لما بابا دخل على المستشفى بقلم روماني مكرم
المحتويات
التزامات مالية بمبلغ ضخم.
الحاجة كريمة شهقت
إيه؟!
وبعدين بصت لابنها بعينين واسعتين
إنت عملت إيه يا طارق؟
لأول مرة، طارق بان عليه الانكسار الحقيقي.
مسح وشه بإيده وقال
كنت فاكر الموضوع بسيط.
بابا ضرب الملف على الترابيزة.
مفيش حاجة اسمها بسيط في ملايين الجنيهات!
الأوضة كلها اتجمدت.
حتى المندوب وقف مذهول.
أنا همست
ملايين؟
بابا بصلي بسرعة كأنه ندم إنه قالها.
لكن الكلمة خرجت خلاص.
ملايين.
مش عشرات الآلاف.
مش مئات الآلاف.
ملايين.
وفي اللحظة دي، الحاجة كريمة قعدت على الكرسي وهي بتحط إيدها على صدرها.
واضح إنها هي نفسها كانت فاكرة إن ابنها بيستثمر شوية فلوس وخلاص.
لكن الحقيقة كانت أكبر بكتير.
وفجأة...
موبايل طارق رن مرة تانية.
المرة دي باسم مختلف.
اسم قصير جدًا.
المحاسب
طارق بص للشاشة.
ثم للملف.
ثم لوالدتي... ثم لي.
وكأنه واقف عند آخر نقطة يقدر بعدها يخبي أي حاجة.
لكن اللي لفت انتباهي مش اسم المتصل.
اللي لفت انتباهي ورقة صغيرة كانت وقعت من الظرف على الأرض من غير ما حد ياخد باله.
ورقة مطوية.
عليها بخط اليد
في حالة التأخر عن السداد يتم اتخاذ الإجراءات الخاصة بالضمانات المقدمة.
مديت إيدي بالعافية وجبتها.
ولما فتحتها...
لقيت سطر واحد بس مكتوب في آخر الصفحة.
سطر خلاني أبص لطارق وأنا حاسة إن فيه مفاجأة جديدة لسه مستخبية
الضامن الأول طارق عبد الرحمن...
وتحتها مباشرة اسم تاني مألوف جدًا...
اسم شخص من العيلة نفسها.
شخص محدش كان يتوقع أبدًا إنه داخل في كل اللي بيحصل ده.
يتبع...إيدي كانت بتترعش وأنا ببص للاسم.
في الأول افتكرت إني بقرأ غلط من التعب.
قربت الورقة أكتر.
وقريت الاسم مرة تانية.
وتالتة.
لا...
ماكانش فيه غلط.
رفعت عيني ببطء ناحية صاحب الاسم.
الحاجة كريمة.
أمه.
الأوضة كلها سكتت.
أما الحاجة كريمة نفسها فاتغير لون وشها فجأة.
قالت بسرعة
أنا؟!
بابا خطف الورقة من إيدي.
قرأها.
وبعدين بص لها مباشرة.
إنتِ كنتِ عارفة.
هزت رأسها بعنف
والله ما أعرف حاجة عن ملايين ولا ديون.
لكن ارتباكها
طارق ساعتها قال لأول مرة
ماما كانت عارفة جزء بس.
الحاجة كريمة لفت ناحيته مصدومة
إنت بتقول إيه؟
قال بصوت مكسور
عارفة إني اشتريت الوحدات.
أيوة... بس مش أكتر من كده.
وعارفة إنك مضيتي معايا.
سكتت.
والسكون ده كان أخطر من أي كلام.
أنا حسيت بصدري يضيق.
لأن الصورة بقت أوضح.
في حاجات كتير كانت مستخبية.
لكن فيه كمان حاجات بدأت تتكشف.
بابا قعد على الكرسي وهو بيقلب الورق كله للمرة المية.
وبعدين فجأة وقف عند صفحة معينة.
عينيه ضاقت.
وقرب الورقة من وشه.
استنى...
طارق رفع رأسه.
إيه؟
بابا ما ردش.
فضل مركز في الصفحة.
ثم قلب الصفحة اللي بعدها بسرعة.
وبعدها اللي بعدها.
وفجأة قال
مش معقول.
كلنا بصينا له.
حتى المندوب نسي نفسه وفضل واقف.
بابا رفع الورقة في الهوا.
