاسة إن التعب اللي في جسمي اتبدل بوجع تاني.
وجع الفهم.
بابا خد نفس طويل.
وبعدين قال جملة واحدة بس
طيب والحل؟
المحاسب قفل الملف بهدوء.
وقال
الحل الوحيد تصفية كل العقود، بيع الأصول، وتسوية الديون واللي هيتبقى هيرجع لصاحبه الحقيقي.
بص ليا.
وقال
والحساب الحقيقي واضح الفلوس كانت دايمًا باسمها.
سكون.
وبعدين بابا ابتسم ابتسامة صغيرة حزينة.
وقال يبقى خلينا نبدأ من الأول صح.
طارق رفع عينه لأول مرة من ساعة المواجهة.
مش خوف.
لكن اعتراف.
الحاجة كريمة مسحت دموعها وقالت بصوت مكسور أنا آسفة.
لكن بابا رد بهدوء اللي فات ما بيرجعش بس اللي جاي ممكن يتصلح.
أنا حضنت
وحسيت لأول مرة من شهور إن الأرض تحت رجلي بدأت تثبت تاني.
وبين صدمة الحقيقة وبداية الحساب
كانت القصة كلها بتتقفل، مش بنهاية صادمة
لكن
ببداية جديدة أجبرتهم كلهم يواجهوا نفس السؤال
إزاي نخلي اللي جاي أعدل من اللي راح؟