لما بابا دخل على المستشفى بقلم روماني مكرم
المحتويات
يا حاج...
لكن بابا كان سبق الكل.
بدأ يقلب الورق بسرعة.
ثم فجأة رفع عينه ناحية طارق.
نظرة عمرى ما شوفتها في عيون بابا.
صدمة ممزوجة بغضب.
قال بصوت منخفض
شقة؟
سكت ثواني.
ثم قلب صفحة تانية.
وشقة كمان؟!
أنا حسيت الأرض بتميد بيا.
الحاجة كريمة قامت واقفة مرة واحدة.
هات الملف ده!
لكن بابا كان خلص تقريبًا.
رفع أول ورقة قدامي.
كانت عقد حجز وحدة سكنية.
وباسم...
طارق.
لوحده.
من غير اسمي.
ومن غير أي إشارة ليا أو للبيبي.
قلبي انقبض.
قلت بصوت مخنوق إيه ده يا طارق؟
طارق بلع ريقه وقال بسرعة
كنت بجهز مستقبلنا.
لكن الراجل صاحب البدلة قطب حاجبيه وقال باستغراب
مستقبلكم إيه يا أستاذ؟ حضرتك كاتب في الأوراق إن الوحدة استثمار شخصي.
الأوضة كلها سكتت.
طارق لف ناحية الراجل بعصبية محدش طلب رأيك.
الراجل اتراجع خطوة.
أما أنا فبدأت أربط الحكايات ببعض.
كل مرة كان يقول مفيش فلوس.
كل مرة كان يأجل أي طلب للبيت.
كل مرة كان يخليني أحس بالذنب لو اشتريت حاجة لنفسي.
وفي المقابل...
كان بيدفع أقساط شقتين كاملتين.
بابا قفل الملف بعنف.
وقال
يعني بنتي كانت بتولد في مستشفى حكومي علشان توفر ثمن المستشفى الخاص... وأنت بتشتري عقارات؟
طارق ما ردش.
الحاجة كريمة هي اللي اتكلمت
ما هو كان بيأمن مستقبله.
أول ما قالت الجملة، عرفت إنها قالت حاجة ما كانش المفروض تتقال.
لأن بابا سأل فورًا
مستقبله هو؟ ولا مستقبل أسرته؟
الحاجة كريمة عضت على شفايفها وسكتت.
لكن الكلمة كانت خرجت خلاص.
وفي اللحظة دي، الراجل صاحب البدلة قال جملة قلبت الجو كله
على فكرة... مش دي الوحدة الوحيدة.
الجميع بصله.
حتى طارق.
الراجل قال بتوتر
أنا افتكرت إن الأسرة كلها عارفة... فيه ملف تاني عندنا خاص بوحدة ثالثة.
طارق صرخ
اسكت!
لكن الصرخة نفسها كانت أكبر اعتراف ممكن.
أما أنا...
فبدأت أشك إن الفلوس اللي اختفت طول السنة ما كانتش مجرد
وإن الرقم الحقيقي اللي اتصرف من ورا ضهري أكبر بكتير مما كنت أتخيل.
يتبع...الأوضة بقت خانقة.
أنا حاسة إن نفسي بيتقطع، مش من تعب الولادة المرة دي... لكن من كمية الصدمات اللي بتنزل فوق دماغي واحدة ورا التانية.
الراجل صاحب البدلة اتراجع خطوة وقال أنا آسف... واضح إني جيت في وقت مش مناسب.
لكن بابا أوقفه فورًا لا، دلوقتي أنسب وقت. كمل.
طارق قرب منه بعصبية قولتلك امشي.
لكن الراجل بص لطارق باستغراب هو أنا بقول حاجة سر؟ دي أوراق رسمية.
وساعتها سحب ورقة صغيرة من الملف.
بص فيها ثواني وقال آخر دفعة وصلت للحساب كانت من أقل من أسبوعين.
بابا عقد حاجبيه.