وقال
الوحدات دي اتسجل منها واحدة باسمك.
وأشار لطارق.
ووحدة تانية مرتبطة بالضمان.
ثم سكت.
أنا قلت بقلق
وفيه إيه كمان؟
بابا رفع عينه ناحيتي.
وقال
فيه وحدة تالتة...
طارق شد جسمه كله.
...ما اتسجلتش باسم طارق أصلاً.
الأوضة اتجمدت.
الحاجة كريمة شهقت.
وطارق نزل عينه للأرض.
وأنا حسيت إن قلبي هيقف.
قلت
باسم مين؟
ثواني طويلة عدت.
ثواني كانت كأنها ساعات.
ثم بابا قلب الورقة ناحية طارق.
وقال
قولهم أنت.
طارق ما ردش.
ولا رفع عينه.
ولا حتى حاول ينكر.
وده كان كفاية يخوفني أكتر.
لأن أول مرة من بداية المواجهة كلها...
طارق بقى ساكت تمامًا.
وكأنه عارف إن الحقيقة دي بالذات لو خرجت...
هتغير كل حاجة في العيلة للأبد.
يتبع...الأوضة بقت ساكتة بشكل مرعب.
حتى صوت الأجهزة البسيطة حواليا كان مسموع.
أنا بصيت لطارق وقلت بصوت مخنوق
الوحدة التالتة باسم مين؟
ما ردش.
فضل باصص للأرض.
بابا ضرب بإيده على طرف الترابيزة وقال بحزم
اتكلم.
الحاجة كريمة كانت ماسكة طرف طرحتها بإيد مرتعشة.
واضح إنها عرفت الإجابة قبل ما تتقال.
لكنها خايفة تسمعها بصوت عالي.
وأخيرًا...
طارق رفع رأسه.
وقال بصوت واطي
باسم ماما.
شهقة خرجت مني ومن الممرضة اللي كانت واقفة عند الباب في نفس
أما الحاجة كريمة فقامت واقفة بسرعة
أنا؟!
طارق قال
أيوه.
إنت مجنون؟!
كنت خايف أحط كل حاجة باسمي.
الأوضة انفجرت بالكلام.
الحاجة كريمة بدأت تصرخ
أنا مكنتش أعرف!
وبابا رد بغضب
بس مضيتي!
قالت وهي مرتبكة
قال لي دي إجراءات عادية.
أنا كنت ساكتة.
مش قادرة أتكلم.
كل اللي كنت بفكر فيه إن سنة كاملة من الحرمان والتوفير والضغط النفسي...
وفي المقابل كانوا بيشتروا شقق ويسجلوا عقود.
لكن وسط الزحمة دي كلها...
بابا كان لسه بيقلب في الملف.
وفجأة سكت.
سكت بطريقة خلت الكل ينتبه له.
رفع ورقة أخيرة من آخر الملف.
ورقة كانت متدبسة لوحدها.
وبص لطارق نظرة غريبة.
ثم قال
يعني حتى دي عملتها؟
طارق اتجمد.
أنا حسيت بقلبي نزل في رجلي.
في إيه يا بابا؟
بابا قرأ السطر الأول.
ثم أغلق الورقة بسرعة.
كأنه مش عايزني أشوفها وأنا تعبانة.
لكن الحركة دي خلتني أقلق أكتر.
قلت بإصرار
قول.
بابا تنهد.
وبعدين قال
الورقة دي بتقول إن طارق مقدم طلب بيع لإحدى الوحدات.
أنا بصيت لطارق باستغراب.
ما يبيعها.
لكن بابا هز رأسه.
المشكلة مش في البيع.
أمال في إيه؟
رفع الورقة.
وأشار لسطر صغير في آخر الصفحة.
وقال
المشكلة إنه كان مستعجل جدًا لدرجة إنه وافق يبيعها بخسارة كبيرة.
الأوضة كلها سكتت.
الراجل صاحب البدلة قال تلقائيًا
فعلاً... أنا فاكر الملف ده.
وبعدين بص لطارق
حضرتك كنت مصمم تخلص البيع خلال أيام.
هنا بس فهمت.
لو واحد بيبيع ممتلكاته بسرعة وبيخسر فيها...
يبقى فيه حاجة أكبر بتطارده.
حاجة محتاج لها فلوس فورًا.
بابا سأل السؤال اللي كان في دماغنا كلنا
كنت محتاج السيولة دي ليه؟
طارق فتح فمه...
ثم قفله.
فتح فمه مرة تانية...
لكن قبل ما ينطق،
رن موبايله للمرة العاشرة تقريبًا.
المرة دي ما كانش المحاسب.
ولا سامي.
كان رقم مجهول.
طارق بص للشاشة.
ولأول مرة من بداية اليوم...
الخوف الحقيقي رجع لوشه.
خوف خلى إيده نفسها ترتعش.
ولما الرنة وقفت...
وصلت رسالة قصيرة.
الشاشة نورت للحظة.
والاسم ما ظهرش.
لكن أول جملة ظهرت كانت كافية تخلي لون
دي آخر مهلة... وإحنا جايين النهارده.
يتبع...طارق فضل باصص للشاشة كأنه اتشل.
إيده كانت بتترعش بشكل واضح.
بابا لمح الرسالة، ومد إيده بسرعة وخطف الموبايل قبل ما طارق يلحق يقفله.
يا حاج اديني التليفون.
لكن بابا كان فتح الرسالة بالفعل.
قراها كاملة.
ومع كل سطر كان وشه بيتغير.
أنا حسيت بقلبي هيخرج من مكانه.
قلت بقلق
في إيه؟
بابا ما ردش فورًا.
رفع عينه لطارق وقال
مين دول؟
طارق سكت.
بسألك مين دول؟
ناس ليا معاهم معاملات.
معاملات إيه؟
مفيش إجابة.
الأوضة كلها كانت مستنية.
وفجأة الحاجة كريمة قالت بصوت مرتعش
هو فيه حد بيهددك يا ابني؟
طارق بص لأمه.
ولأول مرة من بداية اليوم كله...
هز رأسه بالإيجاب.
ساعتها أنا حسيت ببرودة غريبة سرت في جسمي.
مش خوف عليه.
لكن خوف من حجم الكارثة اللي مستخبية.
بابا رجع يبص للموبايل.
وفي الرسائل القديمة لقى عشرات المحادثات.
طلبات سداد.
مواعيد.
مبالغ.
وتحذيرات.
لكن وسط كل ده، كانت فيه رسالة مختلفة.
رسالة قصيرة جدًا.
مكتوب فيها
متنساش إن معانا الشيكات الأصلية.
بابا قفل الموبايل ببطء.
وبعدين قال
إنت مضيت شيكات؟
طارق نزل عينه للأرض.
وده كان اعتراف جديد.
الحاجة كريمة قعدت على الكرسي وهي حاطة إيديها على رأسها.
واضح إنها بدأت تستوعب إن الموضوع خرج من مجرد استثمار فاشل.
لكن المفاجأة الحقيقية حصلت بعدها بثواني.
لأن باب المستشفى اتفتح مرة تانية.
ودخل راجل كبير في السن.
أنيق جدًا.
ولابس بدلة غالية.
أول ما شاف طارق قال
الحمد لله لقيتك.
الأوضة كلها بصت له.
الراجل قرب بهدوء.
وقال
أنا دورت عليك في البيت وفي المكتب.
طارق وقف فجأة.
إنت جيت هنا ليه؟
الراجل رد
علشان أقولك إن فيه خبر مهم.
الغريب إن نبرة صوته ما كانش فيها تهديد.
ولا عصبية.
بالعكس.
كانت هادئة بشكل غريب.
بابا سأله
حضرتك مين؟
الراجل طلع بطاقة من جيبه وسلمها له.
بابا قرأها.
ثم رفع حاجبه باستغراب.
أنا قلت بلهفة
مين؟
بابا رد
محاسب قانوني.
الراجل هز رأسه.
ثم التفت مباشرة إلى طارق.
وقال
أنا خلصت
طارق اتجمد.
أما الراجل فأخرج ملفًا رفيعًا من حقيبته الجلدية.
وحطه قدامه.
ثم قال الجملة اللي خلت طارق يترنح في مكانه
فيه حاجة اكتشفتها... ولو طلعت صحيحة، يبقى كل اللي حصل خلال السنة دي مبني على رقم غلط من الأساس.
الصمت نزل على الأوضة كلها.
حتى بابا اتفاجئ.
وأنا بقيت أبص بين
متابعة القراءة