وأنا افتكرت حاجة فجأة.
من أسبوعين بالضبط...
كنت قاعدة على الكنبة بعيط من وجع ضهري في آخر الحمل.
وطلبت من طارق نجيب كرسي مريح لأن الدكتور قال لازم أريح ضهري.
وقتها رد عليا اصبري الشهر ده... إحنا بالعافية.
الكلمات رجعت تدور في وداني.
إحنا بالعافية.
في نفس الوقت اللي كان فيه بيدفع أقساط عقارات!
حسيت بدموعي بتنزل لوحدها.
بابا شافني، فحاول يهدى نفسه.
لكن قبل ما يتكلم، الموبايل بتاع طارق رن.
رنّة طويلة قطعت الصمت.
طارق بص للشاشة، واتغير لون وشه فورًا.
حاول يقفل المكالمة بسرعة.
لكن بابا لمح الاسم قبل ما الشاشة تطفي.
قال مين الأستاذ سامي ده؟
طارق ما ردش.
الموبايل رن تاني.
وتالت.
ورابع.
كأن الشخص اللي بيتصل مصمم يوصل له.
الحاجة كريمة قالت بسرعة أكيد شغل.
لكن الراجل صاحب البدلة هز رأسه باستغراب.
وقال أستاذ سامي؟
كلنا بصينا له.
كمل هو مش ده اسم السمسار اللي باعلك آخر وحدة؟
الصمت نزل كأنه حجر على صدورنا.
طارق بقى واقف مكانه من غير ما يعرف يقول إيه.
أما أنا فبقيت حاسة إن فيه تفاصيل أكتر لسه مستخبية.
لأن رد فعل طارق كان أكبر من مجرد خوف على سر انكشف.
كان فيه ذعر حقيقي.
وفجأة وصلته رسالة.
الشاشة نورت
ولأن الموبايل كان على الترابيزة قريب مني، لمحت أول سطر قبل ما يخطفه.
وكان مكتوب
لازم نتقابل النهارده... الموضوع خرج عن السيطرة.
اتجمدت مكاني.
وبابا لمح التغيير في وشي.
قال شفتي إيه؟
أنا رفعت عيني ناحية طارق.
ولأول مرة من بداية القصة...
لقيته مرعوب بجد.
مرعوب من حاجة أكبر من الفلوس والشقق.
حاجة كان بيحاول يخبيها بكل قوته.
لكن واضح إنها بدأت تطلع للنور واحدة واحدة...
يتبع...طارق خطف الموبايل بسرعة وحطه في جيبه، لكن الأوان كان فات.
بابا قرب منه خطوة وقال بهدوء مخيف الموضوع خرج عن السيطرة في إيه بالظبط؟
طارق حاول يتماسك شغل... مجرد شغل.
لكن صوته كان مهزوز بطريقة فضحته.
الراجل صاحب البدلة بص لطارق وقال لو الموضوع خاص بالوحدة الأخيرة، فأنت لازم تحله بسرعة.
طارق لف له بعصبية أنا قولتلك متتكلمش!
ساعتها حتى الحاجة كريمة بدأت تقلق.
لأول مرة من ساعة ما دخلت الأوضة، ملامح الثقة اختفت من وشها.
بابا مد إيده وقال هات الموبايل.
مستحيل.
هات الموبايل يا طارق.
ده موبايلي وأنا حر فيه.
بابا ما ردش.
بس نظراته كانت كفاية تقول إن الصبر بدأ يخلص.
وفي اللحظة دي، الموبايل رن تاني.
المرة دي رسالة صوتية.
ومن التوتر، طارق ضغط عليها بالغلط وهو بيحاول يقفلها.
وفجأة خرج الصوت في الأوضة كلها.
صوت راجل
يا طارق، لازم ترد عليا. الناس عايزة تعرف هنسدد الفرق منين بعد ما السعر اتغير. وأنا مش قادر أوقفهم أكتر من كده...
الصوت اتقطع.
لكن الكلمات كانت كافية.
الفرق؟
الناس؟
السداد؟
بابا بص للملف، وبص لطارق.
وقال إنت مشتري الحاجات دي كلها بأقساط أكبر من قدرتك؟
طارق سكت.
وده كان أول اعتراف.
أنا افتكرت فجأة ليالي كتير كان بيقعد فيها سهران ومتوتر، ومكالمات كان يقفلها أول ما أدخل عليه.
كنت فاكرة إنها ضغوط شغل.
لكن الصورة بدأت تتجمع.
الراجل صاحب البدلة تنحنح وقال بصراحة... في أكتر
الحاجة كريمة شهقت إيه؟!
واضح إنها هي نفسها ما كانتش تعرف كل حاجة.
بابا قال يعني أخدت فلوس بنتي، وحبستها في عقارات، وكمان متعثر؟
طارق قعد على الكرسي كأنه فجأة فقد كل قوته.
ولأول مرة، ما حاولش يدافع عن نفسه.
عدت ثواني طويلة.
ثم قال بصوت منخفض
أنا كنت فاكر الأسعار هتزيد بسرعة وأبيع وأكسب.
الأوضة كلها سكتت.
وفي الأول فعلاً كسبت شوية.
رفع عينه ناحيتي.
بعدها دخلت في وحدات أكتر... وأقساط أكتر.
بابا قال بحدة وبنتي؟
طارق نزل عينه للأرض.
كنت كل مرة أقول لنفسي شهر كمان وأرجع لها كل حاجة.
لكن الشهور عدت.
والديون كبرت.
والأقساط زادت.
وأنا كنت عايشة فاكرة إن البيت فقير.
في نفس اللحظة، الباب اتفتح من جديد.
ودخل شاب صغير ماسك ظرف أبيض كبير.
وقف عند الباب وقال
أستاذ طارق موجود؟
كل العيون اتجهت له.
الشاب رفع الظرف وقال
معايا إخطار مستعجل، وطُلب مني أسلمه النهارده شخصيًا.
طارق غمض عينيه للحظة.
أما أنا...
فكان عندي إحساس إن الظرف ده هيكشف حاجة جديدة تمامًا، حاجة محدش في الأوضة كان متوقعها.
يتبع...الشاب دخل بخطوات مترددة، واضح إنه مش فاهم ليه كل الناس باصة له بالشكل ده.
مد الظرف ناحية طارق وقال
لو سمحت وقّع هنا بالاستلام.
طارق فضل ثابت مكانه.
ما مدش إيده.
ما اتكلمش.
بس كان باين عليه إنه عارف كويس جدًا إيه اللي جوه الظرف.
بابا مد إيده بدلًا منه وقال
أنا حماه. فيه مشكلة؟
الشاب هز كتفه وقال
معرفش يا فندم، أنا مجرد مندوب. بس قالولي أسلمه النهارده ضروري.
الظرف كان مكتوب عليه بخط أحمر عريض
هام وعاجل
قلبي بدأ يدق أسرع.
بابا فتح الظرف.
الحاجة كريمة قربت.
وأنا رفعت نفسي بالعافية من على السرير عشان أشوف.
أول صفحة ظهرت كانت مليانة أرقام وأختام.
بابا قرأ سطرين...
ثم توقف.
وبص لطارق.
بصة مختلفة المرة دي.
مش غضب.
ولا صدمة.
إنما عدم تصديق.
قال ببطء
إنت ضامن؟
طارق
وما ردش.
أنا حسيت إن الدنيا بتلف بيا من جديد.
ضامن مين؟
بابا قلب الصفحة التانية.
وكان واضح إن الموضوع أكبر من الشقق كلها.
أكبر من الأقساط.
وأكبر من الفلوس اللي اختفت.
قال بصوت منخفض
إنت ماضي كضامن في
متابعة القراءة